د.بوزيد الغلي

العواطف وعالم المدرسة

يثير عنوان هذه المقالة، شهوة السؤال عن جدوى الكلام عن المشاعر أو العواطف في عالم المدرسة، أو بتعبير أكثر دقة: هل للعواطف دور ما في تحسين جودة اكتساب التعلمات داخل القسم؟ هل تؤثر العواطف سلبية كانت أم إيجابية على التحصيل الدراسي لدى المتعلمين؟

قبل أن نلقي بعض النور على جوانب تتعلق بهذا السؤال الإشكالي المتمحور حول المدرسة والعواطف، يتعين علينا أن نتذكر أن الحياة هي المدرسة، والمدرسة ينبغي أن تعلم المتعلم مبادئ فن الحياة. 

لقد تناول دارسون كثُر من زوايا متعددة ما بات يسمى بالذكاء العاطفي، وألح الخبير برنار فلافيان في بعض محاضراته المتاحة على اليوتيوب على ضرورة انتباه الأفراد إلى عواطفهم بما يتيح التحكم فيها، كي لا تنتج مفاعيل سلبية تؤثر على حياتهم برمتها.

وفي هذا الصدد أكد أهمية الصفح والمسامحة رغم أن الشر والإساءة والتجارب السيئة لا تنسى، وإنما تقبع بين تلافيف الذاكرة كي تطفو أو تستعاد عندما يحدث ما يثيرها ويخرجها من مستودع الذاكرة، واستدل في هذا الإطار بما يسمى بمبادئ حضارة التولتيك الأربع les quatre accords toltèques بوصفها طريقا سالكا نحو وضع حد للألم العاطفي، بما يشرع الأبواب للاحتفاء بالحياة والاستمتاع بها.

وفي المدرسة، لم يكن الطريق معبدا أمام الاعتراف بأثر العواطف ودورها المفترض في تحسين جودة اكتساب التعلمات وتحسين أداء التلاميذ، لكن مع تأكيد أبحاث تجريبية تتعلق بعلم النفس التربوي أثر المشاعر في التحصيل الدراسي، أولى البيداغوجيون أهمية خاصة لهذا الموضوع.

وفي هذا الصدد، صدر عام 2004 كتاب Les émotions à l’école تحت إشراف لويز دولافورتين Louise De Lafortune وآخرون، وهو كتاب على قدر كبير من الأهمية، لأنه ينطلق من أسئلة إشكالية لم تكن تطرح في الوسط المدرسي بالقدر الكافي، وذلك من قبيل:

- كيف تؤثر العواطف على التعلم، أو بالأحرى على اكتساب التعلمات؟

- كيف يمكن للأشخاص أن يتصرفوا في عواطفهم على الوجه الذي يكفل تكييف سلوكهم مع الحالات الخاصة التي تعرض لهم؟ خاصة، وأن الأشخاص ليسوا على نفس الدرجة من حيث القدرة على التحكم في المشاعر وتوجيهها كي تكون منتجة لمفاعيل إيجابية؟

في الدراسة الميدانية أو التجريبية التي قام بها بيكران عام 1998 حول موضوع: المشاعر أثناء التعلم أو في غمرة العملية التعليمية التعلّمية، تبين أن الشعور بالمتعة خلال التعلم، أو بالأحرى في ظرف من ظروف التعلم ووضعياته داخل القسم، يعد من أهم المشاعر أو العواطف الإيجابية التي تساعد المتعلم على التفوق والنجاح، فضلا عن عواطف أخرى إيجابية مثل الأمل والشعور بالارتياح.

من الأهمية بمكان أن يكون المحتوى (المقرر الدراسي) مثيرا لاهتمام المتعلم، أي أن يكون ذا معنى لديه، وذلك كي يتفاعل المتعلم بجدية ومتعة مع كل ما يلامس جانبا يعنيه، فعندما يجد متعة في طريقة حل مسألة ما داخل القسم، سيكتسب كفاية حل وضعية أو مسألة ما في الحياة خارج القسم طبقا لمكتسباته السابقة، على اعتبار أن وجود المدرسة رهين ببناء الكفايات التي تنفع في الحياة (محمد الداهي، القلق البيداغوجي، ص31)، أما إذا كانت المسألة لا تثير اهتمامه، ولا تخلق لديه معنى، ولا يجد متعة في تعلمها مثل معطيات تاريخية منفصلة عن سياق التاريخ المتصل أو قواعد رياضية جامدة لم توظف توظيفا بنائيا، فإنه لن يتفاعل معها على النحو المرغوب.

وعطفا على ذكر المشاعر أو العواطف السلبية، يثور السؤال الآتي: كيف يمكن تحويل مشاعر سلبية إلى طاقة إيجابية؟ لنأخذ القلق مثالا، القلق البيداغوجي كما قال محمد الداهي، قد "ينتاب المدرس قبل الدرس وبعده حرصا على أداء الواجب المهني بالفاعلية المطلوبة، واستجلاب المردودية المنشودة"، مع أن التزام المدرس مع المؤسسة أو المشغل، وأمام الأسرة والمجتمع، ليس التزاما بتحقيق نتيجة بقدر ما هو التزام ببذل عناية، كما هو الشأن بالنسبة للطبيب المعالج، فهو لا يضمن تحقق النتيجة، بقدر ما يلتزم ببذل الجهد والعناية وعدم التقصير، لأن النتائج تتحكم فيها عوامل أخرى ومفاعيل خارج عن إرادة الملتزم.

القلق بالنسبة للمتعلم ذو ناحيتين، فهو عاطفة تنطوي على الجزع والخوف وعدم الإقدام الذي يمنع مثلا المتعلم من القيام إلى السبورة من أجل اقتراح حل لمسألة من مسائل الرياضيات، وقد يغلب جانب القلق الإيجابي، فيتحول إلى عاطفة إيجابية تبعث في نفس المتعلم روح التحدي، وتغمره بالفخر بما ينجز أو يحاول إنجازه، بل توقظ في نفسه متعة أن يتعلم.