د. محمد محمود عبد الرازق

ملامح من حياة الإمارات الاجتماعية في تقرير ضابط إنجليزي

شكلت التقارير والمسوحات التي أجرتها بريطانيا لمنطقة الخليج مع نهايات القرن السابع عشر، كنزاً معرفياً للباحثين ممن يتوقون لمعرفة الحياة في هذه المنطقة الثرية حضارياً وجغرافياً قبل أكثر من 200 عام، حيث حرصت بريطانيا التي بسطت نفوذها على المنطقة في هذه الفترة على التعرف على منطقة الخليج العربي من الناحية الديمغرافية والجغرافية والاقتصادية والبيئية.

ويعتبر المسح العام الذي قدمه الملازم في الوحدة البحريّة البريطانيّة في الهند، هنري وايتلوك، للإمارات من رأس الخيمة إلى أبوظبي بتكليف من وحدة بومباي البحريّة بين عامَي 1820 و1829، واحداً من التقارير المهمة التي أفادت الكثير من الباحثين الشغوفين إلى التعرف على طبيعة الحياة في الإمارات في هذه الفترة.

وحقيقة كشفت نتائج مسح وايتلوك، الكثير عن الحياة الاجتماعية لعرب ساحل عمان، من ناحية العادات والتقاليد إلى ملابسهم ووصف لمساكنهم، وأكلاتهم وطريقة إدارة تجارتهم.

وقد وصف وايتلوك أبوظبى في مدوناته، فذكر أن مبانيها كانت من الحجارة، كما أن عمق مينائها يسمح برسو المراكب الكبيرة، وهي مليئة بحدائق النخيل القريبة من آبار المياه.

وكانت زيارة وايتلوك وقت أن كان يحكمها المغفور له بإذن الله الشيخ طحنون بن شخبوط آل نهيان، حيث وصفه بأنه كان شخصية نشطة، ومولعاً بالمغامرة، وشجاعاً.

تحدث وايتلوك عن السكان قائلاً: "إن الشغل الشاغل لهم هو الصيد والغوص والبحث عن محار اللؤلؤ".

وعن طبائعهم قال إنهم: "يحترمون كبار السن ويأخذون برأيهم فى العديد من الأمور، ويوسطونهم فى النزاعات. بالإضافة إلى أن كرم الضيافة أمر مفروغ منه عندهم".

كما علق وايتلوك على رجال الساحل بأنهم طوال القامة بأجسام قوية البنيان. وحين يعملون جماعة تتضافر تلك القوة بطريقة مذهلة، كما أنهم يتعاونون للمساعدة في أي شيء يحدث لأي من مراكب السكان.

وتعجب الملازم البريطاني من تطوعهم ووحدتهم في مثل تلك الأمور، مشيراً إلى أن من عادتهم حلق رؤوسهم، حيث لا يتركون شواربهم أو ذقونهم طويلة جداً.

ومن أهم ما سجله وايتلوك تبجيلهم وإكرامهم للضيوف، حيث قال: "يقف الجميع في استقبال الضيف، فتقدم له القهوة والحلوى، ويوضع أمامه طبق كبير مليء بالفاكهة.

وفى حالة زواج أو موت أحدهم يحضرون غذاء للحاضرين، فعلى جميع المعارف حضور الزفاف أو الجنازة.

وقد وصف المقابر بأنها تكون عادة خارج المدينة، فى بقعة معزولة نظيفة، والقبر عمقه أربعة أقدام، وتوضع رأس المتوفى في اتجاه القبلة، ثم يهال التراب على القبر، ويوضع حجر على مكان القدم والرأس للمتوفى.

وقال عن الملابس "ملابسهم تشبه ملابس النجديين، فهى قمصان بيضاء مفتوحة من الأمام وبها أزرار عند العنق، ويلبسون فوقها نوعاً من الملابس الصوف التي إما أن تكون ثقيلة ومغلقة، أو خفيفة ومفتوحة، الأولى منها عادة ما تكون سوداء اللون تتخللها خيوط ذهبية في بعض الأحيان، خاصة إذا كان من يرتديها من علية القوم. كما أنهم يوثقون ملابسهم حول خصورهم، وهي في بعض الأحيان مزخرفة بمربعات بيضاء وبنية.

أما عن غطاء الرأس، فهو مصنوع من القطن الكثيف ذي الخطوط الحمراء أو الخضراء والصفراء الفاتحة، حيث يبلغ طول غطاء الرأس أربعة أقدام وعرضه ثلاثة أقدام، مع نهايات ملفوفة بأهداب فى شكل حبل طويل. وعادة ما يحملون كيساً للتبغ، وقرناً للبارود يعلق على أكتافهم بخيوط حريرية، وبنادقهم كانت مزخرفة بالفضة، كما يحملون رماحاً يبلغ طولها سبعة أقدام، ودائماً ما نجد الخنجر معلق فى الحزام، بالإضافة إلى سيف ذى حدين وغمده الجلدي مزين بالفضة، وفى أرجلهم يلبسون صنادل من جلود الإبل المدبوغة جيداً.

وتناول وايتلوك معلومات عن المرأة التى أعجب بنشاطها والدور الذي تقوم به في عملية نقل المياه وحلب النعاج وطبخ وإعداد الطعام والذهاب للسوق، وغيرها من الأنشطة.

وتحدث عن ملابسها قائلاً: "عبارة عن لون أزرق ويغطين شعورهن بمناديل، ويغطي وجوههن غطاء ذو فتحات للأعين".

وعن الطعام والشراب، فقد سرد لنا أهم الأطعمة، حيث قال "إن أشهر ما يؤكل هناك، التمر والسمك والمخبوزات من الدقيق واللبن، وبالرغم من أن الأرز غالي السعر، إلا أنهم يحبونه ويطبخون في قدور فخارية".

كذلك أعجبته طريقة شواء السمك، حيث ذكر أنها توضع فوق الجمر مباشرة. والتمر من أهم الفواكه الموجودة في المنطقة، فهو كثير ورخيص الثمن، أيضاً الشمام والموالح، وفى بعض الأحيان العنب.

ووصف وايتلوك ولعهم بشرب القهوة، حتى أنه ذكر أنها تشرب في جميع الأوقات في أكواب صغيرة من الصيني، لها إطار من النحاس أو الفضة، الأمر الذي يعكس المستوى المادي لصاحبها.

وذكر أنهم يتجمعون حول القهوة بعد صلاة العصر للحديث في جميع شؤونهم، حتى يحين وقت السوق فيذهب إليه من يريد الشراء ومن لا يريد. وكتب أنهم يستمتعون بالمقاهي.

وعن حركة التجارة ذكر في تقريره أن أهم منتجاتهم هي اللؤلؤ والسمك المجفف والجبن واللوز، والتى يتبادلون تجارتها مع البصرة والبحرين، ويستوردون منها التمر والخيول، ومن تجارتهم مع فارس يستوردون التبغ والسجاد والأقمشة والسكر والسيوف والبنادق، ويستوردون من ساحل مقرن الحديد والسمن والسكر والزيت والسجاد.

وبالنسبة لصيد اللؤلؤ، فقد قدر عدد المراكب في الخليج العربي عموماً بثلاثة آلاف مركب. عددها في البحرين وما يتبعها 2430 مركباً، وفي الشارقة ورأس الخيمة 350 مركباً، ومثلهم في أبوظبى.

وذكر أن مراكب هذا الساحل تتحرك عامة في مجموعات من سبعة إلى عشرين مركباً معاً، ولا يتعدون في إبحارهم جزيرة الحالول بقطر.

وقدر متوسط عدد البحارة فى المركب الواحد بتسعة غواصين، حيث يحمل المركب الصغير خمسة غواصين والكبير 18، وذكر أن من عادتهم أن يظلوا في الماء حتى يصلوا إلى الحمولة القصوى للمركب من المحار، ثم يرسون في إحدى الجزر المناسبة لفتح المحار، مثل جزر صير بنى ياس، وزركوه، وصير أبو نعير، وكان سعر المائة محارة بدولارين.

وكان السكان يستوردون الأرز والسمن والسكر والأقمشة النيلية من مسقط، والسمن والتمر من ساحل الباطنة، والحديد والأرز والنحاس والأقمشة والخيوط والإبر والقطن والغزل من مومباي، ومن اليمن القهوة.