تمثل تجربة الرسام التشكيلي المصري علاء حجازي سواء في معارضه أو أعماله الصحفية أو مقالاته النقدية سلسلة جريئة... ففي الرسم استعاد مجد جذور ذلك الفن، بخامته الأولية، ليؤكد أن العمل هو صوت اللغة وقلبها وقاموسها، وليست الخامة التي تحدد ماهيتها. صنع حجازي بالقلم الرصاص عوالم موازية، تتحدث في فضائها الخاص، لتسكب من الأسود والأبيض ألوانًا بلا حدود.
وفي الأعمال الصحفية جسد الفنان الجدية التي تجعل من رسم شارح عابر لوحةً قائمة بذاتها، أما ملاحظاته فتوفر منهاجا لدارسي تاريخ الفن وعشاقه. هذا الحوار يأتي بعد متابعة له تقترب من العقدين لما يقدمه هذا الفنان المصري:
حدثنا عن البدايات، سنوات ما قبل الدراسة، كيف ولدت بذرة الفنون؟
البداية كانت بالمدرسة الإبتدائية حيث أعطتنا مدرسة الفصل موضوعا لنرسمه، ثم أعطيته لخالي كي يرسمه! وعندما رأته المدرّسة وضعته جانبًا، ثم قالت لي: "ارسم الموضوع ثانية أمامي!" فأسقط في يدي، وشعرت برعدة الرعب، لكنني جلست ورسمت، فقالت المدرّسة "أنت راسم ده أحسن من الأولاني !!" وكان تأثير هذه الجملة هو الأهم بكل مراحل دراستي الفنية.
من أعمال علاء حجازي
هل أعطتك دراسة الفنون الجميلة ما كنت تبحث عنه؟
بكل تأكيد لم تعطني كل ما أبحث عنه؛ لنقص المناهج التي وضعها لنا المستشرقين، ولكنها أعطتني مفاتيح البحث عن دراسة أعمق وأشمل وأكثر دقة من خلال البرامج التعليمية الأوربية التي عكفتُ على دراستها من جديد لمدة ثلاث سنوات.
قرأت ورأيت وسمعت تعليقات كبار الفنانين التشكيليين يتحدثون بحب عن معارضك، الدكتور أحمد نوار يتحدث عن التأمّل، والذاتية، والتصوّف، في أعمالك، والدكتور الدكتور مراد درويش قال لطالبات الفن وطلابه المتحلقين أمام أعمالك أن تجربة الفنان علاء حجازي، تقدم نموذجا لتثوير الخامة مضيئا أعمال أساطين الفن التشكيلي، مثل ليوناردو دافنشي. لكنك مقل بعمل المعارض، لماذا؟
تأتي قلة العرض لأسباب عديدة أهمها الشللية وانحدار مستوى المعروض وهيمنة من لا يعرف عن الفن أكثر من كونه شئا يتم وضعه ليتماشى مع ديكور المنزل، والعرض لرسامي الصحافة لاستغلال شهرة أسمائهم، بغض النظر عن الفرق الشاسع بين لوحة الحامل وأغلفة المجلات أو بمعنى أدق الرسوم التوضيحية من الذين تم استجلابهم من الصحافة لعمل لوحات الحامل بلا وعي دقيق بماهية الفن وأنواعه المتعددة، وكذلك لوجود الكثير من النفاق الاجتماعي الذي لا أجيده رغم محاولتي اجادته!
من أعمال علاء حجازي
لك تجربة في السفر، هل أضافت لك، أم أنها عطلتك نوعا ما؟
هي سلاح ذو حدين حيث تعطيك حرية البحث والتجريب والإنفتاح بوعي على العالم ولكن السئ فيها أنك عندما تعود لبلدك فإنك تبدأ من الصفر.
الفنان التشكيلي قد يلجأ للعمل خارج إطار اللوحة، سواء في فضاء الإعلان أو تحت سماء الصحافة، كيف ترى تجربتك الخاصة؟
العمل في الصحافة له أهمية الحفاظ على اللياقة الفنية ولكن يجب أن يتم على فترات متقطعة غير متصلة لمدد طويلة حتى لا تجعل الرسام مجرد فنان رسوم توضيحية فقط، وذلك يحدث بالضرورة لو استمر الفنان طوال حياته يعمل بالصحافة. أما ان تدخل لمدة سنتين أو ثلاثا وتخرج فهذا مفيد بكل تأكيد ...
أما العمل في الاعلان فأراه مفيدا لأبعد حد لأنه يجعل الرسام مهتماً بما هو أبعد من الحرفة كحرفة ويجعله يهتم بروح الفن وهو التعبير، وأرى أني استفدت فنياً جداً من عملي المتقطع في الصحافة وكذلك عملي المستمر في الدعاية والإعلان
من أعمال علاء حجازي
لك شغف بالسينما، كما تعبر عنه لوحات كثيرة في معارضك، كيف ترى هذا التودد؟
السينما عشق ودراسة خاصة لي في الإخراج السينمائي، وقد حاولتُ عمل أفلام ولكن لانتاجها طقوسا وواجبات في عالمنا العربي لهذا لم أستطع فعل ذلك، رغم أنه حلمي. لهذا توجهت لعمل كادرات لأفلام مهمة - من وجهة نظري - محاولاً مضاعفة التعبير من خلال الرسم؛ بمعني أن كادر صفع عبد الحليم حافظ من عماد حمدي في فيلم "أبي فوق الشجرة" حاولت مضاعفة الإحساس بالألم، وهكذا بالإضافة لمحاولة دراسة التعبير بصورة أفضل من خلال الممثلين، وطريقة تفكير المخرجين، وإبداع المصورين.
قدمت سلسلة مقالات عن أسرار الضوء في لوحات عالمية، ما هو سر الضوء عندك؟
الضوء يساوي التعبير ومن خلال طرقه نرى دراما العمل الحقيقية، كما أن له دلالات درامية مؤكده؛ كأن تسلط الضوء من أسفل لأعلى على وجه فيتحول لوجه شيطاني مثلاً أو تضيء العمل بشمعة فتشعر بتوتر داخل العمل وهكذا ..
الضوء هو العمل بالنسبة لي وأدقق به أكثر من أي شئ أخر كحرفة لأنه في نهاية المطاف عالم بلا ضوء هو "لا عالم".
من أعمال علاء حجازي
كيف ترى المشهد العربي للفن التشكيلي؟
مرتبك وصدى صوت لما يقدمه الغرب، ومظلم وعندما يكون هناك إظلام وحديث أدبي عن الحرفة تأكد أن هناك نقص علم. يجب أن تتغير مناهجنا لتواكب ما يدرسه الغرب؛ بمعنى أنني ادرس رامبرانت لا لأقلده ولكن لأعرف طريقة تفكيره في عمل بورتريه أو موضوع أو حتى حرفته، ولكن إنتاجي يجب أن يكون خاصا بعالمنا العربي، ولا يستدعيه المشاهد (اقصد رامبرانت) عندما يشاهد عملي رغم أنني قد بنيت عملى على المنهج نفسه الذي يعمل به.
ماذا تقول للأجيال الجديدة من التشكيليين أو المتطلعين لدراسة الفن؟
هم بكل تأكيد أفضل حالاً منا بسبب ثورة الاتصال الكبيرة ويجب أن يستفيدوا منها في تعلم منهج التفكير والحرفة أكثر من استخدامها في منهج النقل والتقليد الحرفي بلا وعي فكري.