عيد الفطر، هو الجائزة الذي يكافئ به الله تعالى عباده الصائمين، واليوم الذي ننتظره جميعاً بشوق وفرحة سعياً، لتجاوز مشاعر الفقد والوداع للشهر الكريم، فنستعد لممارسة طقوس وعادات عهدناها ولم تتغير منذ زمن بعيد.
ولكن هل خطر لأحدنا أن يبحث في أصل الأشياء التي اعتدناها لسنوات طويلة؟ تلك الطقوس والاحتفالات التي لم تكن وليدة لحظة بل لها جذور قديمة تمتد لعصور تاريخية سابقة، وها نحن نمتطي آلة الزمن لتعود بنا إلى الوراء لنستعيد الأحداث والذكريات التي تكشف لنا الكثير من العادات التي توارثناها فأصبحت أساس احتفالنا بأيام عيد الفطر المبارك.
احتفالات المصريين بعيد الفطر
ولتكن البداية من عند العصر الفاطمي، في مصر، الذي تميز بطقوس خاصة ومبتكرة لعيد الفطر، حيث تفردوا في مظاهر الاحتفال به بل وبالأعياد والمناسبات كافة.
احتفال العيد في العصر الفاطمي في مصر
فكانوا يبدأون إعداد العدَّة مع حلول النصف الثاني من شهر رمضان، بصناعة الحلوى والكعك الذي يتفننون في نقشه وحشوه، ليتم توزيعها على كل موظفي الدولة.
كما تم إنشاء «دار الفطرة» الدار الحكومية المخصصة لصناعة الحلوى، وتحديداً الكعك لتوزيعه على الناس، ولم يكن يُرد عنه سائلاً حتى ينفد تماماً.
أما عن تمويل الدار فيكون من دقيق وسكر وزيت بالإضافة إلى اللوز والبندق والزبيب، وكان يوضع الكعك على أطباق وصوانِ من الذهب الخالص للولاة، ومن الفضة لعامة الشعب، كما كانت توزع كسوة العيد من أجمل الثياب والحلي
بينما كان الخليفة الفاطمي يقف في نافذة قصره بعد صلاة العيد، ويأمر بدخول العامة إليه للتهنئة والحصول على الكعك، ثم يتجه في موكب إلى قاعة الذهب التي تحتوي على مائدة من الفضة، أعدت خصيصاً له تُسمى «المدورة» تحمل أوانٍ من الذهب والفضة يبلغ عددها نحو 500 صحن وبها الكثير من أنواع الأطعمة.
أما موائد الرحمن فكانت تقدم كل الأكلات على مائدتين طوال اليوم في مساحات كبيرة بالقصر الشرقي الكبير، وذلك في أيام رمضان والعيدين وفي المولد النبوي و5 موالد أخرى منها مولد سيدنا الحسين والإمام عليّ.
أطلقوا على عيد الفطر اسم عيد «الحلل» حيث كانوا يتولون كساء الشعب علاوة على توزيع «العيدية»، التي كان يوزعها الخليفة على الرعية فينثر عليهم الدراهم والدنانير الذهبية من أعلى أحد أبواب قصر الخلافة كما يوزع بعض الدراهم الفضية على الفقهاء وقراء القرآن الكريم.
وتميز العصر المملوكي بتخصيص «وقفيات» ليُصرف من ريعها على صناعة الكعك ومن أشهر هذه الوقفيات (وقفية الأميرة تتر الحجازية).
وتنص الوقفية على توزيع الكعك الناعم والخشن على الفقراء واليتامى وكذلك المدرسين بمدرستها التي أنشأتها عام 748هـ.
أما عن العيدية أو «الجامكية» كما أطلقوا عليها حيث أخذت طابعاً رسمياً وكانت تقدم في طبق به دنانير ذهبية محاطة بالكعك والحلوى، فكانت بمثابة العيدية التي يأخذها الأمراء وكبار رجال الجيش وتقدر حسب الرتبة والمنزلة التي يتمتع بها كل فرد.
ورغم أن هناك اعتقاد بأن ظهور كعك العيد يعود للعصر الفاطمي، إلا أن هناك أدلة تاريخية ساقها البعض، للتأكيد على وجود الكعك نفسه دون ارتباطه بالعيد منذ أيام الفراعنة، وأنهم أول من عرفوا صناعة الكعك حيث كانوا يصنعونه بأشكال مختلفة تصل إلى 100 شكل، لتقديم الكعك المصنوع على هيئة قرص الشمس للكهنة وكذلك وضعه في المقابر كقرابين للموتى، في حين يؤكد آخرون انتمائه وعودة جذوره إلى عصر الدولة الطولونية حيث كانوا يصنعونه في صورة قوالب مكتوب عليها «كُـل واشكر».
في حين يُرجِع البعض عادة صناعة كعك العيد إلى العصر العباسي وتحديداً في عام 135هـ حين أهدى «الليث بن سعد» -الذي عاصر الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية- للإمام مالك بن أنس في المدينة المنورة صينية كعك محشو بالذهب وكان يوزع الكعك والهريسة التي أطلقوا عليها «هريسة الليث».
ولكن بعيداً عن عادات «الليث» فقد اتبع خلفاء الدولة العباسية الكثير من طقوس العيد، فقاموا بتصنيع العديد من أصناف الحلوى ووزعوها على العامة مع الأقمشة والأموال في الأسواق لبث مشاعر الفرح والبهجة في النفوس احتفالاً بحلول العيد.
وتطورت صناعة الكعك فى عهد الإخشيديين حتى أصبح من أهم مظاهر وطقوس عيد الفطر، وقام الوزير أبو بكر المادراني بحشو الكعك بقطع من العملة الذهبية.
بينما كان الاحتفال بالعيد يبدأ بعد أداء صلاة فجر اليوم الأول في عصر الدولة العثمانية، حيث يتوجه كبار رجال الدولة والأمراء في موكب إلى القلعة لأداء صلاة العيد في جامع الناصر محمد بن قلاوون، لتبدأ المراسم في القلعة ويتقدم للتهنئة الأمراء وكبار البكوات والمماليك وكبار الضباط، وتقدم لهم الحلوى ومشروب «الشربات».
مسجد السلطان قلاوون أحد أشهر سلاطين الممالي
وفي اليوم الثاني تقدم القهوة مع الحلوى ومشروبات أخرى، وتنتشر رائحة البخور في مختلف أرجاء القلعة.
مدافع القلعة
أما عامة الشعب فكانوا يعدون الكعك والحلوى، ويتزينون جميعاً للنزول معاً لأداء صلاة العيد، كل رب أسرة مع عائلته، لتبدأ بعدها نزهتهم في بركة الأزبكية وجزيرة الروضة، ومن العادات التي تميز بها «عيد» العصر العثماني، هو إطلاق مدافع القلعة طوال أيام العيد الثلاثة في أوقات الصلاة.
وكان يبدأ العيد مع نهاية اليوم الأخير في رمضان، حيث يتوافد القراء والمبتهلون على قصر الخليفة العثماني، لإحياء ليلة قرآنية وابتهالات وتواشيح دينية.