ناصر عراق

عبدالوهاب يتجول ألف عام في حدائق الشعر

محظوظ محمد عبدالوهاب، هذا الموسيقار الأعظم الذي رحل في مثل هذه الأيام قبل 31 سنة. محظوظ، لأنه تلفى الرعاية الشاملة من قبل أمير الشعراء أحمد شوقي لمدة ثمان سنوات متواصلة، لدرجة أن خصص له غرفة في قصره الجميل (كرمة بن هانئ) بالجيزة، ليقيم فيها، يشدو ويلحن ويطمح ويحلم.

محمد عبدالوهابمحمد عبدالوهاب

وفقا لما ذكره عبدالوهاب في أحاديث تليفزيونية وإذاعية كثيرة، فإنه رافق شوقي منذ عام 1924 حتى رحيل الأمير فجأة في 14 أكتوبر 1932، فكان يصطحبه معه لزيارة أكابر مصر ونوابغها في نهايات الثلث الأول من القرن العشرين أمثال طه حسين ولطفي السيد وتوفيق دياب ومحمود مختار ورجال السياسة أمثال سعد زغلول وعدلي يكن وعبدالخالق ثروت، بل منح شوقي لهذا الشاب الموسيقي الصغير نعمة زيارة أوروبا وارتياد المسارح ودور الأوبرا بداية من سنة 1925، وأظن أن عبدالوهاب هو أول فنان موسيقي مصري وعربي يدخل الأوبرا في باريس ليسمع سيمفونيات بيتهوفن وموسيقى موتسارت وباخ وفاجنر، كما شمل الأمير هذا الموهوب اللماح بحنانه حين اصطحبه معه في رحلاته الصيفية إلى سورية ولبنان.

تخيل... شاب ذكي موهوب يعيش مع أكبر شعراء العربية طوال التاريخ منذ المتنبي، الأمر الذي جعله يتعامل مع اللغة العربية بشكل عام، والشعر بشكل خاص بمحبة كبيرة، وهو ما يتجلى بوضوح في أحاديث الرجل مع وسائل الإعلام، فعبد الوهاب صاحب لغة جميلة واضحة مثقفة لا اعوجاج فيها ولا ابتذال.

محمد عبدالوهابمحمد عبدالوهاب

من هنا يمكن فهم الخدمة العظيمة التي أداها هذا الفنان الفذ إلى الشعر العربي، فقد شدا عبدالوهاب بعشرات القصائد التي تكاد تغطي مجمل مراحل الشعر بامتداد ألف عام، فقد غنى قصيدة (أعجبت بي) عام 1935 للشاعر مهيار الديلمي الذي توفي عام 1037، أي منذ 985 سنة، كما لحن عدة قصائد لنزار قباني الذي رحل سنة 1998!

قصيدة  (أعجبت بي)قصيدة (أعجبت بي)

طوال الألف عام هذه تقريبً تجول عبدالوهاب في حدائق الشعر، فقطف ورودًا مزهرة جميلة زادها جمالا بحنجرته الذهبية وموسيقاه الآسرة، فهذا صفي الدين الحلي الذي رحل سنة 1349، أي منذ 673 سنة، وقد اختار عبدالوهاب قصيدته الفاتنة (قالت كحّلت الجفون بالوسن) ليشدو بها ويمتعنا. وهذا الشاعر اللبناني بشارة الخوري الذي كتب (جفنه علم الغزل) ليغنيها عبدالوهاب في فيلم (الوردة البيضاء) عام 1933. أما الشاعر محمود أبوالوفا، فوهبه عبدالوهاب صك الخلود حين ترنم بقصيدته (عندما يأتي المساء) في فيلم (يحيا الحب) سنة 1938.

فيلم الوردة البيضاءفيلم الوردة البيضاء

بامتاد القرن العشرين، (رحل عبدالوهاب في 4 مايو 1991 عن 94 سنة)، رصّع الموسيقار الأعظم ألحانه بالعديد من القصائد المشرقة، تعال نذكر بعضها لندرك حجم الهدايا الفنية الثمينة التي وهبها لنا هذا العبقري الاسثنائي. خذ عندك: (سهرت منه الليالي) لحسين ابن أمير الشعراء، و(أيها الراقدون تحت التراب) لأحمد رامي، و(الصبا والجمال ملك يديك) لبشارة الخوري، و(الجندول) و(كليوباترا)، و(فلسطين) لعلي محمود طه، و(الكرنك) لأحمد فتحي، و(لست أدري) لإيليا أبوماضي، و(همسة حائرة) لعزيز أباظة، و(نشيد الجهاد) لمأمون الشناوي، و(نشيد الحرية) لكامل الشناوي، و(دعاء الشرق)، و(النهر الخالد) لمحمود حسن إسماعيل، و(نجوى) لعبدالمنعم الرفاعي، و(ليالي الشرق) للشاعر والممثل أحمد خميس، و(أغار من قلبي) لعبدالمحسن عبدالعزيز، هذا غير القصائد التي لحنها لأم كلثوم وعبدالحليم حافظ ونجاة وغير هؤلاء.

محمد عبدالوهاب وأم كلثوم | محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظمحمد عبدالوهاب وأم كلثوم | محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ

أما أمير الشعراء أحمد شوقي نفسه، فقد اقتبس عبدالوهاب بعض قصائده وصاغها لنا في أغنيات بالغة الروعة والعذوبة مثل: (خدعوها بقولهم حسناء)، و(منك يا هاجر دائي)، و(يا جارة الوادي)، و(رُدّت الروح على المضنى معك)، و(علموه كيف يجفو فجفا)، و(مضناك جفاه مرقده)، و(جزء من مسرحية شوقي مجنون ليلى، حيث قدمه مع أسمهان في فيلم يوم سعيد سنة 1940)، ولن أتحدث الآن عن الأغنيات التي كتبها شوقي بالعامية المصرية خصيصًا لتلميذه النجيب!

في ذكرى رحيلك... سلام عليك يا عبدالوهاب أينما كنت. 

أحمد شوقي ومحمد عبدالوهابأحمد شوقي ومحمد عبدالوهاب