مختار سعد شحاته

مأساة مدام فهمي ومعضلة الشرق والغرب

انتهت الحرب العالمية الأولى، وألقت بظلالها على الشارع العربي، الذي انشغل بقضايا مصيرية، مثلما حدث في مصر خلال الحركة الوطنية التي تلت عام 1919. 

ونظرا للمقاومة الشرسة اضطرت بريطانيا إلى إعلان استقلال مصر، ولكنها أدخلتها إلى فترة سميت بفترة الحماية البريطانية. 

وهي الفترة التي انتشرت فيها مقولة الكاتب الإنجليزي صاحب نوبل لعام 1907، روديارد كبلنج: «الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلقيا أبدًا». 

تلك الجملة التي عكست طبيعة الصراع الوطني بين البلاد المحتلة وبين الاحتلال.

ولعل عام 1923 من أهم تلك الأعوام، التي شهدت قضية نالت اهتمام الجماهير في أوروبا، فرنسا وبريطانيا من جانب، ومصر على وجه الخصوص من جانب آخر. 

قضية مقتل المليونير المصري الشاب علي بك فهمي، (أمير الشباب)، الذي قتل في منتصف ليلة 10 يوليو 1923 على يد زوجته الفرنسية التي اشتهرت بلقب «الأميرة منيرة فهمي»، بعد قصة حب غريبة، جمعت بين المغدور (23 عامًا) وبين «مارجريت» (30 عامًا)، وهي القضية التي تحولت من مجرد جريمة قتل، إلى قضية وطنية من الطراز الأول.

مدام فهميمدام فهمي

ورصد الكاتب الصحفي المصري الراحل صلاح عيسى، تلك الجريمة في كتابه الصادر عام 2011، الذي حمل عنوان «مأساة مدام فهمي»، وبحسه الصحفي الاستقصائي الموهوب، صاغ تفاصيل تلك القضية بين الشاب المصري، وتلك الغانية الفرنسية، ونقل وقائع المحاكمة التي عُقدت في لندن، بعد الجريمة بقرابة الشهرين.

تطايرت أنباء تلك المحاكمة، لتتحول إلى قضية صراع وطني بين المحتل البريطاني والمصريين، خاصة المدافعين عن الاستقلال المصري، وذلك بعد أن حصلت «مارجريت» على البراءة بعد مرافعة المحامي البريطاني مارشال هول، الذي حوَّل القضية من جريمة قتل زوجة لزوجها، إلى قضية صراع حضاري بين الغرب «المتحضر» والشرق «الهمجي المتخلف» -حسب ما جاء في نصّ مرافعاته-. 

وألقت القضية بظلالها على الداخل المصري، وتزامنت مع فترة تبني حزب الوفد المصري خلالها قضية حرية المرأة.

لقد زاد الحديث في تلك الفترة في مصر عن زواج شبابها من الأجنبيات، وراح المجتمع المصري بكل طوائفه يعتمد على تلك الحادثة كدليل على ضرورة مناهضة هذا النوع من الزواج، خاصة بعد أن تحولت مرافعة المحامي الخاص بمارجريت إلى عريضة اتهام للشرق بالتخلف والهمجية، إلى درجة أن نقابة المحامين المصرية احتجت رسميا وطالبت الخارجية البريطانية بالاعتذار عما قاله «هول»، في رسالة أرسلتها إلى النائب العام البريطاني. 

وهو ما استدعى أطرافا كثيرة للتدخل في ذلك الصراع، الذي تحول إلى صراع بين الشرق والغرب، وكأنه أصبح فرصة مناسبة لتسوية عداوات سياسة في الداخل المصري، وليس في مواجهة المحتل البريطاني فقط، إذ دارت رحى حرب سياسية على صفحات الجرائد المصرية بين حزب الوفد، والأحزاب المناوئة له وقتها، وبدأ كل فريق في استغلال ملابسات ووقائع وتطورات تلك القضية لصالح قضاياه وأفكاره، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، لكنه تحول أيضا إلى صراع بين الراديكاليين المحافظين، وبين دعاة التمدين والتحضر الجُدد.

كذلك دخل الفنّ والثقافة على خط الصراع، إلى الدرجة التي دعت شعراء مصريين إلى كتابة قصائد مطولة حول القضية، منهم الشاعر والكاتب المصري بديع خيري، والفنان المصري يوسف بك وهبي، الذي أنتج الفيلم النادر «أولاد الذوات» للدفاع عن الشرق وأخلاقه النبيلة في مواجهة الانحلال الأخلاقي الأوروبي المُتصور حينها. 

تتر الفيلم المصري أولاد الذواتتتر الفيلم المصري أولاد الذوات

كما تبنت العديد من المسرحيات معالجة الأمر، وانضم إلى هذا الصراع أيضا أشهر الأصوات النسوية في حركة تحرير المرأة المصرية وقتها، وراحت الخطب والمقالات تترى للدفاع عن المصريات وجمالهن وحشمتهن في مقابل التهتك الذي تعيشه الأوروبيات، خاصة القادمات من لندن وباريس وبرلين، وظهرت شبه دعوة في الأوساط المصرية تتبنى دعم الزواج بالمصريات في مقابل الزواج بالأجنبيات.

خبر عن وصول بطلة الفيلم المصري أولاد الذواتخبر عن وصول بطلة الفيلم المصري أولاد الذوات

تشابكت في تلك القضية محاور كثيرة متشعبة، كان أهمها تحول القضية إلى قضية نضال وطني ضد المحتل البريطاني. 

وعلى الرغم من قناعة النخب المصرية وقتها بفساد أخلاق الشاب المصري المغدور، والذي انتحل لنفسه صفة أمير ينتمي للأسرة الملكية في مصر، حتى أن الحكومة المصرية نفت ذلك رسميا خلال التحقيقات في القضية، إلا أن ذلك لم يمنع أن تُقام جنازة مصرية شعبية مهيبة له، فقد صار مثالاً على خطورة الزواج بالأجنبيات وقتها.

ودون أن يدري أطراف القضية، فقد أزكوا النار في الحرب السياسية والفكرية الدائرة في مصر آنذاك، بين دعاة التمدن الحديث وبين المحافظين، بل وصار تحديد الموقف من هذه القضية الخاصة، بمثابة نقطة ارتكاز في تحديد الموقف من قضية الوطن والهوية والاستعمار.