يولد القمر في السماء ويزداد ضياءه، شيئا فشيئا حتى يكتمل. ثم يرحل وتدور الأرض دورتها مرة أخرى فيولد من جديد.
لا يخفي على أحد حالة الحزن الشديد التي خيمت على الوسط الثقافي العربي بعد رحيل الكاتب الكبير "مجيد طوبيا" صاحب ملحمة أبناء الصمت وتغريبة بني حتحوت، وغيرها من الأعمال المهمة التي ستبقي في ذاكرة السينما والرواية العربية.
مجيد طوبيا
لم يكن رحيل "طوبيا" مباغتُا فقد كان يعاني من شده المرض ويصارع للبقاء منذ فترة ليست بقصيرة، لكن توقيت رحيله كان المفارقة الكبرى في حياة الكاتب الغنية بالمواقف الدرامية والمفارقات التي عاشها بنفسها، أو صنعها لأبطال روايته وأعماله الدرامية. كذكري حبيبته الإيطالية التي لم تفارقه في صحته ومرضه، وإيمانه الشديد بالفنان "أحمد زكي" في بداياته حتى منحه فرصة عظيمة للبطولة في السينما.
وحصوله على العديد من الجوائز والتكريمات المصرية المهمة في فترة كبيرة من حياته، ثم انعزاله مرة أخرى عن الأضواء، مكتفيا بصديق حقيقي واحد ينظر من خلاله إلى العالم، ويلتقط من خلال محبته أنفاسه.
أحمد زكي
رحل الكاتب الكبير "مجيد طوبيا" القبطي المصري عن عالمنا في أقدس الشهور عند المصريين وأهمها طقسيًا وعقائديًا. وقد ذكرني هذا التوقيت على الفور بإحدى شخصيات رواياته، وهي الملكة المصرية القديمة "إياح حتب" زوجة الملك "سقنن رع"، التي لعبت بجوار زوجها الملك المقاتل العظيم دورا كبيرا في حماية جنوب مصر والحفاظ على استقلاله من المحتل الأجنبي "الهكسوس"، ثم وقفت بجوار أبنائها بعد وفاة زوجها في ساحة المعركة حتى استطاع صغيرها "أحمس" أن يبلغ أشده وينتصر على أعداء مصر، ويدمر عاصمتهم في الشمال انتقاما لوطنه وأبيه؛ فهرع لها المصريون بعد هذا النصر المهيب صائحين: "واح، واح إياح"، وتعني باللغة المصرية القديمة "مرحي مرحي يا إياح". وظلت هذه الصيحة مرتبطة بالاحتفاء بالنصر، وبابنها "أحمس" الذي يعني اسمه في المصرية القديمة "القمر المولود على الأرض". وهكذا تصبح طقسا ثابتا في الاحتفال باكتمال القمر الذي أصبح عندهم يرمز لميلاد الملك المحرر. وتروي العديد من المصادر إن تلك الصيحة تطورت مع الوقت لتصبح "وحوي يا وحوي اليوحا"، وهو النشيد الشهير الذي مازال الأطفال يرددونه للاحتفال بقمر الشهر العربي. وكأن "طوبيا" قد اختار لنفسه الاحتفال الذي اختاره لبطلة روايته الشهيرة، فتشيعه قلوب المحبين إلى مثواه الأخير، ويشيعه عموم الناس بالفوانيس المنيرة في شهر رمضان المبارك.
يروي مجيد طوبيا في روايته "القمر يولد على الأرض" جانب طويل من تاريخ مصر القديم، بمهارة واقتدار يليق بفنان مخلص لعمله، وروائي يملك من خزائن الحكي ما تنوء به أرفف كبرى المكتبات. حيث تعج الرواية برؤى وتفاسير تخص التاريخ المصري، ورؤى وتفاسير أخرى تخص "طوبيا" وعلاقته بالحضارة المصرية التي تربي طفلًا بين معابدها في محافظة المنيا، فأصبح يملك فهمه الخاص لرموزها، وتأويل مغاير لتاريخها العظيم بمراحله المختلفة. من خلال أسرة بسيطة خدم ربها في أسطول الملك "سقنن رع" النهري، ثم من بعده في أسطول الملك "أحمس" الذي طرد الهكسوس من مصر، ليهبه الملك ضيعه صغيرة يتوارثها أبناءه وأحفاده، جيلا بعد جيل، كشهود على تقلبات العصر والملوك الذين حكموا مصر في فترات القوة والضعف، مثل الملكة القوية "حتشبسوت" وخليفتها "تحتمس الثالث"، مرورا بأخناتون وحور محب حتى عهد "رمسيس الثاني"، وما خاضته مصر في تلك العصور من حروب وفتن وأوبئة وغزاة، وغيرها من الوقائع التي لا تخفى على أحد.
وكأن هناك خيط واصل بين حياة تلك الأسرة المصرية القديمة وحياة "مجيد طوبيا" التي شهدت التقلبات والتغيرات الجذرية في الحياة المصرية منذ ميلاده عام 1938 وحتى وفاته عام 2022، كانتهاء الملكية وحروب مصر المتتالية، مرورا بالنكسة والعبور العظيم، ثم عهود الانفتاح وما تلاها، وصولًا لإعلان الجمهورية الجديدة، وعهد جديد ما زالت ملامحه تتشكل.
وتصاحبنا دائما تلك الدهشة المعلوماتية والتاريخية والفتنة الروائية بين دفتي أعمال "مجيد طوبيا"، لنجد أنفسنا في حسرة، ونحن نطوي صفحتها الأخيرة وتصاحبنا مشاعر الحزن والألم على واحد من أبرز رواد كتابة الرواية العربية، وأحد حملة مشاعل الفن والتأريخ والتنوير.