ٌقراءة في الكتاب الفرنسي «ديموقراطية السذج»

أفرز وباء كورونا كما هائلا من قصص المؤامرة، والخطابات المشككة فيه، والأخبار الزائفة أو المنفوخة، والمعلومات غير الموثوقة، والأخطر من ذلك أن الإيمان بصحة ما يروج يشمل أحيانا حتى بعض المحسوبين على الأسرة العلمية والبحثية، كما سجله الفيلم الوثائقي "هولد أوب" Hold-up، في حوالي ثلاث ساعات، ساق مجموعة كبيرة من الشهادات منها التي قدمها أشخاص ذوو تكوين علمي رفيع، يشهدون على أن الوباء سببه مؤامرة يدبرها في الخفاء "أعضاء الحكومة العالمية"، التي تتأسس على مصالح اقتصادية تدبرها شركات عالمية، هذه المزاعم تصور عالم الشركات على أنه مثال على عدم أخلاقيات اقتصاد السوق.

  والأغرب أن الشهادات التي قدمها هؤلاء "العلماء" كلها أو جلها تتأسس على معلومات وأخبار غير صحيحة، تروجها مواقع ومنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي في شبكة الإنترنت، فكثير من المعلومات المضللة تم إعدادها في شكل قصص متماسكة، ما يجعلها في نظر المؤمنين بها معقولة.

  

وقد حظي الفيلم الوثائقي بحوالي ثلاثة ملايين مشاهدة بعد أسبوع واحد من إطلاقه، كما حظي بأربعمائة ألف تغريدة في شبكة "تويتر". إن شبكة الانترنت التي تعد أهم وسائل الإعلام الجماهيري، والتي جاء اختراعها نتيجة اندماجِ التكنولوجيا ومجتمع المعلومات، حققت طفرة في مجال الاتصال الالكتروني. وفي الوقت الذي أصبح تداول المعلومات عبر الأجهزة الحديثة ضرورة لا مناص منها في المجتمع الحديث، بل أصبحت الشغل الشاغل لأفراده، أخذت تؤثر عليه سلباً وإيجاباً وفقًا لدرجات ودراية التوظيف السليم، الأمر الذي جعل لها آثاراً عديدة على الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والمالية وغيرها. بل أدت إلى تغيرات جوهريةٍ في الدول والمجتمعات، وكانت مادة وموضوعا لعدد من الأبحاث والدراسات والتقارير والمؤتمرات.

  ولعل من أهم ما صدر من الكتب في موضوع تأثير شبكة الانترنيت في الوعي الجماعي، كتاب "ديمقراطية السذج" الذي ألفه عالم الاجتماع الفرنسي جيرار برونر. الترجمة العربية أنجزها المنجي محمد القردلي، وصدرت عن دار جامعة محمد بن سعود بالرياض عام 2018، الكتاب يتناول موضوع ترويج المعلومات غير الموثوقة والأخبار الكاذبة في شبكة الانترنيت. ويتساءل في الكتاب: كيف وصل الأمر إلى هذا الحدّ في مجتمعات متقدمة صارت تستهين بالحقيقة.

 

مؤامرة ومزاعم

على الرغم من منافعه التي لا تعد ولا تحصى، فقد جعل الانترنت العالم يعيش أزمة حقيقة، فتوفر المعلومة بسهولة ونشر الخبر بسرعة عمل مفيد في حد ذاته، إلا أن هذا الكم الهائل من الأخبار ليس كله صحيحا، فإمكانية الانتشار السريع والواسع أكسب الأخبار الزائفة حضورا غير مسبوق في حياتنا، وأصبحت علنية، اجتاحت الفضاء العام، تفرض نفسها بقوة على كل مستعمل للشبكة.

  من أبشع الأمثلة التي يمكن يستحضرها المؤلف أن قناة تلفزية فرنسية قدمت عام 2003، فيما عرف بقضية "بوضي-أليغر" في الثامنة مساء موعد النشرة الرئيسة، مقابلة مع شاب يدّعي أنّه ابن مايكل جاكسون، وأنّه تعرض للاغتصاب ومغتصبه هو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، فكيف أفسح المجال لأمور وهمية ومختلقة بل غارقة في الكذب أن تنشر على العموم، وتكسب تأييد الجمهور.

 

الأخبار الزائفة كسبت كثيرا من المصدقين بها، المدافعين عنها، المتحمسين لها، ما مكنها من التضييق على نشر وتداول الأخبار الصادقة والمعلومات الحقيقية، وأصبحت بالتالي تؤثر في صناع القرار في العالم، من خلال تحريك المؤمنين بها المؤثرين بعددهم في الاختيارات السياسية للبلدان.

  وقد استفادت "نظرية المؤامرة" من هذا الوضع، واستثمرت الإمكانات التي تتيحها تكنولوجيا الاتصال الحديثة لتوسع رقعة انتشارها، وتكسب المزيد من المؤمنين بها، مستغلة الفوضى التي تعم سوق المعلومات، والتي أتاحت فرصا غير مسبوقة لنشر وهيمنة الأفكار الخاطئة والمعلومات الزائفة في شتى الحقوق كحقائق ثابتة لا تقبل الجدل. فنظرية المؤامرة، التي تغذي الانحياز التأكيدي، تتغذى بدورها بالأخبار الزائفة.

 كان من المأمول في العصر الحالي، مع انتشار التعليم وارتفاع المستوى التعليمي للناس، والتدفق الحر للمعلومات في المجتمعات الديمقراطية أن تتجه نحو شكل من أشكال الحكمة الجماعية، إلا أن تظافر أسباب كثيرة، جعل الناس أقرب إلى السذاجة الفكرية ونبذوا الحكمة وراء ظهورهم.

كيف نفسر النقص الواضح في الحكم النقدي والجزء المتزايد الأهمية من "سذاجة" الأفراد في مجتمعات "ما بعد الحداثة"؟

أكثر من ذلك، كيف يمكن تفسير الانقسام المتزايد بين المعلومات المتاحة من خلال وسائل الإعلام المحوسبة وغزو "المشكوك فيه والكاذبة في الفضاء العام؟" يتساءل مؤلف الكتاب.ديمقراطية السذجديمقراطية السذج

 النشر الواسع للمعلومات أمر إيجابي للمعرفة، وهذه النظرة المتفائلة، تفترض أن المنافسة ستكون بين المعرفة المنهجية والمعتقدات، فمن المفروض أن تتغلب المعرفة المنهجية، إلا أن الواقع يخيب الظنون الحسنة، لأن الناس الذين يتبنون نظرية المؤامرة، ويفسرون بها الأمور، ينحازون إلى تأكيد الأخبار والمعلومات التي تقوي معتقداتهم وتديمها، وتساعدهم الشبكة بحجب المعلومات الحقيقية، بوضعهم داخل "فقاعة الترشيح".

ظاهرة "التحيز التأكيدي"

هي الميل إلى معاملة تفضيلية للمعلومات التي تؤكد معتقداتنا بدلاً من تلك التي تبطلها، وله تأثير ضار جدا على المعرفة، فهو يلوث سبل طلبنا المعلومات، ويعرقل عجلة البحث عنها، لأنه يؤثر في اختيارنا للمعلومات، حتى لو كانت خاطئة أحيانا، ما دامت تتفق مع معتقداتنا، ويبعدنا بالتالي عن المعارف المنهجية التي تتعارض معها، لأن استيعابها يتطلب منا جهدا عقليا، وأساسا متينا من التكوين، وقدرة على فرز الكم الهائل من المعلومات المتاحة وفحصها، في حين إن معتقداتنا تقبل الحلول التي تناسب قواعد تفكيرنا الساذج. فالكسل الفكري لمستعملي الشبكة الذي رسخته التكنولوجيا الحديثة، هو سبب "السذاجة الفكرية" و"الانحياز التأكيدي" بحسب رأي المؤلف.

يشير برونر إلى التحيزات المعرفية التي لا تعد ولا تحصى والتي تقود الجميع إلى إصدار أحكام متحيزة حول المعلومات من حولهم.

"فقاعة المرشح"

هي وصف لتأثير تقنية يستخدمها عدد من محركات البحث في تحديد نتائج البحث المعروضة للمستخدمين.

فمحركات البحث، تعتمد خوارزميات معقدة، تمكنها من تدبير عمليات البحث وعرض النتائج، فمحرك البحث الشهير غوغل مثلا تعتمد خوارزمياته 57 معيارا تسمح بتخمين المعلومات التي قد يفضل المستخدم أن يراها بناءً على بيانات تخصه، منها موطنه، سنه، جنسه، سجل بحثه الشخصي، وسلوكيات النقر الماضية وتاريخ البحث، ونوع الكمبيوتر، وشعبية الموقع، وغير ذلك من البيانات التي جمعها المحرك عن الباحث، ونتيجة لذلك، يعرض المحرك في صفحة النتائج المعلومات والمواقع التي يختارها للباحث بترتيب خاص، ولا يولي اعتبارا لمصداقية الموقع ولا لصحة الأخبار، وبذلك يمارس غوغل توجيها خاصا للمستخدم، ولا يمكنه الوصول إلى المعلومات والصفحات والمنتديات التي لا تتفق مع وجهات نظره وحساسياته السياسية والعقدية، وهو وما يعزل المستخدم في فقاعاته الثقافية أو الفكرية الخاصة.

إن شبكة الانترنت، فسحت المجال لكل الناس لأجل التعبير عن آرائهم بكل حرية، وعرضها في شكل مغر، معزز بالصور وتقنيات تفاعلية، ما يجعلها مؤثرة حقا في متصفحها، حتى لو كانت زائفة أو خاطئة.

فمحتويات شبكة الانترنت التي تشكل "سوقا معرفية" نامية وواسعة الانتشار، وكثيرة المردود، للأسف تنقصها المصداقية، وتفتقد إلى النزاهة، وتغيب الحياد، فهي منحازة بشدة إلى المعتقدات الخاطئة التي تتعارض مع المعارف المنهجية.

كيف نفسر هذه النتائج؟ بشكل عام، يكون "المؤمنون" أكثر حماسًا من "غير المؤمنين" للدفاع عن وجهة نظرهم وتكريس الوقت لها.

فوضى المنافسة

يشير المؤلف إلى أمر هام بخصوص وفرة المعلومات في شبكة الانترنيت، فالتكنولوجيا الحديثة أتاحت توفير عدد هائل غير محدود للمعلومات، وتوسيع نشرها بكلفة قليلة جدا، لكن هذا النمو الذي شهده حقل المعلومات لم يواكبه جهد كاف لتدقيق المعلومات، الأمر الذي يمس مصداقية المواقع التي تبثها.

وتقف الأسباب الاقتصادية وراء تنافس المواقع على نشر المعلومات المثيرة للفضول، وخاصة تلك التي تتعلق بالحياة الشخصية للمؤثرين من سياسيين وفنانين ورجال أعمال وغيرهم. في حين لا تبذل جهدا في سبيل البحث عن المعلومات الصحيحة الغائبة، لأن العملية مكلفة ماليا، ولا تثير فضول القراء بقدر ما تثيره الأخبار الزائفة والإشاعات الفضائحية. فالجشع المالي للمواقع الإخبارية لا يجد ضالته سوى في الأخبار الزائفة المثيرة.

إن أنانية الفاعلين الإعلاميين وانصرافهم عن التعاون والعمل بما يحقق مصلحتهم، يدعم بشكل قوي اللاعقلانية الجماعية، ويسهم في ترسيخها، فتنافسهم في سبيل كسب نقرات وتصفح رواد الانترنيت يدفعهم إلى قبول نشر المعلومات الفاقدة للمصداقية، وهذه الموضوعات يطلق عليها في الصناعة الإعلامية لفظ "الموضوعات البائعة" أي التي يكثر عليها طلب وإقبال الناس.

ويقدم المؤلف عدة أمثلة عن السقطات التي وقع فيها الإعلام، وأسوأها ما نشرته المواقع الإعلامية الفرنسية وغيرها عام 2010، بخصوص علاقة الرئيس الفرنسي ساركوزي برفيقته كارلا بروني، اعتمادا على مجرد تدوينة كاذبة نشرها في "تويتر" جوليان ميلكاريك الصحافي المستقل، فانتشرت انتشار النار في الهشيم، وعممت المواقع الإخبارية والصحف الورقية الفرنسية وغيرها هذا الخبر الزائف.

إن الوعي الجماعي للناس يجب تصحيحه، بنشر الفكر العلمي والاستدلال، وتعزيز العقلانية، وتحديد التحيزات المعرفية التي تؤثر على أحكامهم، والتخلص منها، وأولى الناس بالتدريب أولئك الذين يمارسون مهنة نشر المعلومات، كالصحفيين والمدونين و"المؤثرين"، فهم القادرون على ترسيخ السذاجة الفكرية، كما يمكنهم ترسيخ الذكاء والعقلانية.