بوزيد الغلي

الأسرة والمدرسة: هل جارت إحداهما على الأخرى؟

في حوار تضمن نظرات متقاطعة للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشي، والخبير التربوي فيليب ميريو، نشرته جريدة «لوماتان» الفرنسية، وُضع على المحك دور الأسرة والمدرسة في عالم اليوم الضاجّ بالمتغيرات.\

الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشي| الخبير التربوي فيليب ميريوالفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشي| الخبير التربوي فيليب ميريو

فقد شدد غوشي على أن العلاقة بين المدرسة والأسرة قد اختلت نتيجة عوامل خارجية تتعلق بالإشكاليات التي تطرحها الحضارة العالمية اليوم، إذ أضحى يناط بالمدرسة حلّ مشكلات خلقتها التحولات السوسيو-اقتصادية، ثم يلقى عليها اللوم لأنها لم تستطع تقديم حلول ناجعة. 

لقد وضعت التحولات المجتمعية الراهنة المدرسة أمام تحديات تتعلق بثلاثة جبهات، يضيف غوشي، هي: العلاقة بين الأسرة والمدرسة، معنى المعرفة المدرسية (سؤال المعنى في المناهج والمقررات)، وضع السلطة، ومكانة المدرسة داخل المجتمع.

الفرنسي مارسيل غوشيهالفرنسي مارسيل غوشي

ومن جهته، يرى ميريو أن الليبرالية لم تخلق فقط مجتمعا استهلاكيا، بل أحدثت تغيرات جذرية، إذ أصبحت الأسرة، في ظل المجتمع الاستهلاكي، خاضعة لرغبات الطفل الذي أضحى بمثابة السيد الذي يملي على الآباء طلباته، ويلزمهم بتلبية رغباته، وهم يستجيبون طائعين كي لا ينعتوا بأنهم "آباء سيئين"! وهذا الصعود للنموذج الاستهلاكي وللنزوة المعولمة، أدى إلى تقويض التشكيلات التقليدية للنظام المدرسي.

الخبير التربوي فيليب ميريوالخبير التربوي فيليب ميريو

ومن الناحية النظرية تتقاسم الأسرة والمدرسة دور التربية، فقد رسخ منذ القديم أن "الأسرة تربي والمدرسة تعلم" (غوشي)، لكن من الناحية الواقعية، ثمة فجوة بين المدرسة والأسرة التي يظهر أنها تخلت إلى حدّ ما عن مهمة التربية، واقتصر دورها على تلبية حاجيات الطفل/المتعلم المادية (الإنفاق) والعاطفية. 

لقد سيطر النموذج الاستهلاكي على تصور الأسرة ورؤيتها للمدرسة، ففي دراسة تشخيصية أنجزها المجلس الأعلى للتعليم والتربية والتكوين بالمغرب عام 2019 تحت عنوان: "الأسر والتربية: تصورات، انتظارات، تطلعات وتكلفة"، طغت المؤشرات المادية-الاقتصادية على النتائج المعبر عنها من طرف عينة الدراسة (3000 أسرة)، ويكفي أن نتأمل النتائج الآتية:

- تصور دور المدرسة: 86.2% يعتقدون أن دور المدرسة هو "تعليم القراءة والكتابة"، و65.2% يرون أن دورها هو ضمان مستقبل التلاميذ، بينما سجلت تدنياً ملحوظا نسبةُ من يؤمنون بالدور التربوي للمدرسة (تلقين القيم 33.4%، تعليم مبادئ الدين 25.7%).

- المهن المنشودة للأبناء: المهن الأكثر اختيارا للأبناء من طرف الأسر المستجوبة هي المهن الحرة ذات الدخل المريح (طبيب، محام...)، وكذا مهن القطاع العمومي، بينما لا يتعدى اختيار المهن اليدوية (نجار، حلاق، ميكانيكي) نسبة 1.9%.

- جودة التعليم: يعتقد 52.2% أن المدرسة ضامنة لتعليم جيد، بينما يرى 44% أنها تقدم تعليما سيئا.

تبين الدراسة أن العوامل السوسيو-اقتصادية تمارس تأثيرا قويا على علاقة الأسر بالتربية أو بالمدرسة، وتخلق تباينات بينهم.ولا نفتأ نؤكد على تأثير البراديجم الليبرالي على تصورات الآباء وانتظاراتهم المعبر عنها، وليس من المفاجئ أن تكون المهن الأكثر مردودية، والأكثر جذبا هي التي تتصدر تلك الانتظارات، في حين تأتي الحرف اليدوية في ذيل الرغبات والتطلعات، فهي لا تحظى بالتقدير الكبير رغم حاجة المجتمع إليها، لسببين أحدهما: سبب ثقافي يتعلق بترسبات الثقافة الكلاسيكية التي تحتقر الحرف على حد وصف ابن خلدون، والثاني: عدم ترقية الحرف في المجتمعات العربية المعاصرة.

فقد رسخ في الأذهان أن تخصصات التكوين المهني لا يتوجه إليها سوى التلاميذ المتعثرون ! إذا أخذنا في الاعتبار هذا المعطى المتعلق بالتوجيه المدرسي، عرفنا أن للمدرسة ومناهجها وطرق التقييم المعتمدة أصبعٌ في خلق تمثلات سلبية بخصوص كل ما هو يدوي أو حرفي، ذلك أن دور المدرسة اقتصر لمدة طويلة على التلقين والتعليم وأهمل التمهير. 

دليلُ ذلك أن المدرسة لا تعلم فن الرسم، والنقش والجماليات المماثلة، ومن شأن التمهير أن يمنح كما قال أولفيي ربول "تقنية وبراعة مهنية وفنية ورياضية".

وعوداً إلى سؤال المدرسة والقيم، فقد أشارت المعطيات إلى أن غالبية الآباء المستجوبين لا يعتقدون إلا بنسب متدنية أن دور المدرسة هو تلقين القيم وتعليم مبادئ الدين، بينما يعتقد معظمهم أن الدور المناط بها هو "تعليم القراءة والكتابة" و"ضمان مستقبل الأبناء".

ونفهم من هذه المعطيات، أن الدور الأساسي للمدرسة من منظور الأسر المستجوبة، لا يعدو أن يكون دوراً براغماتيا يتعلق بضمان مهنة أو منصب يدرّ دخلا، وطبقا لمفهوم المخالفة، ينبغي أن تستقيل المدرسة من هذا الدور كي تتولاه مؤسسات أخرى، من بينها الأسرة المسؤولة أساسا عن التنشئة والتربية على القيم. 

وهذا أمر جلل! فالأصل هو تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع في التنشئة الاجتماعية والتربية الخلقية.

يثير دور المدرسة في هذا النطاق ذي البعد التربوي مسألة السلطة التي أثارها غوشيه ضمن الجبهات الأربع التي تحدث عنها. ويبدو أن أهم سلطة، على حدّ رأي أوليفيي ربول، ينبغي أن تسود في المدرسة هي سلطة العقد. 

أي بناء تعاقدات واضحة بين المدرس، التلميذ، المؤسسة، الأسرة، وليست سلطة الرئيس المستبد ولا سلطة الحَكَم. 

لكن، هل يكفي إرساء التعاقدات أو إصدار ميثاق التربية والتكوين من أجل إعادة التوازن إلى أدوار المدرسة والأسرة في ظل غياب تعاقد حقيقي بخصوص النموذج المجتمعي الذي نريده؟

لقد بات من المؤكد أن مفاهيم اقتصاد السوق قد سيطرت على تصورات وتطلعات المدرسة والأسرة معا، فبقدر ما ترى الأسرة في أبنائها "مشروعا للاستثمار" من أجل ضمان مستقبل مادي مريح، تمضي المدرسة في اتجاه ترسيخ مفاهيم اقتصاد السوق مثل المنافسة، الجودة، المردودية من خلال نظام تقويم قائم على قياس الأداء، والكفايات، الأمر الذي أدى إلى ضمور دور المدرسة كفضاء يعلم التفكير. 

لقد أطلق كل من غوشي وميريو صيحة: ينبغي للمدرسة أن تعلم التفكير بدل ترويج أديولوجيا الكفايات.