زلزال 92.. واغتيال فرج فودة.. ماذا حدث للمصريين منذ 30 عامًا؟

زلزال 92.. واغتيال فرج فودة.. وقصة فتاة العتبة.. ومنع اسم نور الشريف من أخبار اليوم!

قد نظن أن الحوادث كثرت في الأيام الأخيرة، بصورة لم تكن موجودة من قبل، وربما يُجزم البعض أن الهدوء كان يعم البلاد قبل سنوات، وأن الأزمات لم تعرف طريقها إلى الشارع المصري إلا في هذا العام، وأن الجيل الجديد هو سبب كل البلاء، لكن عندما نعود 30 سنة للخلف نجد أزمات أكبر، وصراعات أضخم، وجرائم أصعب، ولكن «آفة حارتنا النسيان» كما قال عمنا نجيب محفوظ.

1

في الثامن من يونيو، كان الدكتور فرج فودة، يغادر مكتبه بشارع أسماء فهمي، في مصر الجديدة، الذي أسَّسه ليكون مقرًّا للجمعية المصرية للتنوير، وقبل أن يصعد إلى سيارته، أطلق مجهولون عليه الرصاص، فأردوه قتيلًا، وتم إلقاء القبض على القتلة.

مانشت اغتيال فرج فودة في جريدة الأهراممانشت اغتيال فرج فودة في جريدة الأهرام

ورغم ذلك وجدوا مَن يبرر لهم جريمتهم، ففي اليوم التالي نشرت جريدة «الأخبار»، تبرير مأمون الهضيبي، المرشد العام للإخوان، لتلك الجريمة.

تبعات خبر اغتيال فرج فودةتبعات خبر اغتيال فرج فودة

أما الشيخ محمد الغزالي، فقد وقف أمام النيابة، وقال: «إنهم قتلوا شخصًا مباح الدم ومرتد، وهو مستحق للقتل، وقد أسقطوا الإثم الشرعي عن كاهل الأمة، وتجاوزهم الوحيد هو الافتئات على الحاكم، ولا توجد عقوبة في الإسلام للافتئات على الحاكم، إن بقاء المرتد في المجتمع يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها بحض الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس».

دافع الشيخ الغزالي عن القاتل، وهاجم المقتول!

فرج فودةفرج فودة

لكن الخطوات العملية للتخلص من فرج فودة، بدأت قبل 6 أشهر من اغتياله حين تم نصب فخٍّ له بجعله طرفًا في مناظرة تحت عنوان «مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية»، وكان ذلك ضمن فعاليات معرض الكتاب.

وقد مَثَّل فيها الدولة المدنية فرج فودة ومحمد أحمد خلف الله، ومثَّل الدولة الدينية كلًّا من الشيخ محمد الغزالي، والمستشار مأمون الهضيبي، المرشد الأسبق لجماعة الإخوان، والدكتور محمد عمارة.

وكانت تلك المناظرة بمثابة المسمار الأول في نعش فرج فودة؛ فقد تم التحريض ضده، واتهامه في دينه، وأفكاره وعقيدته.

وعقب المناظرة أصدرت جبهة علماء الأزهر، بيانًا نشرته مجلة «النور» كفّرت فيه «فودة»، وأعلنت وجوب قتله.

لكن المدهش أنه بعد اغتيال فرج فودة، ألّف أحد علماء الأزهر كتابا سماه «مَن قتل فرج فودة»؟. وأجاب: (إن فرج فودة هو الذي قتل فرج فودة، وإن الدولة قد سهَّلت له عملية الانتحار، وشجَّعه عليها المشرفون على مجلة «أكتوبر»، وجريدة «الأحرار»، وساعده أيضًا مَن نفخ فيه).

وعلَّق عليه الكاتب المسرحي علي سالم، في حفل تأبين فرج فودة، الذي أقامته الجمعية المصرية لحقوق الإنسان في نقابة الصحفيين قائلًا: «إنها المرة الأولى التي يُظهر فيها المصريون الفرح لموت إنسان، وينشرون ذلك في كتاب».

2

وفي تلك الأثناء عرضت السينمات فيلم ناجي العلي، بطولة وإنتاج الفنان الكبير نور الشريف، وسيناريو وحوار بشير الديك، وإخراج عاطف الطيب.

أزمة «ناجي العلي»أزمة «ناجي العلي»

لكن بمجرد عرض الفيلم أعلنت مؤسسة «أخبار اليوم» الحرب عليه، وكتب إبراهيم سِعدة مقالًا بعنوان: «من أجل حفنة دولارات»، وهاجم فيه نور الشريف قائلًا: (رغم حبي وتقديري لـ نور الشريف، كفنان مهم، فإنني لن أتسامح معه في سقوطه بسبب هذا الفيلم الغريب والمرفوض. الذي أسهم «نور» في إنتاجه وقام ببطولته وتناول فيه قصة فنان كاريكاتير متواضع الموهبة فلسطيني الجنسية، جنّد ريشته لسنوات طويلة متصلة حتى آخر يوم في حياته من أجل التشهير بمصر.. لقد اتهمنا «ناجي العلي» بريشته وقلمه بأقذر الاتهامات أقلها الخيانة والعمالة للصهيونية العالمية والإمبريالية الأمريكية.

مقال عن أزمة «ناجي العلي»مقال عن أزمة «ناجي العلي»

ونتيجة الهجوم على الفيلم وصُناعه، صدر قرار بسحب الفيلم من دُور العرض بعد أسبوعين فقط.

واستمرت حملة الهجوم على نور الشريف، 6 أشهر متتالية، وحين قرر سعد الدين وهبة، مدير مهرجان القاهرة السينمائي، عرض فيلم «ناجي العلي» في حفل افتتاح المهرجان، صدر قرار من إبراهيم سِعدة، بمنع ذكر اسم سعد الدين وهبة، في صحيفة «الأخبار» وتم منع الفيلم من العرض على التليفزيون المصري لمدة 22 عامًا.

وردّ نور الشريف على الهجوم عليه قائلًا: (الصحف تحدثت عنّا كما لو كنّا مجموعة من الخونة صنعوا فيلمًا خصيصًا ضد مصر، حتى إنهم كتبوا وقالوا: نور الشريف يقوم ببطولة فيلم الرجل الذي «شتم» مصر في رسوماته، والحقيقة أن هذا الاتهام باطل، فـ«ناجي العلي» كان يعشق مصر لأبعد الحدود، وهذا ما توضحه رسوماته، ولكنه هاجم «السادات» عند زيارته للقدس، وهاجم اتفاقية كامب ديفيد).

تلك الأزمة جعلت نور الشريف يفكر في الهجرة، لكنه تراجع حين هدأت الحرب عليه.

وفجأة رن جرس هاتف نور، ووجد أن المتحدث هو صفوت الشريف، وزير الإعلام، الذي طلب منه أن يقوم ببطولة مسلسل جديد اسمه «الثعلب» من إنتاج التليفزيون المصري، فتردد نور الشريف في قبول العرض، فقال له «صفوت» حاسمًا: «هذا مسلسل مخابرات، وسوف تؤدي فيه شخصية ضابط مصري».

ووافق نور الشريف.

3

وفي يوم 12 أكتوبر، تمام الساعة الثالثة و9 دقائق عصرًا، وقع زلزال بلغت قوته 5.8 درجة على مقياس ريختر، وكان مركزه بالقرب من دهشور على بعد 35 كيلومترًا من القاهرة، وتسبب في وفاة أكثر من خمسة آلاف شخص، وإصابة أكثر من ستة آلاف، وتشريد نحو نصف مليون مواطن صاروا بلا مأوى.

أخبار زلزال 92 وتبعاتهأخبار زلزال 92 وتبعاته

وعاشت مصر أيامًا عصيبة مع ما فعله الزلزال وتوابعه، لكن في اللحظة الأولى كانت الصحف الحكومية تنقل البيانات الرسمية التي كانت بعيدة عن الواقع المؤلم والمرير.

واتَّشحت كل الصحف بالسواد، وكانت مانشيتات الصحف الحكومية متطابقة إلى حدٍّ كبير، ومنها جريدة «الأهرام» التي جاءت عناوينها كالتالي:

- زلزال مدمِّر يهزّ مصر 60 ثانية عصر أمس

- مبارك قطع زيارته للصين فور علمه بنبأ الزلزال ويعود إلى القاهرة اليوم

- مصرع 368 مواطنًا بجميع المحافظات وإصابة 3500 وتصدُّع 683 منزلًا

- الرئيس يأمر بسرعة صرف الإغاثات لأسر الضحايا والمصابين ويتابع الموقف أولًا بأول

- 2900 شقة لإيواء المتضررين وإعانات مالية للضحايا

أخبار زلزال 92 وتبعاتهأخبار زلزال 92 وتبعاته

كانت الصحف متشابهة إلى حدّ التطابق، فكلها كانت مصادر رسمية حتى تبينت الحقائق، وتكشَّفت الأرقام الحقيقية، وعلم الجميع بحجم الفاجعة.

4

لكن الطريف أنه حين ضرب الزلزال مصر كانت الفنانة برلنتي عبدالحميد، تسكن الطابق العلوي من العمارة نفسها التي كان يسكنها نجيب محفوظ.

أخبار زلزال 92 وتبعاتهالتناول الصحفي لزلزال 92 وتبعاته

وحين ذهب محفوظ، للقاء الحرافيش في جلستهم الأسبوعية وسألوه عن إحساسه لحظة الزلزال قال: «كنت أجلس في الصالة، شعرت بقوة الزلزال، وتطلعت إلى السقف منتظرًا سقوطه، وسقوط (برلنتي عبد الحميد) في حِجري»!

وفي خضمّ تلك الأحداث، احتفلت مجلة «الهلال» -برئاسة تحرير مصطفى نبيل- بمرور مئة عام على تأسيسها.

وأصدرت «الهلال» عددًا خاصًّا وتاريخيًّا وتذكاريًّا بعنوان: «الهلال.. مئة عام من الفكر والفن»، وقد نشرت شهادات تاريخية لعدد كبير من كبار الكتاب أمثال «العقاد، وطه حسين، وفكري أباظة، وأمينة السعيد، وتوفيق الحكيم، وأحمد بهاء الدين، وسهير القلماوي، وأمين الخولي، وفتحي رضوان، ورجاء النقاش، وكامل زهيري، وبنت الشاطئ، والدكتور بطرس غالي»، وغيرهم كثير.

5

وفي تلك الأثناء صدر حكم المحكمة في جريمة كبرى هزَّت الرأي العام.

وقد بدأت وقائع تلك الجريمة حين صعدت فتاة إلى إحدى الحافلات بميدان العتبة، وعلى سلم الباب احتكَّ بها شاب، وامتدت يده إلى مكان حساس من جسمها مما أدى إلى زوال عذريتها، فتعالت صرخاتها، وقبض الجمهور على شاب اتهمته الفتاة بارتكاب الجريمة.

تبعات قضية فتاة العتبةتبعات قضية فتاة العتبة

وانتقل الجميع إلى قسم شرطة الموسكي القريب من العتبة، وهرع الصحفيون إلى القسم وسجّلوا الأحداث كما وردت في محضر التحقيق، واهتزّ الرأي العام لبشاعة الجريمة.فتاة العتبةفتاة العتبة

واعترض كبار رجال الأمن على وقائع الجريمة كما نشرتها الصحف، واتهموا الصحافة بالمبالغة في سرد الحدث، وتصاعدت الأحداث ووصل الأمر إلى قصر الرئاسة، ففي أثناء اجتماع الرئيس مبارك، مع الصحفيين طلب منهم الالتزام بالدقة في النشر وعدم الانسياق خلف الشائعات في قضية «فتاة العتبة».

تبعات قضية فتاة العتبةتبعات قضية فتاة العتبة

وعلّق الكاتب الصحفي جمال بدوي، قائلًا: «إن الصحف لا تنشر شيئًا من عندها بل تلتزم بما ورد في تحقيقات الشرطة والنيابة دون زيادة أو نقصان، وما جاء في جريمة فتاة العتبة ليس من تأليف المحررين بل من تحقيقات الشرطة، وبالتالي فإذا كانت هناك مبالغة فمرجعها إلى الشرطة».

تبعات قضية فتاة العتبةتبعات قضية فتاة العتبة

وفي نهاية الاجتماع اتفق الحاضرون على عقد اجتماع آخر بحضور وزير الداخلية، والنائب العام، ووزير العدل، ووزير الإعلام، لبحث آلية للتأكد من عدم وجود مبالغات في محاضر الشرطة، ومنع ذكر أسماء الضباط في أخبار الحوادث.

وسرى القرار لفترة ثم عاد كل شيء إلى ما كان عليه، لكن المفاجأة التي لم يكن يتوقعها أحد هو حكم المحكمة في قضية "فتاة العتبة" الذي قضى ببراءة الشاب الذي اتهمته الفتاة؛ وذلك بعد أن تبين أنه مشلول الساق!