مختار سعد شحاتة

الشطار الجدد

انتشر اسم "الشُطار" في العصر العباسي بدلالات مختلفة؛ منها التي يطرحها معجم المعاني للكلمة، والذي يعرفها كجمع لكلمة "الشاطر" وهو الخبيث الماكر، وكذلك باعتبار الاستخدام الصوفي للكلمة والذي يراها بمعنى المُسرع إلى الله، كما يمكن أن تكون صفة للشخص الذي يُحسن التصرف فهو "الفَهِم المتصرف"، إلا أن دلالتها على سوء الطبع والخبث والمكر كانت الأكثر انتشارًا في تلك الفترة من تاريخ المنطقة العربية، وصارت تطلق على كل لص يلجأ إلى الخبث والدهاء في مقابلة القوة، وانتشرت جماعة الشُطار كمجموعة من اللصوص تسطو على قوافل التجارة التابعة للتجار ذوي النفوذ والمال، بحجة أن أموال تجارتهم الزائدة تلك، للفقراء فيها نصيب، كأحد مصارف الزكاة التي يحاول التجار الكبار الأثرياء الهروب منها، وهي حجة قدمها الشُطار لتبرير سرقاتهم المتكررة، وذكرت بعض المصادر إنه كان يتم استخدامهم في بعض الأحيان من قِبل الدولة العباسية كنوع من "المرشدين" حول السرقات، ومحاولة مساعدة الولاة والحكام في كشف غموض السرقات التي تتم.

اللصوص الظرفاء:

تتشابه تلك القصص حول هؤلاء الشُطار مع قصة الفيلم الأمريكي الشهير "catch me if you can" من بطولة توم هانكس وليوناردو ديكابري، والتي قيل إنها قصة حقيقية حدثت بالفعل، وفيها يحاول شاب صغير شديد الذكاء الهروب دائمًا من قبضة الشرطة الفيدرالية، بسبب تزويره للشيكات وتذاكر الطيران والهويات، وينتهي الفيلم بالقبض عليه، وسجنه، ثُم الاستعانة به في مساعدة البوليس الفيدرالي لكشف غموض جرائم التزوير، ليُصبح أحد أمهر مصممي الشيكات البنكية الأكثر أمانًا في أمريكا والعالم، وهي قصة شديدة الشبه مع ما رُوِّج له في فترة الدولة العباسية التي كانت تستعين بهؤلاء الشُطار إذا ما تابوا وكبروا في السنّ، للمساعدة في كشف غموض حوادث السرقة.

وتطالعنا أخبار الجريمة كل يوم بأفكار مبتكرة للغاية، تنم عن ذكاء أصحابها الشديد، من منفذي جرائم النصب والاحتيال، والتي انتشرت في عصرنا المعاصر، منها ما كان طريفًا للغاية وعلى طريقة روبن هود، أو على طريقة الممثل الهندي الشهير أميتاب بتشان، في أحد أفلامه الشهيرة، والذي يقدم نموذجًا لهؤلاء الشُطار على الطريقة الهندية، فيقوم بسرقة ممتلكات الأغنياء، وتقديمها إلى الفقراء المُضارين من غنى وثراء هؤلاء الأغنياء "الملاعين" على حد وصفه لهم في الفيلم وأحداثه.

السرقة تبقى سرقة:

ترتبط كثير من تلك القصص حول هؤلاء الشُطار بالطرافة، حتى في تلك المعالجات التي قدمتها السينما حول العالم سواء في عالمنا العربي أو في السينما الأمريكية والهندية والأوربية، فعلى الدوام هناك نوع من التعاطف الشعبي مع هذا البطل "الشاطر" الذي ينتقم من الثراء الفاحش للأغنياء، ويقوم بسرقاته في إطار كوميدي وطريف، دون أن ينتبه إلى أنه بذلك يُعطي المبرر للسرقة والتعدي، بل ويجد لها مصوغًا إنسانيًا يضمن دفاع الجمهور عن تصرفاته التي تخالف القانون والعرف العام غالبًا، ورغم ذلك يتناساها المُشاهد ويبقى مع طرافة القصص التي تحكي عن خفة ظلّ هؤلاء الشُطار الجُدد الذين قدمتهم السينما العالمية في أفلام كثيرة، فهم حقًا نموذجًا للصوص، ولكنهم "لصوص ظرفاء"، يتعاطف الجمهور معهم، بل وربما يتورطون في حبهم على الشاشة في كثير من الأحيان، وهؤلاء ليسوا من عينية "علي الزيبق" الشهيرة فهناك بون واسع بين الشخصيتين.

زيارة لملك الجان:

دعني آخذك الآن لنوع جديد من هؤلاء الشُطار، والذي وقعت على حكايته بمحض صدفة بحثية، حين كنتُ أعد بحثي عن أشباه المدن، وتحديدًا في إحدى قرى مصر، إذ كنتُ أحاول فهم بعض الحكايات التراثية التي تكشف وتحلل النمط الثقافي السائد في تلك القرية، حتى سمعت عن أحد "الشُطار" والذي قام بفعلة شديدة الخبث والدهاء، لكنها لا تخلو من الطرافة وخفة الظلّ.

تحكي الحكاية باختصار عن شاب في نهاية العشرينيات ولنعطه اسمًا مثلا لتقريب الحكاية، ونعتبره الشاب "سمير". هذا الشاب يسكن إلى جوار المقابر في تلك القرية، وكثير التدخين، لكنه كسول جدًا عن العمل، ولأنه غالبًا لا يعمل، فكان دائمًا في حاجة إلى المال، وتزيد حبكة الحكاية من درامتها، لتقول لنا إن "سمير" كان أحد المدخنين للحشيشة، وهو ما كان يضطره دائمًا إلى بعض الأشياء الغريبة بل والخطيرة، لأجل الحصول على المال، ولما تغيب بعض أيام عن رفاقه الذين تعودوا الجلوس في المقهى عند المساء، حاولوا السؤال عنه، لكنه ظهر بعد أيام، وحين سألوه عن سرّ غيابه، وسبب سوء حاله، ابتسم لهم وقال إنه كان يقوم في زيارة لأحد ملوك الجان الذين يسكنون في مقابر البلدة. وتصادف في تلك اللحظة وجود أحد الرجال يجلس إلى جوار تلك الزمرة، وأرهف السمع جيدًا، وانتهت الليلة وعاد "سمير" إلى بيته، لكنه وفي اليوم التالي، فوجيء بهذا الجار يطرق بابه، ويطلب منه مساعدة في أمر شديد الخطورة، طلب منه أن يعلمه كيف يمكنه تحضير الجان؟ وذلك لمساعدة في التنقيب عن الآثار تحت بيته.

عفريت للبيع وليس الإيجار:

كان على "سمير" أن يتملص من الرجل الذي صدق حكاية تحضير الجان، لكنه لم يجد مفرًا، وبدأ هذا الجار يُلاحقه طوال الوقت ويضغط عليه لكي يُعلمه، حتى فاض الأمر بـ"سمير"، وهنا تفتقت عبقريته كأحد "الشُطار" بفكرة مجنونة وغاية في الطرافة، إذ اعتذر للرجل عن إمكانية تعليمه كيفية تحضير الجان، لكنه مستعد في المقابل لأجل العشرة والجيرة، أن يبيع له عفريتًا من الجن، ليصبح ملكًا للرجل، وهنا لم يُصدق من الفرح هذا الجار، وبدأ التفاوض على تأجير العفريت، لكن "سمير" اعتذر له قائلاً "العفريت للبيع وليس للإيجار"، وانتهت المفاوضات وتم البيع، وكان ثمنه (250) جنيهًا مصريًا، دفع الجار منها (150)، على أن يدفع المائة الأخرى بعد تجريب خدمات هذا العفريت، وهكذا أقنع سمير الجار، واستطاع الحصول منه على هذا المبلغ، والذي ربما يكون كل ما في جيب هذا الجار.

لم تنتهِ الحكاية عند هذا الحد، بل ذهب الشاطر "سمير" إلى المدينة المجاورة، وتناول وجبة دسمة في أحد المطاعم التي تقدم الكباب والكفتة، ثُم اشترى لنفسه بالمال المتبقي الحشيشة، وجلس في مدخل البلدة يدخنها، ويغني منتشيًا بهذا العفريت الجميل الذي باعه لجاره، حتى اقترب منتصف الليل، فعاد أدراجه إلى بيته، وفي طريق العودة كان أصحاب "سمير" كعادتهم على المقهى يسهرون، ومعهم الجار، الذي ما إن رأى "سمير" حتى هجم عليه، وراح يكيل له الضربات، بينما صاحبنا المنتشي غارق في نوبة ضحك، وحين حاول الناس فض الاشتباك وتخليصه من براثن الجار، والسؤال عن سبب ضربه له، لاذ الجار بالصمت، بينما استمر سمير في ضحكه وتأكيده معهم على ضرورة توضيح الأسباب، وبالطبع لم يتفوه الجار بكلمة خوفًا من السخرية بعد اكتشافه لخدعة هذا الشاطر الظريف الذي باعه العفريت.

يعج تاريخنا بالعديد من تلك النماذج لهؤلاء اللصوص الظرفاء، أو "الشًطار"، لكن ورغم تلك الظرافة، ينبغي ألا ننساق وراء الفكاهة في حكاياتهم، والتي تتخطى الخيال أحيانًا، وأن ننتبه إلى أن السرقة تبقى سرقة دائمًا، وأن الخداع والكذب يبقى خداعًا وكذبًا مهما حاولنا تبريره أو التصالح عليه.