أذكر جيدًا أنه حين مات ماركيز، توقفت الخيول عن الصهيل، وانهمرت الدموع من أعين العصافير، أما المبدعين المحترمين والقرّاء الأذكياء، فقد شعروا بدبيب الحزن يتسلل إلى صدورهم.
أما الكولونيل أورليانو بويندا، بطل روايته موفورة الصيت (مائة عام من العزلة)، فقد تقدم الجنازة المهيبة التي حملت جثمان الرجل إلى حيث مصيره المحتوم: الحرق ثم إلقاء الرماد في البحر!
في هذه الأيام، تمر الذكرى الثامنة لغياب الروائي الكولومبي، موفور السمعة جابرييل جارسيا ماركيز، (رحل في 17 أبريل 2014)، الذي لم يكن روائيًا موهوبًا فحسب، بل كان واحدًا من الأفذاذ الذين فتحوا نوافذ جديدة في قصر الرواية، لتشرق شموس أخرى مبتكرة في فن السرد.
يمكن القول بيقين كبير، إن ماركيز أضاف فصلا نضرًا غير مسبوق في كتاب الرواية العالمية العامر بالمبدعين العباقرة.
فإذا كان النقاد والمؤرخون يعدون الكاتب الأسباني سير فانتس صاحب (دون كيشوت) هو أول من كتب الرواية بمعناها الحديث عام 1605، فإن ماركيز هو هدية السماء للأرض في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تمكن هذا العبقري من شحن فن الرواية بفيتامينات السحر المذهل.
حصد ماركيز جائزة نوبل للآداب عام 1982، أي وهو في الخامسة والخمسين فقط من عمره، فهو مولود في 6 مارس 1927، وهو أمر لافت للغاية، فالذين ظفروا بأهم جائزة عالمية في الأدب، غالبًا ما تكون أعمارهم فوق الستين والسبعين وأحيانا الثمانين، حيث كتب الواحد منهم ما يتجاوز الثلاثين عملا شعريا أو روائيا أو مسرحيًا.
لا ريب في أن موهبة ماركيز الخارقة هي التي جعلت من حفنة روايات كتبها، تعد إنجازًا مذهلا يستحق أن يحتفي العالم كله بها، وبالفعل، فقد ترجمت نصوصه الرائعة إلى عشرات اللغات.
أذكر أنني قرأت تحفته الخالدة (مائة عام من العزلة) حين صدرت عام 1984، بترجمة الدكتور سليمان العطار.
المفارقة أن الدكتور جابر عصفور، أخبرني مرة أنه من اقترح على الدكتور سليمان، ترجمتها حين قرأها بالإنجليزية، وكان ذلك قبل أن يخطف الرجل جائزة نوبل.
لكن علينا أن نذكر بكل إجلال وتوقير المترجم الفلسطيني القدير صالح علماني، الذي تولى ترجمة كل أعمال ماركيز من اللغة الإسبانية مباشرة إلى لغتنا العربية.
تمكن علماني من إشعال الترجمة العربية بنيران الدفء اللغوي العذب، فجاءت نصوصه بالغة الحلاوة كأنها قطعة عربية خالصة لولا أسماء الشخوص والأماكن.
لعل من يقرأ روايات (ليس لدى لدى الكولونيل من يكاتبه)، أو (في ساعة نحس)، أو (سرد أحداث موت معلن)، أو (خريف البطريرك) سيشعر حتمًا بالجهد الجبار الذي بذله المترجم، لينتج لنا نصًا لا يقل عظمة عن النص في لغته الأصلية.
عندي، تعد رائعته (الحب في زمن الكوليرا) لؤلؤة التاج الماركيزي، فقد كتبها الرجل عام 1985، أي بعد اقتناصه الجائزة المرموقة بثلاث سنوات، الأمر الذي يعني أنه كان أمام مهمة بالغة الصعوبة، لماذا؟ لأن هذه الرواية تنهض على الفكرة الشائعة في فنون السرد، وهي العلاقة الشائكة بين الزوج والزوجة والعشيق.
تلك الفكرة التي استحوذت على عقول العديد من المبدعين ووجدانهم، فما الجديد الذي يمكن أن تضيفه قريحة ماركيز؟ وهل ثمة أشياء مخفية لم يستنبطها أحد من هذا الثلاثي الشهير: الزوج والزوجة والعشيق؟
الحق أن ماركيز أهدانا رواية بالغة المتعة، بقدر ما بها من عجائب وغرائب ومعلومات وخيال منهمر، كل ذلك في سبيكة واحدة متقنة الصنع محكمة البناء، مغلفة بأسلوب لغوي آسر.
على الرغم من أن هذه الرواية صدرت قبل 38 سنة، إلا أنها قادرة على منح قارئ هذه الأيام البهجة المنشودة.
باختصار.. ماركيز أعجوبة روائية أشرقت في القرن الماضي، لكنها ما زالت تسحرنا في القرن الحالي.