سلسلة أسرار السعادة.. لماذا أخي سعيد وأنا لا؟

سلسلة أسرار السعادة

يشكو البعض أنهم تعساء، رغم أن من حولهم في نفس العمر والنوع أو الظروف المادية سعداء، فهل هناك معيار ثابت ومحدد يجعل الفرد سعيدا؟

حَدَّد عُلَمَاَء النفس ثلاثة اتجاهات لتفسير اختلاف السعادة من فرد إلى آخر، الأول، يرى أصحابه أنَّ تأثير المُتَغيِّرات الاجتماعية على السعادة قليل، ويؤكدون أنَّ السعادة إمكانية فطرية، وأنها تتحدد أساسًا عن طريق السمات الشخصية. ويقصد بها أن الفرد يولد ولديه استعداد فطري للسعادة، قد يكون ورثها عن أهله، وليس للفرد أي دخل فيها. ويفسر أصحاب هذا الاتجاه الفروق الفردية في السعادة على أساس أنها سمة ثابتة في الشخصية (التأثير الانفعالي الطويل)، ترتبط ببعض السمات الشخصية الأخرى مثل (التفاؤل، الانبساط، العصابية، الانفتاح، المُجَاَراة، يقظة الضمير).

سعادة

 

والاتجاه الثاني، يركز على علاقة السعادة بالعوامل البيئية والمواقف الحياتية (أحداث الحياة، والدعم الاجتماعي)، وقد أَكَّد بعض أنصار هذا الاتجاه، أنَّ السعادة ترتبط ارتباطًا قويًا بأحداث الحياة (المرض، الموت، الفرح، النجاح، الفشل، الحب، المساندة)، كما أنَّ الدعم الاجتماعي له علاقة قوية أيضًا بمستوى السعادة، ويهتم أصحاب هذا التوجه بفحص الأحداث الأساسية المُهِمَّة في الحياة، سواء أكانت إيجابية أم سلبية لتوضيح التَغـيُّرات في السعادة، ويؤكدون أنَّ مستوى السعادة لدى بعض الناس يمكن أن يَتغيَّر بدرجة كبيرة تِبْعًا لأحداث الحياة وتَقَلُّباتها سواء كانت جيدة أم سيئة.

  أما الاتجاه الثالث، فيتمثل في علاقة السعادة بالمتغيرات الاجتماعية والديموغرافية مثل: العمر، النوع، الدخل، الزواج.

السعادة والنوع

أظهرت بعض الدراسات أنَّ الإناث أقَلّ سعادة في جميع الأعمار مقارنةً بالذكور، سواء في الريف أو الحَضَر، حيث يُعبِّر الذكور عن مُعدَّلات سعادة تفوق مُعدَّلات السعادة لدى الإناث. وتَرجِع هذه الفروق إلى خبرات التنشئة الاجتماعية، فالبنات يُربيَن تربية مختلفة، فالذكور يواجهون المشكلات بكفاءة، ويعتمدون على أنفسهم أكثر، أما الإناث فيعتمدن في الأغلب على آخرين، بالإضافة إلى أنماط الوالدين فهي تُنمِّي المشاعر الإيجابية لدى الذكور وتُنمِّي المشاعر السلبية لدى الإناث، ومن ثم تُصبِح الأنثى قليلة الحيلة وتشعر بأنَّها أقَلّ مكانة وقوة من الرجل، ومحدودة الإمْكانيَّات في التصرُّف واتخِّاذ القرار، فتُصبح أكثر توتُّرًا واكتئابًا وقلقًا وأكثر تأثُّرًا بالضغوط اليومية.

 إضافة إلى ذلك، هناك كثير من الأعباء التي تُلقَى على عاتق النساء، فإذا كُنَّ متزوجات عليهُّن أعباء العمل والزوج والأولاد، وإن لم يكن فإنَّهن يُعَانيِن من نظرة المجتمع إلى غير المتزوجة. وهن أكثر تأثـّـرًا بالطلاق والزواج الفاشل وعدم الإنجاب والفقد، وأكثر خوفًا من المستقبل، وأكثر إحساسًا بالحزن واليأس؛ فالمرأة تَحزَن كثيرًا وتَغضَب سريعًا، وتتأثَّر عاطفيًا بدرجة أكبر.كما أنَّ النساء أقَلّ سعادة بعملهن من الرجال الذين يشغلون نفس المستوى الوظيفي، حتى في الوظائف المرموقة، ولذلك فإنَّهن أكثر نقدًا للـذات وغير راضين عن حياتهن، والرجال أكثر إنجازًا في الحياة وفي العمل وأكثر نجاحًا وأكثر جرأة وأكثر سيطرة، ولديهم حرية التَصُّرف والقرار.وعلى نقيض ذلك، ترى بعض الدراسات، أن النساء أكثر سعادة من الرجال، لأنهن يعبرن عن مشاعرهن من خلال "الفضفضة" التي تزيل هموم النفس أولًا بأول، كما أن النساء تنجح في إدارة الكثير من الأعمال وخاصة المنزلية في وقت واحد، كما أنهن أكثر تحملًا للظروف؛ مما يثبت وجود صفة الرضا عن النفس والحياة بداخلهن، والتي تعتبر مؤشرا كبيرا للصحة النفسية والسعادة.

 

السعادة والعمر

 أشارت بعض الدراسات إلى أنَّ صغار العمر أكثر شعورًا بالســـعادة من متوسطي العمر والكبار. فالصغار يروُّن المستقبل مَفتُوحًا أمامهم وهم أكثر جاذبية وصحة، وهي مرحلة عمرية تتسم بزيادة الإنتاج والشعور بالقيمة في الحياة، وهم أكثر إنجازًا من كبار العمر، وتلعب النظرة التفاؤلية لصغار السن دورًا مهما في سعادتهم وإقبَالِهم على الحياة، وأحلامهم وطموحاتهم، ويجدون دائمًا فرصًا جديدة للتعويض، والإحساس لدى صغار العمر بأنَّه لديهم أهداف تكوين الأسرة وبداية المسؤوليات الاجتماعية يجلب لهم السعادة. أما كبار السن يروُّن المستقبل مُقيّدًا، وربما قطعوا مراحل كثيرة من حياتهم ولم يَتمكَّنوا من تحقيق أحلامهم، بالإضافة إلى الانخفاض في الصحة الجسمانية، والجاذبية كلَّما تقدَّم العمر بالفرد.

وحينما تصل المرأة إلى سن الثلاثين، تزداد سعادتها، فهذه المرحلة تعتبر سن الاستقرار في العلاقات وإنجاب الأبناء، فحياة المرأة مرتبطة باستكمال رسالتها من خلال إسعاد الزوج والأسرة، مما يزيد من شعور الأمان والاستقرار لديها. والاستقرار الأسري يُصاحبه نضوج انفعالي لدى المرأة، فهي في هذه المرحلة تكون قد حددَّت هويتها وأحلامها وعرفت المجتمع من حولها ممَّا يعُطيِها إحساسًا بالسعادة.

  والرجل في هذه السن يتمتع بشبابه أكثر، فهو في أوج عطائه وصحته وقوته، ولديه الاستقرار في العمل والحياة الزوجية، بما فيها من آمال وعمل وكفاح وطموحات. وفي هذه السن يمتزج عنده الواقع بالخيال، ويشعر بقوة الطموح الذي يدفعه للتقدُّم في الحياة.

 

السعادة والمال

 هل الأغنياء أكثر سعادة من الفقراء؟ وهل يتمتعون بالصحة والهناء أكثر من غيرهم؟

  هناك أدلة تشير إلى أن المال يخفف من العناء، ويضاعف الشعور بالبهجة، بما يوفره من إمكانيات لقضاء وقت الفراغ. فالأكثر دخلاً أكثر سعادة إلى حد ما من الأقل دخلاً. وفي الوقت نفسه الأغنياء أكثر اهتمامًا بالمال من غيرهم، وأكثر قلقًا عليه، وأكثر إيمانًا بأن في المال قوة. ويبدو واضحًا هنا أن شديدوا الفقر لن يكونوا سعداء، كما أن بعض الخبراء يذكرون أن تأثير الدخل على السعادة أقل عند صغار السن منه عند الكبار.

 لا شك أن المال له دور في الإحساس بالسعادة، لكن الحقيقة أن دوره ينحصر في تأمين أساسيات الحياة وليس لتحقيق الرفاهية، والنظرية التي تقول إن المال يجلب السعادة خاطئة، فكل الدراسات الاجتماعية بينت أن مستوى السعادة متقارب بين الفقراء والأغنياء.

 نرى بعض الأغنياء يعانون من الاكتئاب رغم الرفاهية التي يعيشون فيها، وفي المقابل نجد بعض الفقراء يشعرون بسعادة كبيرة بالرغم من حرمانهم من الرفاهية وقضاء معظم أوقاتهم في السعي خلف لقمة العيش. إن الفيصل هنا هو درجة الرضا عن الحياة، وكيفية تسخير المال في الهدف الذي يؤدي إلى إسعاد الفرد، مثل مساعدة المحتاجين أو تأمين الحياة لمن يعولونهم، أو التبرع للمستشفيات ودور الأيتام وغيرها من الأعمال الخيرية التي تسعد المحتاجين.

الخلاصة أن الدخل والطبقة الاجتماعية، لهما إلا تأثير ضئيل على السعادة. وهذا التأثير أقل عند صغار السن، وعند الأقل تعليمًا.

 

السعادة والحب والزواج

 الوقوع في الحب أوضح الأمثلة على الإحساس بالسعادة، فالحب أشد العلاقات وأكثرها عمقًا، وهو الذي يستثير المشاعر الايجابية. كذلك فإن المتزوجين أكثر سعادة من العزاب، والأرامل، والمطلقين. والرجال غير المتزوجين أقل سعادة من النساء غير المتزوجات، مما يوحي بأن فائدة الزواج بالنسبة للرجال أكثر منه بالنسبة للنساء، حيث أن الرجال يحصلون على دعم أكثر من خلال الزواج. إذا ما قورنوا بالنساء. والرضا عن الزواج يرتبط ارتباطًا قويًا بالشعور بالرضا العام أو بالسعادة. والسؤال الآن هو: لماذا يوفر لنا الزواج الناجح كل هذا الشعور بالسعادة؟

  تشير الدراسات، إلى أن الزيجات الناجحة، هى أفضل الزيجات جلبا للسعادة، لما فيها من تبادل القبل، والهدايا، والاستعداد للمساعدة العملية، واستمتاع أكثر بالحياة، وكثرة الوقت الذي يقضيه الزوجين معًا، والاتفاق على المسائل المادية، وتبنى اتجاه إيجابي يقوم على البحث عن حلول للمشكلات التي تحدث في الأسرة. وبالطبع فإن كل شريك يوفر الدعم للآخر. ويتحقق كل ذلك بحسن اختيار شريك الحياة، وتوفير بيئة آمنة لتلك العلاقة مدعومة بالاحترام المتبادل في تبادل الآراء، والحوار الهادئ والهادف، وتقدير كل طرف للآخر، وتوفير احتياجاته وأهمها المعنوية، مثل الشعور بالحب والأمان والثقة.

 وبالنظر إلى الاتجاهات السابقة لتفسير السعادة، يمكننا القول أنَّ سمات الشخصية ليست وحدها كافية لأن يكون الفرد سعيدًا، فإذا قِيل أنَّ السعادة استعداد وراثي فقط؛ فمعنى هذا أنَّ مَنْ وُلِد تعيسًا سيظل تعيسًا طِيلَةَ حياته، وهذا غير معقول، ويتنافى مع طبيعة النفس البشرية التي لديها القدرة على التغيير، فهناك العادات والأساليب السلوكية والمَعْرِفيَّة التي من شأنها أن تُعَدِّل من سلوك الفرد، فالإنسان يستطيع أن يَتَعَلَّم طُرُق لإسعاده ويُغيِّر من نفسه إلى الأفضل. ويتنافي أيضًا مع قول الله سبحانه وتعالى: ("ِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد:11). وهكذا، نرى أنَّه يمكن النظر إلى السعادة على أنَّها نتاج لتفاعل الجوانب الثلاثة (السمات الشخصية - الجوانب الاجتماعية - العوامل البيئية والموقفية).