سعد وليد بريدي

مواسمُ الفنون

إن اسم المكان والزمان من كلمةِ وَسَم، هي مَوسِم إذ تعبرُ عن الزمانِ أو المكان أو كلاهما معاً، وهي تعني اجتماعُ الشيء حوله. 

وقد تكون الحفلُ والمعرضُ والتّجمهرُ والوقت الحائن، كموسمِ قطافِ العنب مثلاً فهنا أشيرَ بهِ لزمنِ جّني الثمر، أو أن نقولَ موسمُ الحج إذ يقترنُ فيهِ الزمانُ و المكان معاً.

وإذا ما دققنا بالكثير من الأشياءِ التي تحيطُ بنا ونحيطُ بها، فإنّنا نجدُ للموسمِ أثراً كبيراً بها، فللفاكهةِ مواسمٌ و لتكاثرِ الحيواناتِ مواسم ولهجرة الطيور مواسم وللحصادِ مواسم ولسفرِ الأسماكِ جماعاتٍ مواسم وهي تشقُّ بزعانفها عباب البحار بحثاً عن زمنٍ دافئ بمكانٍ وفير الغذاء قليلِ الافتراس.

حتى الفيلسوف الإغريقي أرسطو، درس ورصد موسم هجرة الطيور قبل 3000 عامٍ خلت باحثاً ممحصاً عن أسبابها ومكنوناتها والغرض منها، وخلُصَ بأن هجرةَ الطيورِ تخضعُ لقوانين فيزيائية بحتة يمكن أن يُستدلَّ منها عن موعدِ العاصفة والكارثة وبوادر الغيث و اقتراب ولوجِ الشتاء.

أرسطوأرسطو

ومن كلِ هذا وذاك، كان للأدبِ والفنِ والرسمِ والشِعر والحب مواسم، فكيف لا يكونُ للعشقِ مواسم وقد استلهم الشعراءُ من الفصولِ ومن منازل القمر مواقيتاً للحبِ والغزل ولأجل هذا قال نزار قباني: «جاءَ تشرينُ يا حبيبةُ عمري.. أحسنُ الوقتِ للهوى تشرينُ»، فكان الخريفُ موسماً أمثل كي ينبضَ فؤادهُ بعذوبِ الكلامِ و أجمله.

نزار قبانينزار قباني

بينما رأى بعضُ الشعراء بأنَّ فصل الربيع هو الحاضن الأميز، الذي يرتقي بالأحاسيس أيَّما ارتقاء حيثُ تهيجُ معهُ المشاعر وتتسامى فيهِ صنوفُ الخيال و يرتجفُ بهِ تامور القلب.

وكيفَ لا وهو الزمانُ الذي تدفئُ فيه الريحُ الباردة وتزدان الأرض بجميل حليها وتصدحُ بأدواحهِ البلابلَ وتتسربلُ الأرضُ والأشجارُ بمدهامِ خضارها ويكون لخريرِ الجدولِ ولصوتِ الثغاءِ بالمرعى ولصفاءِ السماءِ بالأعلى الأثر الأجدى للشاعرِ فيخرجُ وصفهُ ثراً غزيراً رقيقاً رقراقاً.

ولأجل هذا قال إبراهيم ناجي:

جدّدي الحبَّ واذكري لي الربيعا.. إنني عشت للجمال تبيعا

أشتهي أن يلفَّني ورقُ الأيكِ.. وأثْوي خلف الزهورِ صريعا.

إبراهيم ناجيإبراهيم ناجي

حتى ربيعُ البصرةِ الجميل ورغم حرارتهِ وشدَّةَ جفافهِ، إلا أنَّ منظر بزوغِ القمرِ المنعكسِ على صفحاتِ شطِ العرب حيث ضوءهُ الناعمِ يرفلُ على أوجانِ ملتقى الرافدينِ فيكونُ هذا المنظر في هذا التوقيتُ البهيّ، موسماً مثالياً لبدر شاكر السياب بأن يجترح عذبَ كلامه متغنيا بالحبِ بين ظهراني الربيع إذ يقول:

كأنَّ ابتسامتها والربيع شقيقتان لولا ذبول الزهر..

أآذارُ ينثر الورود على ثغرها أم شعاع القمر..

فيكونُ ربيع شهر مارس «آذار»، هو الموسم الرئيس له كيما يكتب أجمل قصائدة وأنضرها صفاء.

أما فيما يخصّ الكتابة والأدب، فكان للأدباءِ مواسماً و مواقيتاً يبرعون بالكتابةِ فيها، فكان طه حسين مثلاً، لا يرى في فصلِ الصيفِ ميقاتاً ينشطُ فيهِ ذهنه ويمرح به قلمه، فيرى في الصيف فصلاً للهو والمرح ولا يجد سعةً في خياله بين جنباتِ هذا الفصل، حتى يتباها قلمهُ اختيالاً بين أسطر الورق.

طه حسينطه حسين

وشاطرهُ هذا الاعتقاد الروائي نجيب محفوظ، الذي كان يتخذُ من الصيفِ موسماً لاستجماعِ الأفكار واستلهامِ الخيال، فيجمعُ كل ذلك في دورقِ خيالهِ لينسجها كلاماً في رواياته التي كان يكتبها إبان فصلِ الصيف.

نجيب محفوظنجيب محفوظ

بينما وجد جون كيتس، في فصلِ الصيفِ موسماً تستقر فيه بواطن عقله عن الشتاتِ الذي يعتريها طوال العام فتدفأ مع حرارة الصيفِ أفكارهُ وخلجات نفسهِ، لتنساب عبرَ كتاباتهِ حيثُ تزهو في هذا الفصلِ سرائرهُ وتصفى أحاسيسه وكأن الصيف قد أوحى له ما يكتب وما يُبدع ليكون موسمه السنوي بالكتابة.

جون كيتسجون كيتس

وفي القرن التاسع عشر، لوحظَ كذلك بأن عدداً من الرسّامين الروس، اتخذوا من فصلِ الشتاء موسماً لهم للرسمِ والإبداع، ربما لطبيعة روسيا الشتوية دوراً كبيراً في ذلك حيث إن الثلج هو جزء من ثقافة الشعب الروسي، كونهُ الزائر الأبرز لحياتهم طوالَ فصلِ الشتاء الطويل، فيفترشُ السهول والمراعي ويكسو غاباتِ الصنوبر فيغدو كوشاحٍ أبيضٍ ناصع يتماهى مع لونِ عتمةِ الليلِ البهيمِ ومن فوقهِ النجومُ تتلألأ وتبرقُ بالأعلى وكأنها قينة أندلسية تتماوج طرباً برقصة الفلامنكو. 

فيثير هذا المنظر خيال الشعراءِ والرسامين أمثال إيفان شيشكين وإيفان بوخيتونوف صاحب لوحة (تأثير الثلج) الجميلة كذلك الرسّام بيسيمسكي صاحب لوحة (حلم الشتاء) وغيرهم من المبدعين الذين اتخذوا من فصلِ الشتاء موسمهم المبَّجل لتفريغِ فنهم الجميل.

إيفان شيشكين وإيفان بوخيتونوفإيفان شيشكين وإيفان بوخيتونوف

كذلك المبدع نيكولاي جوجول، وتحديداً في قصته (المعطف)، التي أبرز فيها دور صقيع وثلجِ سانت بطرسبيرج على أهواءِ وأمزجةِ سكانها.

إن الفنان هو كتلة من الأحاسيس اللامتناهية ورغم بساطتها إلا أنها معقدة، وما يثير الفنان سواءً أكان مؤلفاً أو شاعراً أو نحاتاً أو رسّاماً، هو مواطنُ الجمالـ ولكنها تكون متأرجحة في بوصلة غير مرئية داخل عقلهِ الباطن لا يعلمُ هو كيف ومتى وإلاما تشير. 

نيكولاي جوجولنيكولاي جوجول

أعيشُ تماماً تأرجُحَ إبرةِ بوصلتي فلا أستطيعُ أن أكتب في كلِ وقتٍ وحين حتى لو أسدرتُ خيالي آناءَ هدوءِ الليل، أو في صخبِ النهار، محاولاً الكتابة فأراني لا أستطيع، بينما في وقتٍ ما بموسمٍ ما أجدُ الأفكار تثور بخيالي بعنف. 

وتدعوني الآن أن أنظُمُها نثراً أو شعراً فأغادر بالحال مضجعي بعمقِ الليلِ السادر، حتى أكتبها لأنها أيقظتني من نومي، ولربما أحياناً تأتيني وأنا في خِضَمِ انشغالي بعملي نهاراً، فتجدها توقفُ كل أنشطتي حتى أحررها من قيودِ سلاسل عقلي.

إن مواسمها شيئاً لا أدركه ولا أعرفه أهو ربيعاً أم خريفاً أم أنها ترتبطُ بمنازل القمر حقاً لا أعرف، وبما أنها غريبة فقد يكون موسمها غريباً أيضاً أو فصلاً لم أعشه وقد أكون قد عشتهُ في زمنٍ غابر.