«الجزائر» تعيد رسم خريطة الغاز العالمية.. وأوروبا تترقب

تخوفات أوروبيه من صناعة "غول" للغاز في إفريقيا

رهان دولي على الغاز الجزائري محفوف بتخوفات من صناعة "غول" جديد بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولكن تبقي أوروبا "بين شقي الرحى"، فالحديث عن تخوفات من صناعة روسيا جديدة تتحكم في مصائر الشعوب الأوروبية أمر مشروع.

ولكن أيضا هناك ضرورة ملحة لإيجاد مصدر بديل للغاز الروسي بعد تهديد الأخير بقطع الإمدادات، ولتفادي أزمة محققة في القريب العاجل، في ظل تطورات الأوضاع السياسية.

الغاز الروسيالغاز الروسي

وهنا كانت الكلمة الحاسمة بإعلان شركة الطاقة الجزائرية "سوناطراك" شروعها رسميًا في مراجعة أسعار صادراتها من الطاقة مع جميع زبائنها وشركائها، مؤكدة أنها ستتعامل بحزم إذا رصدت أي تغيير لوجهة غازها نحو أطرافٍ أخرى دون اتفاق مسبق؛ في إشارة إلى قطع الإمدادات إذا تم توجية الغاز الجزائري إلى أي دولة غير إسبانيا.

مستهدفات مشروعة

"سوناطراك" الجزائرية ثاني أكبر مصدر لأوروبا للغاز الطبيعي بعد "جازبروم" الروسية، إذ تربطها بأوروبا 5 أنابيب غاز ضخمة، يبلغ طول الأنبوب الغازي 197 كيلومتراً من غرب الجزائر إلى جنوب إسبانيا، مروراً عبر البحر المتوسط، بتكلفة وصلت لـ240 مليون دولار، وتعزيز قدرة تصدير الغاز الطبيعي عبر أنبوب "ميدغاز" بين الجزائر وإسبانيا.

سوناطراك الجزائريةسوناطراك الجزائرية

استهدفت "سوناطراك" من تلك المشروعات عده أمور أهمها: منح الشركة النفطية مرونة أكبر في عمليات الربط والنقل عبر الأنابيب، وتأمين المنطقة الغربية من الجزائر بالغاز، وكذلك تعزيز مكانتها كشريك موثوق به عند شركائه الأوروبيين، نظراً للمنافسة الشديدة بعد دخول قوى نفطية أخرى بـ"الغاز الرخيص" على غرار روسيا والولايات المتحدة وقطر وأستراليا.

ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، واتخذت الجزائر الصراع الروسي الأوكراني والأوروبي ذريعة لاستغلال إمكانياتها لدعم نفوذها السياسي والإقليمي.

أنابيب نقل النفطالغاز

المال وحده لا يكفي

تعتبر الجزائر أهم مورد غاز (نحو 40%) للسوق الإسبانية منذ سنوات، وبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، اقترحت الحكومة الإسبانية الجزائر كشريك تجاري يعتمد عليه، ويمكن أن يساعد في استغناء أوروبا عن الغاز الطبيعي الروسي على المدى الطويل الذي عن طريقه يمكنها تحقيق عوائد مادية اقتصادية هائلة.

الحرب الروسية الأوكرانيةالحرب الروسية الأوكرانية

لكن بالنسبة للجزائر لا يتعلق الأمر بالمال فقط، إذ لديها اعتباراتها السياسية في العلاقات التجارية، خاصة عندما يتعلق الأمر بنزاع الصحراء الغربية، وبالتالي فإن الموقف من هذه القضية يمكن أن ينعكس على توريد الغاز وسعره، وهذا ما حدث بعدما غيرت مدريد موقفها من قضية الصحراء الغربية وأنهت حيادها بعد 40 عاماً من أجل إنهاء الأزمة الدبلوماسية مع المغرب.

وكانت الجزائر اعتبرت الموقف الإسباني الجديد "خيانة" بالنسبة إليها، وربما تدفع مدريد ثمن موقفها غالياً برفع الجزائر لسعر الغاز، وهو ما أشار إليه توفيق حكار، رئيس مجموعة النفط والغاز الجزائرية العامة "سوناطراك"، في تصريحه لوكالة الأنباء الجزائرية (وأج) بأنه "منذ بداية الأزمة في أوكرانيا، انفجرت أسعار الغاز والبترول؛ وبالفعل أعلنت رسميا مراجعة أسعارها" في إشارة إلى إسبانيا.

ويقول المهندس جورج عياد، الخبير البترولي، إن تكاليف الغاز تتحدد وفقاً لقرب الإنتاج من المناطق المصدر إليها المنتج، موضحاً أن سعر الغاز بالإضافة لعلميات التنقيب والبحث التي يتم من خلالها استخراج الغاز.

جورج عيادجورج عياد

أوضح أن تكلفة التنقيب عن الغاز في الأرض يختلف عن نظيره الذي يتم العثور عليه عن طريق البحث في المياه العميق،ة مثل منطقة البحر المتوسط في مصر وإسرائيل وليبيا وغيرها.

مواكبة التغييرات العالمية

برر "عياد" لجوء الجزائر لتحريك سعر الغاز لديها إلى مواكبة التغييرات العالمية بدون التطرق للأزمة الروسية الأوكرانية، موضحًا أن الجزائر تحتل المرتبة الثالثة عالمياً في صادرات الغاز الطبيعي بعد روسيا.

وأشار إلى أن الشركات الجزائرية يعاب عليها عدم وجود مرونة في التفاوض مع العملاء، بعكس مصر والدول الأخري خصوصا، وأنها دولة منغلقة على نفسها، وبالتالي فالأسعار المعاد تحريكها هو سعر قطعي لا تفاوض فيه، وهي أمور لا تشغل بال أوروبا أكثر من الحصول على الغاز للسيطرة على الأزمة التي خلفتها انتقاص إمداد الغاز الروسي.

أسعار البنزينالغاز

وأوضح أن أوروبا ستضطر للتعاون مع الجزائر للحصول على الغاز خصوصا وأن تكلفة توريد الغاز من دول الخليج، مثل قطر ستكون أعلى بعكس مصر والجزائر.

الجزائر تتربع على عرش الغاز

على الرغم من محاولات أوروبا على مدار الأشهر القليلة الماضية للبحث عن مصادر بديلة للغاز الروسي، وإبرام تعاقدات مع مصر وإسرائيل لتوريد الغاز لهم إلا أن كميات الغاز التي تم الاتفاق عليها لا توفر إلا 10% فقط من احتياجات أوروبا، ولذلك اللجوء للغاز الجزائري بات أمراً حتمياً في تلك الآونه، حتى وإن وجد الخبراء والمتخصصون صعوبه في التفاوض مع الجانب الجزائري إلا أن الأمر لم يعد اختيارياً.

ويقول الدكتور أسامة كمال، وزير البترول والثروة المعدنية المصري الأسبق، إن سعر الغاز عالميا لا يرتبط بوجود بورصة له بعكس النفط، موضحاً أن إجراء شركة سوناطراك الجزائرية؛ لتعديل سعر صادرات الغاز الطبيعي للخارج؛ نتيجة لزيادة الطلب عليه في ظل الأزمة التي خلفها الصراع الروسي الإوكراني وتأثيرها على سلاسل الإمداد والتموين في العالم.

أسامة كمال، وزير البترول والثروة المعدنية المصري الأسبقأسامة كمال، وزير البترول والثروة المعدنية المصري الأسبق

وأضاف "كمال" إن هناك محددات لزيادة سعر الغاز، تتضمن تكاليف النقل والتأمين والخدمات وغيرها، موضحاً أن السعر المتعارف عليه للغاز في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ 4 دولارات، خصوصا وأن شركات القطاع الخاص في أمريكا هي التي تستحوذ علي عمليات الإنتاج والبحث، ولكن دولة مثل الصين تستورده بـ37 دولاراً، خصوصاً وأنها تستورد كميات أكبر في ظل فترة الريبة الراهنة، بالإضافة لارتفاع عمليات التأمين والاشتراطات الصحية التي يتم فرضها عند دخول الموانئ الصينية، بسبب الأمراض والأوبئة مثل كورونا، وهي تكلفة على الشركات الموردة للغاز.

وأوضح أن تأثر أوروبا بنقص إمداد الغاز الروسي في الأشهر السابقة بسبب إجراء صيانات على خطوط الغاز من قبل روسيا بخلاف الحرب الدائرة، وهو ما جعل أوروبا تتجه لتدبير مصادر للطاقة من الجزائر ومصر.

ارتفاع تكاليف الإنتاج

وأرجع " كمال" توجه الجزائر لرفع سعر الغاز لديها إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بالإضافة لأن الجزائر تعتمد على الاستيراد، وبالتالي فهي تقوم بتدبير فوائض من مواردها لتلبية احتياجاتها الأساسية من السلع بجانب تماشي الأسعار الراهنة للغاز مع السعر السائد في العالم.

وأوضح أن محطات الإسالة في مصر خلال الوقت الراهن ينبغي عليها مراجعة الأسعار، بما يحقق مكاسب للاقتصاد القومي في الفترة الجارية.