دكتور الزبير مهداد

الانتخابات مرآة عصر الصدام

أعيد انتخاب إيمانويل ماكرون، رئيساً لفرنسا لولاية ثانية، بعدما تغلب على منافسته مارين لوبن، إلا أن اللافت للانتباه أن هذا الفوز الانتخابي كان صعبا في مواجهة اليمين المتطرف التي حققت مرشحته أعلى نتيجة لمرشح يميني متطرّف في انتخابات رئاسية منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958. 

وقبيل الانتخابات، كشف الرئيس ماكرون عن تخوفه من تقدم اليمين المتطرف الذي كان يستغل الغضب الشعبي، ويغتنم الفرصة لإحراز تقدم انتخابي، عن طريق تصريحات شعبوية تحاول امتصاص غضب الشارع.

ماكرون | فرنساماكرون | فرنسا

إن الانتخابات التي تقام في هذه الدول الديمقراطية، تعد مرآة لها، تكشف مدى قدرتها على الصمود في مواجهة التيارات الشعبوية المخربة، فهذه الديمقراطيات التي أفلحت في بناء دول تتأسس على المؤسسات والقوانين، كانت إلى عهد قريب مثالا يحتذى به، أصبحت مهددة بإعصار الشعبوية المتطرفة التي تنخرها وتقوضها، لأنها تعتمد خطابا غير عقلاني ولا منطقي، تعزف على وتر الغضب السائد، وتنهج أسلوب الصدامية والهجوم، لأجل ضرب الأنظمة والمؤسسات، والاستعانة بالفوضى والعنف، وتغري الناس بالخطابات المضللة والوعود الكاذبة.

وقد أفلحت حقا في اكتساب قاعدة شعبية عريضة، تتضخم باستمرار، وأصواتا انتخابية كثيرة تتزايد دوما خلال كل حملة انتخابية. بسبب استغلالها الحركات الاحتجاجية الاجتماعية، والظهور في وسائل الإعلام الحديثة لنشر أضاليلها وخطابها الهجومي.

إن تنامي موجة اليمين المتطرف جعل الديمقراطية الأوروبية تمر بمرحلة صعبة، تسود فيها المواجهة العنيفة، التي تمزق أواصر الالتحام الشعبي والوحدة الوطنية، وتشل قدرة المواطنين على التفكير المنطقي السليم الذي يعتمد على المعلومات الموثوقة.

فلا يمكن للسياسات الحكومية في المجالات الاقتصادية أو الاجتماعية بالخصوص، مهما أوتيت من دقة وعدالة، أن تحظى بقبول الجميع، فمن الطبيعي أن تجد معترضين عليها، رافضين بعض إجراءاتها، ما يدفعهم إلى الاحتجاج والتعبير عن الرفض، إلا أن الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي، وانتشار خطاب التبخيس والتشكيك والهجوم والتضليل، أوصلا الرأي العام وكذا الخطاب السياسي إلى فقدان البوصلة. ما أدى إلى ارتقاء أشخاص لمراتب القيادة السياسية دون أن يكونوا أهلا لها، وأصبح الخطاب السياسي الشعبوي يتسم بالعنف، بدل الحوار، والهجوم بدل الإقناع.

إن الحوار السياسي في الدول الديمقراطية، لم يعد نقاشا أو استعراضا لفكر أو لسياسات، بل أصبح يغلب عليه طابع المواجهة القوية والصدام، الذي يوظف معلومات ناقصة، أو في غير سياقها، أو يقرأها قراءة خاطئة، بغاية إسكات الخصم، وتحطيمه، والظهور بمظهر القوة في مواجهته، لإبطاله وتبخيسه وتخطئته، بعيدا كل البعد عن الموضوعية والنزاهة والصدق والدقة.

الانتخابات الفرنسيةالانتخابات الفرنسية

ويعاني العالم المعاصر تضخما للمعلومات الشعبية السطحية غير الموثوقة تجاوز حده، مع عجزه عن تفسير التحولات المعقدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العالمية، أو تقديم تفسيرات متناقضة، ونتج عنه عزوف عن مصادر المعلومات الموثوقة، وغياب الثقة فيها، وحل محلها استنباطات مؤامراتية لشرح التحولات التي يشهدها عالمنا المعاصر، كما أنتج مجموعة لا متناهية من "الخبراء والمختصين" الذين يفهمون كل شيء ويتكلمون في كل شيء دونما أي حرج أو خجل. هذه الأمور كان لها تأثير عميق في الأفراد والمجتمعات. فمثلما يحصل في الميدان المالي، فإن تضخم المعلومات أدى إلى فقدان الثقة فيها.

الأخبار الزائفة كسبت كثيرا من المصدقين بها، المدافعين عنها، المتحمسين لها، ما مكنها من التضييق على نشر وتداول الأخبار الصادقة والمعلومات الحقيقية، وأصبحت بالتالي تؤثر في صناع القرار في العالم، من خلال تحريك المؤمنين بها المؤثرين بعددهم في الاختيارات السياسية للبلدان. هذه الأسباب دفعت المواطنين إلى اختيار وقبول الخطاب الشعبوي المتطرف، تعبيرا عن حذره، واحتجاجه على الأوضاع الاجتماعية الصعبة، وعدم ثقته في التفسيرات الرسمية، التي حجبتها أو هاجمتها وحرفتها تدوينات شبكات الاتصال الاجتماعي.

إن الخطاب السياسي الشعبوي المتطرف خطاب مضلل وغير صادق، ولأجل انتزاع الاهتمام الشعبي، يعتمد أسلوب الهجوم على الخطاب الرسمي وتبخيسه وإبطاله، الأمر الذي ولد لدى العامة الحذر من الخطابات السياسية، والتشكيك فيها، وعدم تصديقها، فتفشت السذاجة، وأصبحت المجتمعات قابلة للانجرار وراء كل صيحة، للتمرد العفوي، والاصطفاف خلف الرافضين، والاصطدام مع الأنظمة السياسية والمؤسسات، ما جعل الاستقرار الاجتماعي هشا، ينذر بانهيار الديمقراطية.

إنه "عصر الصدام" -كما يسميه الباحث الفرنسي كريستيان سالومون- المواجهة هي المحرك الجديد للتواصل السياسي.

وأصبح "خبراء الصدام" هم الذين يضعون الخطط الانتخابية، بدل خبراء الاتصال الذين كانوا يضعون خطط الحملات التواصلية الحوارية لتعبئة الناخبين.

أو كما يسميه الفيلسوف الفرنسي ألان دونو حلقة من حلقات "نظام الرداءة"، بخطابه المفعم بكلمات محورية، يستخدمها السياسيون، وغرف الأخبار، يوظفونها في مغالطات، مثل لفظ "الحكامة" و"المواطنة" و"الأغلبية" و"الإرادة الشعبية" وغيرها، من الكلمات الجوفاء التي تبدو في ظاهرها أقل ضررا مما نعتقد، لكنها تقصي الآخر، وتجعل العقل والفكر في سبات. 

الفيلسوف الفرنسي ألان دونوالفيلسوف الفرنسي ألان دونو

فأولوياتهم ليست وضع سياسات حصيفة، بل رفع لواء مطالبات شعبوية تافهة تشغل الناس بأمور استهلاكية ونقاشات حول الأسعار والرسوم والرواتب والعلاوات، وأنشطة الترفيه الرخيص وكرة القدم. ويهربون إلى الأمام بإلقاء المسؤولية على غيرهم.