ميسرة صلاح الدين

الإمارات وحكمة التعلم من دروس الماضي

اعتمد الإنسان طيلة حياته، على ما تهبه له الأرض من جوفها، وما تنبته فوق سطحها، حتى إن الإمبراطوريات العظمى والحضارات المتتالية، كان أساس تفوقها وسر ازدهارها ما تستطيع استخراجه من خامات معدنية، وتطويعها لخدمة أهدافها ودعم بقائها. 

ولذلك جرى تقسيم التاريخ الإنساني لعصور ترصد ظهور المعادن وإحكام سطوتها.

فكان العصر الأول هو عصر ما قبل المعادن، حيث كان الإنسان بسيطا لا يقوى على استخراج ما في باطن الأرض، فسمي هذا العصر باسم "العصر الحجري"، واتسم بصنع الأدوات البسيطة، بخامات وجدت فوق سطح الأرض من أحجار وصخور نجح في استخدامها بطرق بدائية.

ولكنها كانت مؤثرة خلال خطواته الأولى، وحافظت على بقائه حيا وسط كائنات مفترسة شديدة الوحشية، وظروف مناخية، وبيئة لا تقل قسوة وشراسة.

وانطلاقا من غريزة البقاء، حدثت طفرات عدة في قدرة العقل البشري على التعامل مع ما حوله من عناصر الطبيعة واستخراج ما تخبئه تلك الطبيعة في باطنها. 

فبزغت شمس المعادن الواحد تلو الآخر، كالبرونز والنحاس، ثم الحديد وغيرها. 

فأصبح هناك "العصر البرونزي"، و"العصر النحاسي"، و"عصر الحديد". 

 ووفقا لقوة تلك المعادن وصلابتها وسهولة تشكيلها والتعامل معها، زادت قوة الإنسان، وازدهرت حضارته، وأحكم سيطرته على ما حوله من أراضي وكائنات وظروف معيشية ومناخية.

ثم بزغ "عصر النفط" شامخا ليفرض معادلة جديدة، مفجرا لطاقة هائلة، أدارات ملايين المحركات، وشغلت ملايين والآلات. 

فشق الإنسان عنان السماء، وغاص في أعماق البحار، وتجاوزت طموحاته الغلاف الجوي لأغوار الفضاء البعيد.

وتحولت تلك الطاقة الهائلة لطفرات غير متوقعة، في كل المجالات، وغيرت خريطة التوازن البشري ماديا ومعنويا واجتماعيا، ليبرز معها حضور قوي للخليج العربي، نجح من خلاله قادته المخلصين في توطيد مكانة أوطانهم، وتوطيد أقدامها في موضع بارز على الخارطة العالمية لعقود طويلة.

وشهد الخليج العربي خلال تلك العقود، نهضة غير مسبوقة، يصحبها تطور لا يتوقف على كافة الأصعدة والملفات، الاقتصادية والاجتماعية والصحية والمعيشية، وكأنه سباق محموم مع النفس والزمن.

ولا يخفى على أحد إن أكبر التحديات التي ينتظرها عالمنا الحديث في السنوات المقبلة، هي انتهاء عصر النفط وجفاف منابعه، إيذانا ببزوغ عصر جديد وصعود قوي وتوازنات أخرى. 

وهو ما انتبهت له دول العالم جميعا وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، التي بدأت منذ سنوات طويلة، تنويع مصادر الدخل التي شملت الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة ووسائل النقل، وكذلك في مجال تقديم الخدمات وسلاسل الإمداد، وغيرها من المصادر التقليدية ذات العائد المضمون، والتأثير شديد الثقل في تنمية الموارد وتطويرها.

ولكن يبدو أن قادة الإمارات، تعلموا من دروس الماضي السحيق، التي أثبتت أن كل أوجه الاستثمار تتغير وتتبدل، وأن المعادن والنفائس تشرق شموسها ثم تغيب، ويبقي الإنسان وحده موردا أساسيا لا ينفد. 

وهو ما دفعهم إلى الرهان على المعين البشري الضخم الذي لا ينضب، أو ما يطلق عليه "العقل البشري المبدع" في شكل جديد ومتطور من الاستثمار، وهو ما يعرف بالصناعات الثقافية والإبداعية، الذي قالت عنه منظمة اليونسكو في موقعها الرسمي "تُعتبر الصناعات الثقافية والإبداعية من أسرع الصناعات نموا في العالم. وقد ثبُت أنها خيار إنمائي مستدام يعتمد على مورد فريد ومتجدد هو الإبداع البشري. ويُقصد بمصطلح الإبداع قدرة الإنسان على وضع حلول وأفكار جديدة ومبتكرة نابعة من الخيال أو من مهارة الابتكار".

ثم فعّلت اليونسكو، هذا المنظور الجديد عن طريق اتفاقية عام 2005، التي أطلقتها بهدف حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي. وفي تمكين الفنانين، والمهنيين والممارسين العاملين في مجال الثقافة، وسائر المواطنين من ابتكار مجموعة واسعة من السلع والخدمات والأنشطة الثقافية وإنتاجها ونشرها والتمتع بها، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بأشكال التعبير الثقافي الخاصة بهم.

والتقطت عقول الإمارات العربية المتحدة طرف هذا الخيط المهم، لتبدأ الدولة في عهد فكري واستثماري جديد ناتج عن تزاوج الصناعة بمفاهيمها المعتادة مع الإبداع والفن بأوجهه المتغيرة، من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، تحقيقا لقول المغفور له بإذن الله الشيخ "زايد بن سلطان آل نهيان": «إذا كان الله قد مَنَّ علينا بالثروة فإن الواجب علينا أن نسخر هذه الثروة لصالح الشعب».