انسحاب «الثلاثية».. تعقيد جديد في المشهد السوداني

لا يكاد الموقف السياسي السوداني يشهد استقرارًا، حتى تتوالى الأحداث والمفاجآت التي تعيد خلط الأوراق، وتضع الجميع في حيرة من أمرهم أمام المشهد الذي يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

فمساء الأحد الماضي، وبشكل فاجأ الجميع، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني، والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، انسحاب القوات المسلحة السودانية من العملية الحوارية الجارية في السودان، إيذاناً منها بمغادرة المشهد السياسي كلياً، وتسليم الحكومة لحكومة مدنية من القوى السياسية.

واعتبر الحدث مفاجئً للجميع، حيث كان الخلاف بين القوى السياسية والعسكريين يبلغ أوجّه، هذا مع حراك الشارع استمر أكثر من سبعة أشهر، فيما فشلت جهود الوساطات الإقليمية والدولية في الوصول إلى اتفاق سياسي ينهي الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ أكتوبر الماضي.

مفاجأة القوات المسلحة لم تكن وحدها هي التي عصفت بجميع التوقعات، بل ردة فعل قوى الحرية والتغيير "المجلس المركزي" هي الأخرى أدخلت المراقبين في حيرة، فما عدّه العديد انسحاباً للقوات المسلحة من المشهد السياسي، رأته قوى الحرية والتغيير خلاف ذلك، لترفض خطاب البرهان وما حواه من رؤى لحل الأزمة متهمة إياه بكونه محض "مراوغة"، لتدفع بالتكهنات مجدداً إزاء مستقبل العملية السياسية في البلاد، إزاء رفضها دعوات البرهان.

وفي الأثناء التي ما زالت فيها ردود الأفعال تتوالى على خطاب البرهان، وانكباب المحللين السياسيين على استبصار مستقبل المشهد السياسي، وبصورة مفاجئة أيضاً، مساء اليوم الثلاثاء، أبلغت الآلية الثلاثية المعنية بتسهيل الحوار بين الفرقاء السودانيين، أطراف في العملية التحاورية وقفها لعملية الحوار، قائلة – الآلية- إنه بعد انسحاب الجيش من العملية الحوارية لن يكون هناك جدوى من مواصلة المحادثات بشكلها الحالي.

وكان حوار الآلية الثلاثية بمثابة الضامن الأخير لأن لا تبلغ المواجهات بين الفرقاء السودانيين إلى ذروتها، حيث عمل ثلاثة أعضاء فيها (فولكر بيرتس- محمد ولد لبات- إسماعيل وايس) يتمتعون بحضور دولي وإقليمي عالٍ، طوال أشهر، على محاولات الوصول لحل للأزمة السياسية.

ورغم أن محاولاتهم لم تكلل بالنجاح، إلا أنها أفلحت إلى حد كبير في نقل المشهد السوداني من حلبة الصراع والمواجهات المباشرة، إلى طاولة التحاور والتفاوض، تحت مظلة الآلية الثلاثية، ليخلق إعلانها وقف عمليات الحوار، ربكة جديدة إلى المشهد السياسي الذي يغلي فوق صفيح ساخن من الأحداث.

منتصر إبراهيم الزينمنتصر إبراهيم الزين

تغير طبيعة الأوضاع الحالية

المحلل السياسي والكاتب الصحفي، منتصر إبراهيم الزين، ينوّه إلى أن القرار اتخذته الآلية بشكل مفاجئ، لكنه يشير أيضاً إلى الطبيعة المتناقضة للآلية مع الأوضاع الجديدة التي أفضى لها انسحاب القوات المسلحة من المشهد.

ويقول "الزين" في حديث لـ"سفن إي نيوز" إن الآلية شُكلت في الأساس لإدارة حوار ما بين قوى خارج السلطة وقوى داخل السلطة، بطبيعة تكوينها، وهو الوضع الذ لم يعد كما كان عليه بعد إعلان الجيش الذي كان في سدة الحكم وأحد الأطراف الأساسية في الحوار، عن زهده في الحوار وفي السلطة مستقبلاً.

ويرى "الزين" أن قوى الحرية والتغيير في حال تمسكت بمواقفها الرافضة ستتحول إلى محض معارضة، دون إيلائها أي مكانة سياسية أخرى، معتبراً أن الوقت هو وقت الحوار السوداني- السوداني "الحقيقي"، بحسب ما قال.

وأضاف أن طبيعة الآلية كان تسعى للوصول إلى تسوية سياسية عبر تقاسم السلطة بين أكثر من طرف، بمعادلات القوة، إلا أن الأوضاع انتقلت إلى التفاكر حول إشكالات المشكلة السياسية والاجتماعية بصورة عامة، بعيدا عن الصراع على المقاعد السلطوية.

مصعب محمد عليمصعب محمد علي

الحوار في أزمة

أستاذ العلوم السياسية، بجامعة النيلين، مصعب محمد علي، يؤكد أنه ما بعد خطاب الآلية الثلاثية الذي تم الكشف عنه مساء اليوم، يمكن الجزم بأن الحوار الآن في أزمة حقيقية، بحسب ما قال.

ويؤكد في حديث لـ"سفن إي نيوز" أن ما أقدمت عليه الآلية بإعلانها وقف الحوار هو أمر منطقي ومقبول، لجهة أن أحد أطراف الحوار الأساسيين –المكون العسكري- أضحى خارج العملية التحاورية.

ويرى أستاذ العلوم السياسية، أن الأوضاع تسير في اتجاه انعقاد حوار سوداني- سوداني مكون من القوى المدنية ومن دون تمثيل للمكون العسكري، كخيار لا بد منه لاستمرار العملية السياسية.

ويضيف أنه في حال فشل الوصول إلى تلك الصيغة التحاورية، فمن المتوقع أن تذهب المؤسسة العسكرية التي ما زالت تسيطر على زمام الأمور في البلاد، إلى تعيين حكومة تنفيذية وتسمية رئيس وزراء مدني ثم تنظيم انتخابات في وقت وجيز.

آمال أخرى في استمرار العملية السياسية

في ختام خطاب الآلية الثلاثية، والذي عنونته لأحد أطراف العملية الحوارية، تركت الآلية فقرة ختامية أكدت فيها أنها ستستمر في التواصل مع أطراف الحوار، ومع ما أسمتههم بـ"أصحاب المصلحة".

ورغم عدم وجود تصور واضح حول أغراض التواصل الذي أشارت له الآلية، أو الوعاء الذي سيضم أي عملية التي ترعاها أو تشارك فيها مستقبلاً، إلا أن ذلك أيضاً يترك أملاً طفيفا في لعب الآلية الثلاثية دوراً في المشهد السياسي مقبل الأيام.

وإضافة إلى ذلك، فهناك دور آخر للولايات المتحدة الأمريكية، والسفارة السعودية في الخرطوم، قد يتدخل أيضاً في محاولة لإنقاذ الموقف من الانهيار التام، خصوصاً أن الأسابيع الأخيرة، شهدت دوراً متعاظماً للولايات المتحدة وسفارة الرياض بالخرطوم، حيث نجحا في عقد عدد من الاجتماعات بين الحرية والتغيير والعسكريين، في قمة تأزم الموقف بين الطرفان.