د. فراس الطرابلسي

التحرّر الإنساني في موسيقى سيّد درويش

الحديث عن دور الفنون في ترسيخ ملامح التحرر الإنساني بصفة عامة، قد يطول، إذ لا يمكن أن نختلف حول أهمية رسالة الفن الحقيقية، التي تحوم في فلك إعلاء القيم والسعي للتغيير نحو ما هو أفضل وخوض الصراعات لإعلاء قيم الحق والدفاع عنها.

وقيلت في هذا السياق عديد الحكم والأمثال، نذكر منها مثلا ما قاله الشاعر معروف الرّصافي: وقتلته بالقول لا بمهندي/ والحرب أحرى أن تكون مقالا. 

أو قول توفيق الحكيم: الفكر إرادة حرة، والفكر الذي يلتزم ينقلب إلى عمل، والعمل إرادة تحققت.

وتعد الموسيقى من بين مجالات الفكر الإبداعي التي قد تـتجلى فيها معاني هذا التحرر، ولذلك اخترنا أن نتحدث عن المسرح الغنائي، من خلال تجربة أحد أهم رواده في العالم العربي، وهو سيد درويش (1892-1923). 

هذا اللون المسرحي الذي جمع بين مجالين إبداعيين، فعبر بالرجل إلى مرتبة عالية من التميز خلدت ذكراه.

ألحان سيد درويش وتكريس معنى الوطنية

التصقت حياة سيد درويش الفنية على قصرها (31 سنة تقريبا)، برسالة لم يـحد عنها طوال مسيرته، وهي رغبته أن يكون صوت الشعب وضميره للمساهمة في مقاومة الاستعمار البريطاني والتحرر منه، بتوظيف موسيقاه الثورية. 

حتى إن الكاتب وديع أمين، لم يتوان عن القول بأنه «ليس من قبيل المبالغة القول بأن ثورة 1919 كان لها زعيمان، سعد زغلول وسيّد درويش». 

سعد زغلول وسيّد درويشسعد زغلول وسيّد درويش

ومن تجليات ذلك أن سيد درويش، كان يربط في أعماله بين الموسيقى وملامح الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فألف أغانٍ مشحونة بالنقد للحياة السياسية والاجتماعية، ما يساهم بقسط كبير في تحسيس الرأي العام بخطورة الوضع السياسي والاجتماعي وإنارته، ودعوته إلى الثورة والتغيير. 

وعلى سبيل المثال، قال درويش: «استعجبوا يا أفندية، لتر الجاز بقا بروبية» احتجاجا على غلاء المعيشة. 

وأيضا «يا شيخ العرب يا شنودة، القطن أكلته الدودة» على لسان الفلاح حول أزمة الآفات الزراعية ومشكلة الفلاح الفقير. 

و«بلدي يا بلدي والسُلطة خذت ولدي»، احتجاجا على استبداد ومظالم الاستعمار، وما إلى ذلك.

كذلك لحَّن في نفس هذا التوجه، عددا من الأغاني الوطنية، مثل: «يا ناس بلادي - المعتقلين - بني مصر - أنا المصري كريم العنصرين - فوق يا مصري - يا بلح زغلول - مصر وطننا سعدها أملنا - يا عم حمزة - اضربونا بالرصاص - بلادي بلادي».

والحقيقة أن أشهر ألحان سيد درويش، في المعنى التحرري كانت إما في شكل طقطوقات منفردة أو قطع من مسرحياته الغنائية التي بلغ عددها 22 أوبريتا. 

سيد درويشسيد درويش

وقد أسس مسيرته في المسرح الغنائي مع فرق مختلفة كفرقة نجيب الريحاني، وجورج أبيض. 

وفي التأليف مع فرقة علي الكسار، وفرقة منيرة المهدية.

وكانت مسرحية «شهرزاد» هي أول مسرحية أعدها الفنان لفرقته الخاصة، ثم أتبعتها مسرحية «البروكة»، وأدت الفرقة بعد ذلك «العشرة الطيبة» التي كانت فرقة الريحاني قد سبق وقدمتها. 

وهذه المسرحيات الثلاث تعتبر قمة أعماله، بل هي أخلد إنتاجه الفني على الإطلاق.

العشرة الطيبة: تقديم المادي والمعنوي

واقتبس الروائي محمد تيمور (1892-1921) قصة أوبريت «العشرة الطيبة» من رواية «ذي اللحية الزرقاء» للأديب الفرنسي شارل بيرو، الذي ينتمي إلى حقبة تاريخية اتسمت بغزارة الإنتاج الفني أواخر القرن السابع عشر عرفت بالعصر الكلاسيكي.

ووجه محمد تيمور، من خلال هذه الرواية نقدا عنيفا لمجتمعه المعاصر، ما أدى إلى إيقافها بأمر من السلطات الحاكمة في مصر لفترة طويلة. ومما يدل على قيمة هذا العمل، الذي كساه كل من «تيمور» وبديع خيري وسيد درويش، ثوبا عربيا مفعما بقضايا اجتماعية وسياسية في مستوى الدراما والأزجال والموسيقى، وعرضت أكثر من مرة على فترات متباعدة، خلال سنوات 1920، 1947، 1959، و1981.

محمد تيمورمحمد تيمور

واحتوت «العشرة الطيبة» على 9 شخصيات أساسية دارت حولهم الأحداث، وهم: الوالي «فخر الدين أبو زعيزع»، وحاجب الوالي «حسني بك عرنوس»، وزعيم المماليك «حاجي بابا حمص أخضر»، والكيميائي لدى حمص «أغا حزمبل»، والفلاحة بنت الوالي «نزهة»، و«سيف الدين» الفلاح الذي تبنته زوجة الوالي، وكذلك «ست الدار»، و«عبد الله بلطجي» وهو من حاشية الوالي، وأخيرا زوجة الوالي.

وتصور المسرحية ما كان عليه حكم الأتراك والمماليك في القرون الماضية، وتسخر من الحكام وتعجرفهم تجاه الناس الأبرياء، مجسدة ذلك في شخص الوالي «فخر الدين أبو زعيزع»، وزعيم المماليك «حمص» الذي كان انتهازيا ذو سلطة مطلقة، يهوى التنقل السريع من زوجة إلى أخرى بالقتل مستعينا بخادمه الكيميائي «حزمبل».

ومن جهة أخرى، تنشأ قصة حب بين الفلاح «سيف الدين» والفلاحة «نزهة»، وهي ابنة الوالي التي ما إن رأت النور حتى ألقتها أمها بين أحضان الطبيعة وحيدة دون علم زوجها الوالي، فقط لأنها فتاة. وتشهد علاقتهما بعد ذلك تطورات فريدة، لأنها ما لبثت أن اتصلت أسباب نشوئها بحياة كل من زعيم المماليك، والأهم من ذلك هو «الوالي» الذي أراد استرجاع ابنته حينما عرف الحقيقة.

ويحقق الأوبريت المعادلة الصعبة بين الإبداع والمخيال الفني، الذي يتطلبه تنفيذ مسرحية غنائية، وبين الرمزية التي تحملها الأحداث والشخصيات والأطر المكانية والزمانية. 

وفي سر تحقيق هذه المعادلة تكمن معاني التحرر الاجتماعي والسياسي والثقافي. فكانت الأحداث في فترة حكم المماليك في مصر، غير أن الأوبريت صور لنا الأحداث وكأنها في بدايات القرن العشرين، كنوع من أنواع الإسقاط السياسي.

وكانت الشخصيات والأطر المكانية في الأوبريت، تبرز الهوة بين الشعب والسلطة، من حياة قروية بسيطة إلى حياة القصر والبذخ، من مكان يتصف بالانفتاح، إلى مكان منغلق على ذاته وعلى أصحابه، ومنغلق على قيم العدالة والتغيير رافض لها. ومن جهة أخرى دعمت الأزجال والنصوص الشعرية لبديع خيري نفس هذا التوجه، فكانت تحاكي سير الأحداث ووتيرتها بنصوص لاذعة وكاريكاتورية تصور بؤس الحكام وظلمهم.

كذلك صورت موسيقى سيّد درويش، ببراعة الحياة القروية والحياة في القصر، بما حملته هذه الأطر من أحداث وقضايا عميقة. إذ يمكن اعتبار أنه قام بمهمتين أساسيتين في الأوبريت: الأولى، هي صياغة الألحان، والثانية تمثلت في الإخراج الموسيقي. 

فقد حاول تنظيم ألحانه بطريقة محكمة من حيث استعمال مقامات مختلفة، وتوظيف ثنائية البطء والسرعة في الحركة الإيقاعية، ليكون الخط اللحني الإيقاعي في الأوبريت كأحسن ما يكون التعبير عن الثلاثية الدرامية التي تكرّسها الأحداث (الاستقرار المتمثل في تصوير حياة الفلاح المصري ببساطتها، والعقدة المتمثلة في الصراع بين المجتمع والسياسة الحاكمة، وأخيرا الانفراج أو انفراج العقدة، ومعها انتصر الحب ونجحت الفئة الاجتماعية الريفية في تقرير مصيرها).

وبالتالي يتضح أن «العشرة الطيبة» وكأنها سارت منذ البداية في اتجاه واحد، وهو الرغبة في تقرير المصير الاجتماعي والسياسي والتحرر من سلطة الظلم وكتم الأنفس، وهي الرسالة السامية التي أرادها أن تصل إلى من يهمهم أمر البلاد، سيد درويش، من خلال ألحانه وكل من بديع خيري ومحمد تيمور، في النصين الشعري والأدبي.

موسيقاه تقرأ النص

لقد فهم سيد درويش، الأبعاد الإنسانية للأعمال الفنية، فالأغنية يجب أن تصل لكل الشعوب، كما اكتشف أن الحب ليس وحده الجدير بالغناء له، فالمواضيع الأخرى التي تتناول الحياة اليومية من اجتماعية واقتصادية وسياسية، فضلا عن القضايا الأخرى المصيرية، يجب أن يكون لها دور في الحياة، ومن هنا بدأ سيد درويش، في تطوير الأغنية العربية.

وهكذا يعتبر الشيخ سيد، رائدا من رواد المسرح الغنائي، نظرا لما اكتسته موسيقاه من قراءة جد عميقة للنص المسرحي، وللمواقف والمشاهد، وكذلك المواضيع المطروحة، فكانت هذه الموسيقى بمثابة المقوي للعمل الدرامي، الذي أضفى عليها معنى الصدق في التعبير عن فحوى النصوص التي كانت في معظمها تطرح قضايا المجتمع، وسعى من خلالها إلى جعل العنصر الموسيقي عنصرا تحرريا.

على أية حال، يجب أن نسأل أنفسنا بعد دراسة موسيقى سيد درويش، بأي معنى يمكن أن يرتبط مفهوم الهوية بالممارسة الموسيقية؟ فهل تكون الممارسة الموسيقية محددة للهوية الفردية أوالجـماعية؟ وما هي التغيرات والتحولات الفكرية والثقافية التي عمقت ولا زالت تعمق الهوة بين الممارسة الموسيقية والهدف من ممارساتها؟ وهل حقا أن الخطاب الموسيقي الحديث بصدد فقدان صفتي الإبداع والالتزام اللتان التصقتا برصيد الفنان سيد درويش؟ أم أن الموسيقى هي مجرد زاوية يمكن نرى من خلالها المشهد العام لعالمنا العربي، الذي يعيش اضطرابات فكرية وسياسية أثرت سلبا على مجالات الإبداع التي أصبحت تسير جنبا إلى جنب مع الاختلال العمراني والاضطراب الثقافي والتبعية الاقتصادية؟