كنتُ اعتقد أن الرحلة النيجيرية من القاهرة إلى إبادان طويلة؛ فهناك ست ساعات للسفر جوا إلى لاجوس، تليها فترة انتظار بضع ساعات، قبل أن تنقلنا الحافلة برا إلى إبادان. يبدو أن الخميس كان يوم السوق، فقد تحول الطريق الذي تحفه خضرة الأشجار والسهول، إلى سوق عملاقة، يحاول دوما سائق الحافلة اجتيازها، مسافة تكاد تمتد من ضواحي مطار مورتالا محمد الدولي حتى وصولنا إلى حرم جامعة إبادان بعد أربع ساعات. زال اعتقادي حين التقيت بالحضور، وجدت منهم من لم يجد طائرة فجاء برا، كما فعلت الكاتبة فاطمة ديوارا (جمهورية النيجر)، وفيهم موفد اتحاد كتاب مصر؛ د. بسيم عبد العظيم، الذي مرت رحلته الأقصى بالدار البيضاء غربا، قبل أن تعود للاتجاه إلى لاجوس جنوبا، وهكذا ستكون رحلة عودته العكسية!
هنا، في إبادان، وعلى مدى ثلاثة أيام، سيستعيد كُتاب أكثر من 40 دولة ذكرى وأصداء مؤتمر جامعة ماكيريري، أوغندا، حين التقى الكتاب الأفارقة بالإنجليزية لأول مرة في يونيو 1962. مرت ستون سنة، ووجدها اتحاد الكتاب الأفارقة (ANA) فرصة للاحتفال، ومناسبة للمراجعة، ومساحة لعقد الجمعية العمومية للاتحاد، ومناقشة دستوره لأول مرة منذ تأسيس الاتحاد في غانا قبل 30 سنة.
الجمعية العمومية لاتحاد الكتاب الأفارقة
استطاع الأمين العام للاتحاد؛ الأديب النيجيري والي أوكيديران، أن يجمع جون روسيمبي (رواندا)، ود. كوميلو آناتي (توجو)،وإيميلا أويونو (غينيا الاستوائية)، ود. إيجارا كاباجي (كينيا)، وآدي ويدي وي وي كيكوليه (ليبيريا)، وتشيكوموتسو إندافرانكاندي (مالاوي)، وأنجولا إندجيمبو (ناميبيا)، وموسيس كاينو (سيراليون)، حسن عبدي مدار (أرض الصومال)، وإريك جويل بيكالي (الجابون)، و،ل ن. مودندا (زامبيا)، ومونيكا تشيرو (زيمبابوي)، وهيلدا ج. تاونجيريو (أوغندا)، وكاتبيرت زبيري (تنزانيا)، والفاتح حمدتو (السودان)، وديالو موسى (موريتانيا)، وسيفانوس بيدزراه (غانا)، وفاسيلي مارا (غينيا)، وجوزف باتويو (بوروندي)، وباسكال بيكولو (الكاميرون)، ود. لانسيلوت ناوا (جنوب ّأفريقيا)، ود. تشيرنو عمر باري (جامبيا)، ود. عدن حسن عدن (جيبوتي)، وماكيري إتّي (كوت ديفوار، فضلا عن أعلام المشاركين من نيجيريا، سواء ممثلي الأكاديمية الوطنية للآداب ( NAL) د. دورو أوني، ود. أيوبامي كيهندي، وإييزفباي نال، أو رئيس جمعية مؤلفي نيجيريا ( ANA) كاميلوس تشيما أوكاه، وأمينها . عمر يوجوتسي، فضلا عن ممثلي تشاد وبوتسوانا وبنين وبوركينا فاسو وإثيوبيا وموزمبيق. كما حضر المؤتمر أكاديميون مثل البروفيسور أكاتشي إيزيجبو، والدكتورة فيكي سيلفستر وغيرهم الكثير وخاصة من نيجيريا وغانا.
في عام 1962، كان المؤتمر هو الأول من نوعه للكتاب الأفارقة، نادى كُتابه بالحرية الثقافية وحضره عدد من المبدعين الذين يشكلون اليوم قائمة أفضل الكتاب في إفريقيا. مثل الحائز على جائزة نوبل في الأدب وول سوينكا، ونجوجو وتيونجو، وأوكوت بيتيك، وبيو زيريمو، وروبرت سيروماجا، وديفيد روباديري، وجوناثان كاريارا، وجون بيبر كلارك، وأوبي والي، وجابرييل أوكارا، وكريستوفر أوكيجبو، وبرنارد فونلون، وفرانسيس أديمولا، وكاميرون دودو، وتشينوا آتشيبي، وبلوك موديسان، ولويس نكوسي، ودينيس بروتوس، وآرثر ميمان، وراجات نيوجي، وجريس أوجوت، وريبيكا نجاو، ولانغستون هيوز، وغيرهم.
كتاب وكاتبات أفريقيا على مسرح وول سوينكا - جامعة إبادان
آنذاك، كان التحدي الرئيسي الذي نوقش في ماكيريري هو "الكاتب الأفريقي ومعضلة اللغة". بعد ستين عامًا، أصبح هم مؤتمر كتّاب إبادان هو: أجندة هموم كتاب إفريقيا من أجل السلام والأمن والتنمية الثقافية؛ إذ يأتي المؤتمر في أعقاب الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية في أجزاء كثيرة من إفريقيا.
في خطابه حث ضيف الشرف البروفيسور ييمي أوسينباجو، نائب رئيس نيجيريا، الكتاب على استخدام أقلامهم لنسج روايات من شأنها أن تساعد في بناء مهارات التفكير النقدي خاصة بين الشباب حتى لا تستغلهم الحرب و دعاة التمرد. وقرأ الخطاب السيد سيي أويلي، المدير العام - أجندة التنمية لنيجيريا. بينما دعا الشاعر الرواندي جون ، رئيس اتحاد الكتاب الأفارقة ( PAWA)، الكتاب لاستخدام كتاباتهم كأداة لتعزيز الثقافة الأفريقية، وبناء الجسور عبر الثقافات وصياغة قيم المساواة بين الجنسين.
جون روسيمبي وكاميلوس شيما أوكاه والدكتور والي أوكيديران وأشرف أبو اليزيد
تم انتخاب جون روسيمبي من رواندا رئيسًا لمجلس PAWA في الجمعية العمومية، وانتخب الدكتور والي أوكيديران أمينا عاما، بينما انتخب للنيابة عن مناطق أفريقيا كل من البروفيسورة كوميلو أناتي، والبروفيسور كاباجي إيجارا، والبروفيسورة أويونو إميلا، والسيدة مونيك تشيرو، والفاتح حمدتو. وتشكلت لجنة مراجعة دستور الاتحاد من: الدكتور تشيرنو عمر باري (جامبيا)، والكاتبة هيلدا تونجييروي (أوغندا)، والشاعر السفير إريك جويل بيكالي (الجابون) والمبدع كارلوس بارادونا (موزمبيق).
كانت كلمتي الافتتاحية للمؤتمر، والتي نشرتها (7E News) قد جاءت بعنوان "أمواج الأمان بمواجهة موجات الموت"، ورأيت فيها أنه في خضم هذا المحيط الشرس بموجاته القاتلة، التي تهدد جزرنا الآمنة، علينا التفكير جديا في خلق موجات أمان تحمي حاضرنا وتؤمّن مستقبلنا. فالكاتب والشاعر لا ينتهي دورهما بتسليم نصوصهما إلى الناشر، أو كلماتهما إلى منصة النشر، ولا يتوقف دورهما عند صدور الكتب والدواوين، وإنما تلك هي البداية؛ وإنما الدور الحقيقي هو أن تتفاعل تلك النصوص مع دائرة القرّاء. كما ناقشت عدة أفكار، يصبح فيها الكاتب منارة في مجتمعه المكتئب، وأن يكون فنارا في محيطه الكئيب؛ أي أن يتحول إلى شمعة تضيء موقع خطى الرفاق والأهل في الظلام، ومصباح ينير الطريق للآخرين في المجتمعات المحبطة.
أشرف أبو اليزيد بين إيفور آجيمان – دواه د. أوكيديران
أما السيد فيرمين إدوارد ماتوكو، مساعد المدير العام لليونسكو، فوجّه كلمة ترحيب عبر الإنترنت للحضور، وخصص د. أوكيديران كلمته لتقديم كتاب: مختارات من القصص القصيرة الأفريقية، حرره العلامة النيجيري إيفور آجيمان – دواه بعنوان (أصوات تغني وراء ستار – أنطولوجيا قصص قصيرة من أفريقيا والشتات)، وضمّن المختارات 56 نصا في 666 صفحة، تمثل 15 بلدا في أفريقيا وخارجها لكتاب من نيجيريا، وغانا، وساحل العاج، والكاميرون، وبوركينا فاسو، وأوغندا، وكينيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، وتنزانيا، وزيمبابوي، وجنوب أفريقيا، وبوتسوانا،ومالاوي، فضلا عن أصوات الشتات الأفريقي في سانت مارتن، والولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
ثم كانت ليلة مزجت بين الرقصات الشعبية، والقصائد المعاصرة، تناوب فيها أداء الفنانين والفنانات، مع إلقاء الشاعرات والشعراء، على مسرح وول سوينكا بجامعة إبادان
في قصيدته، تذكر الشاعر الرواندي جون روسيمبي، رئيس اتحاد الكتاب الأفارقة (PAWA)) ، القائد العسكري والسياسي الغاني جيري جون رولينجز الذي ترأس البلاد لفترة وجيزة في عام 1979، ثم من عام 1981 إلى عام 2001.: "نحن مدينون! لك جيري جون رولينجز، ككُتاب من أصل أفريقي، فمن عرفك أو سمع عما فعلت، ووقوفك بجانب من لا صوت لهم،كرئيس لغانا آنذاك والآن نموذج للروح الأفريقية، نشيد بروح الوحدة الأفريقية التي لا تموت، نحن مدينون بالفعل، لن أراك بعد الآن وسط الأشخاص الذين أحببتهم وحميتهم من الوحدة أو الاستغلال، وقد أعلنت الحرب على الفساد والجشع، وعشت حياة متواضعة تعطي درسا للأفارقة... الكتاب الأفارقة مدينون حصرا لك جيري جون رولينجز ، لاستضافتهم في أكرا، معقل إفريقيا الثورية، والنضال الدائم من أجل الاستقلال التام لأفريقيا، مثل الابن الحقيقي لكوامي نكروما، لقد دفعتنا إلى حماية أيديولوجية عموم إفريقيا، حماية لشريان حياة الهوية الأفريقية... نحن مدينون لك جيري جون رولينجز لرفع علم الكتاب الأفارقة، وفخورون حتى الآن كمبدعين للوحدة الأفريقية، جوهر نضال التحرر الأفريقي من أجل تقرير المصير، وقوة القلم في باوا (PAWA) هي حقيقة واقعة لجميع المنتسبين لها، وحلم لكل من يطمح إلى إحداث فرق في تغيير عقلية جيل جديد يطمح إلى شراكة متساوية مع بقية العالم؛ ... (في إشارة لتأسيس اتحاد الكتاب الأفارقة في غانا) نحن الكتاب المنحدرين من أصل أفريقي نعزم العزم الآن ودائمًا على الكتابة من أجل حرية التعبير والهوية، وإظهار التضامن مع كل من يموت أو يعاني، محاولين تحدي القمع والعنف ضد الأفارقة الذين يتحدثون أو يكتبون عن مشاعرهم بجدية، جزاهم الله كل خير على قدسيتهم وجرأتهم ... هذا يلهمم وإيانا على المضي قدمًا في التحدي في مواجهة التحرش والإهانة دوما، نحن نعقد العزم الآن وإلى الأبد على الكتابة ضد الأشكال الجديدة للإمبريالية الغربية، والتظاهر ضد الاحتيال الثقافي للزواج من نفس الجنس والانقراض المخطط للجنس البشري باسم حقوق الانسان وحرية الاختيار الخاطئة. نحن نثور ضد الأمراض المعدية التي تصنع في معامل الدول الغنية .... نركع أمام إله أفريقيا القدير ليعلننا أبرياء وأحرارا، دعونا نكتب عن الاختلالات التجارية، لماذا بحق الأرض يجب أن نستبدل القيمة بلا قيمة؟ ولم تم استبدال الماس والذهب برشاوى قروض للقادة الجشعين وغير الأمناء، من هم جميع الأقوياء في وطنهم أفريقيا؟ ... لقد ترك جيري جون رولينجز وراءه صراعًا شاقًا، فدعونا نكتب عن عدم التوازن التكنولوجي، حيث تخدم معادننا صناعاتهم، فيبنون قوتهم العسكرية وتحتل مياهنا وأراضينا. "
من المؤلفات المهداة للكتاب المشاركين
المناقشات في المؤتمر تماست حينا وتجاوزت أحيانا أسئلة المؤتمر الأول، ظل هاجس الكتابة باللغات الأم، أو لغات المحتل السابق سؤالا جوهريا، وفي ظل اعتماد اتحاد الكتاب الأفارقة اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية، والسواحيلية، لا يزال من يسعى لاعتماد لغات أخرى حتى لو نطقت بها دولة واحدة؛ مثل البرتغالية، ناهيك عن مئات اللغات المحلية التي حذر المتحدث باسم اليونسكو من انقراضها، لأنها لا تزال شفاهية غير مدونة، وغير معتمدة في التعليم والحياة والدوائر الرسمية.
وقد شملت الأنشطة الأخرى التي أقيمت معرض الكتاب، وبالإضافة إلى دور النشر النيجيرية مثّل الكتاب المشاركون أنفسهم نوافذ للناشرين، حيث تبادل المؤلفون كتبهم، وقد أهديمت نسخا من كتبي بلغات عدة، وجاءتني هدايا مماثلة، كما اقتنيت من المعرض النسخة المهمة من أنطولوجيا القصة القصيرة في أفريقيا.
أشرف أبو اليزيد يتبادل إهداء الكتب
قصائد الشاعر النيجيري آيوديجي شيتّو (بانتظار المطر) يناجي ماضي الشاعر ويواسي حاضره، حيث لم يعد أي مكان وطنا،حتى مسقط رأسه. أنطولوجيا أخرى للناشئة، قدمتها جمعية كاتبات زامبيا، ضمت 20 قصة في 272 صفحة، تمزج بين أعمال كتاب متمرسين وجيل جديد، برسوم لكل قصة. الشاعر السوداني الفاتح حمدتو أهداني كتابه الذي يُقرأ من عنوانه (تجربتي مع الموسيقى والألحان)، بما يجعله سيرة ذاتية نوعية. أما الكتاب المفاجأة، والوحيد بالفرنسية بين الإهداءات، فقد سجلت فيه مشود فاطمة ديوارا (النيجر) قصة نجاتها من مأساة (منى) خلال أدائها الحج عام 2015. وكتاب آخر حررته موندي سيفونيسو، أهدته لي صديقتها،ل ن. مودندا (زامبيا)، ضم مجموعة أخرى من القصص القصيرة بلغت عشرة: "ما أكثر المرات التي أصغينا فيها لمشكلات الجيران والأصدقاء . صعب حين تكون لدينا مشكلات، أن نجد من يصغي لنا". المحاضر في قسم اللغة الإنجليزية تشارلز آكينسيتي قدم لي ديوانه (رقصة مملكة متوحشة)، وقسمه إلى مملكة محلية، ومملكة أجنبية، ومملكة ذاتية، وتمثل معا ملحمة ذاتية ووطنية تتنازعها الأحلام والهواجس، وتتكيء على تواريخ وجغرافيات، وتخاطب الأجيال جميعا.
ثم رواية الكاتب النيجيري جاري آجايي (نكد في الصحن). التي تروي عن الحاجة إلى الأمن الجماعي والرفاهية وتعرض فشل الحكومات في واجباتها وانهيار القيم التقليدية مما يجعل الكثيرين، وخاصة الشباب، يلجأون إلى المساعدة الذاتية.
تعريف "المساعدة الذاتية" هنا هو السلوك المعادي للمجتمع والميول الإجرامية. وهذا يفسر جزئيًا الأسباب المنطقية وراء تصاعد أعمال مثل الخطف والسرقة وتجارة المخدرات والدعارة والتزوير وجرائم الإنترنت وحتى الإرهاب. وقد أثبتت الأبحاث والملاحظات التجريبية أن المجتمعات أو البلدان ذات الرعاية الاجتماعية الفعالة تسجل معدل جريمة منخفضًا وأن مستوى معيشة شعوبها مرتفع. لكن الرواية تمثل شهادة على كيفية تحطيم الأحلام وإحباط الرحلات المخطط لها جيدًا. يعكس العمل الخيالي الجهود التي يبذلها الأفراد لتحسين أوضاعهم وكيف يتم إحباط هذه الجهود من قبل قوى الشر والميول المفسدة. البطل في هذا الكتاب، جبولا، يريد أن يصبح طبيباً. ولكن تفشل جميع الجهود المبذولة. ينقل هذا الحلم إلى ابنه ديلي. لكن الاستيلاء غير المبرر على نتائج شهادة ديلي المدرسية أغلق بوابة الجامعة أمامه. لم يستطع التغلب بسهولة على العقبات في طريقه. مثل والده، أُجبر على نقل حلمه إلى ابنه دابو. شهد جيلا الوالدين - جبولا وديلي - تقلبات متنوعة في الحياة شائعة في العديد من البلدان المتخلفة. هذه الرواية الأولى لجاري أجايي، تشبه المرآة التي تعكس صورة المجتمع. إنه يوضح بوضوح أنه طالما استمر المجتمع على نفس المسار الذي تمس به اليوم العديد من دول العالم الثالث، وخاصة في إفريقيا، فسوف يستمرون لفترة طويلة في فقدان المسار الذي يمكن أن يقودهم إلى مجتمع إنساني يستحقه شعبهم. . ولفترة طويلة ستستمر الجنح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الازدياد.
لم يغب تشينوا آتشيبي عن المؤتمر، كان حاضرا بنفسه قبل 60 سنة، في ماكيريري، ثم حضرت مختاراته الشعرية والنثرية في إبادان، بعنوان (كان هناك إنسان)، بتحرير إزونا أوكافور. أما أطرف الكتب وأندرها وأكثرها تفردا فهي رحلة طوني مورينهو، التي أسماها الطريق اللاحق: رحلة سفر أفريقية.
يعتبر الطريق اللاحق، أو غير الممهد بجانب الطرق الرئيسية، مثلما نسميه محليا بطريق الخدمات، تقديرًا شعريًا لرحلة إفريقيا التاريخية، وانتصاراتها ومشاكلها التي حدثت أمام نقاطها الجغرافية المرتفعة التي لا حدود لها. إنه يمجد تمجيد شعوب إفريقيا، إنه ذلك الدرب الترابي الأحمر المنتشر في كل مكان أو الطريق الموحل المؤدي من وإلى كل منزل أفريقي تقريبًا، وهو استعارة للمجتمع والوحدة والمعاناة والبقاء. الطريق اللاحق هو الطريق السريع الذي يربط بين أفريقيا والأفارقة في اللعب والفقر والجوع والأمل.
يمضي المؤلف على الطريق اللاحق، عبر إفريقيا، من الأهرامات إلى كليمنجارو إلى جبل المائدة في جنوب أفريقيا إلى جزيرة جوريه في السنغال إلى جيبوتي. ينهل المؤلف الرحالة والشاعر من ليمبوبو، ويستحم في شلالات فيكتوريا ويبحر في نهر النيل. ويعبر طريقا خالدا وقديمًا وحديثًا، ويمتد من أسلاف توركانا بوي إلى الفصل العنصري إلى الربيع العربي اليوم. يمتد الطريق على ارتفاع 20000 كم ويتميز بحجارة طولها 100 كيلومتر تتضاعف كشواهد تحمل اسمًا أو حدثًا يكرم الأحياء والموتى الأفارقة، وخاصة الأفارقة غير المعروفين.
أما وقد حضرت الدراسات الأدبية، والإبداعات الشعرية والسردية، والرقصات والاستعراضات الموسيقية، فلم يبق إلا أن نلتقي بالفنون التشكيلية. ومن ثم كانت رحلتنا التالية.
على الرغم من ازدهار ثقافات العصور القديمة الفنية في نيجيريا، إلا أنها لم تظهر جليا إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين عندما أجريت التنقيبات عن القطع الأثرية المدفونة بمناطق مختلفة في جميع أنحاء البلاد، أحيانًا عن طريق الصدفة.
أثارت هذه الاكتشافات اهتمامًا متزايدًا، خاصة بين علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الآثار الأوروبيين، ونشأت مؤسسات مبكرة لدراسة الفن النيجيري. فتأسست مصلحة الآثار النيجيرية ( 1943)، وتأسيس المتحف النيجيري في لاجوس ( 1957)، وقطع الفن النيجيري شوطًا طويلاً ليحتل مكانة مرموقة في عالم الفنون. تُعزى هذه النتيجة إلى مساهمات أجيال من الفنانين النيجيريين وعشاق الفن الذين اعتبروا آباء الفن النيجيري الحديث. وقد استوحى هؤلاء الفنانون تقاليد فنية أصلية مختلفة، وجمعوا أشكال الفن التقليدية مع التأثيرات الحديثة الأخرى لخلق ثقافة فنية نيجيرية معاصرة متطورة تحظى بجاذبية دولية واسعة النطاق.
جامعة إبادان - نيجيريا
يعد التقليد المعروف باسم مدرسة أوسوجبو عاملا محوريًا في تطور الفن المعاصر في نيجيريا. كانت مدرسة أوسوجبو للفنون فرعًا من نادي مباري مبايو في إبادان، الذي تأسس عام 1961 من قبل مجموعة من الكتاب الشباب بمساعدة مدرس ألماني في جامعة إبادان، أولي بيير، وزوجته سوزان فينجر. كان هدف المدرسة توفير منصة للفنانين والكتاب والموسيقيين الأفارقة لتطوير مهاراتهم وعرضها على جمهور أوسع. بعد فترة وجيزة، تم نقل هذا المفهوم إلى أوسوجبو، حيث توسع النادي إلى ما وراء نطاق اختصاصه المقصود لاستيعاب "العاطلين عن العمل المتسربين من المدارس الابتدائية".
في عام 1962، عُقدت ورش عمل في أوسوجبو لتدريب الفنانين المحليين الذين تم تشجيعهم أيضًا، من خلال الرعاية المحلية، على البقاء ملتزمين بتقاليدهم الفنية الأصلية لمنع تدهور الثقافة الفنية الأصلية، لا سيما في مواجهة عوامل الجذب في سوق سياحية يمكن الوصول إليها . لم يؤد نجاح هذا المسعى، على المدى الطويل، إلى ظهور مشهد فني محلي مزدهر فحسب، بل قدم أيضًا للفن النيجيري المعاصر جاذبية دولية متسقة.
الفنان توندي أودانلادي بعدسة آيو آدامز
اليوم، نجح توندي أودانلادي Tunde Odunlade، وهو فنان من الجيل الثاني في المدرسة، مستمرًا في تقليد مدرسة أوسوجبو، في تعزيز المكانة المرموقة للفن النيجيري في التصنيف العالمي وبث حياة جديدة في صناعة مهملة ومكافحة من خلال عرض غير مألوف للإبداع، أظهر من خلال إنجازاته العديدة الإمكانيات اللامحدودة المتاحة للأجيال الشابة الطموحة. يستمد توندي ثقافة وتاريخ اليوروبا الثريين، جنبًا إلى جنب مع مقتطفات من التجارب النيجيرية الحديثة لإنشاء قطع ديناميكية. لقد أظهر أيضًا براعة في حرفته، حيث تميز كممثل ومعلم وموسيقي وفنان.
في حفل الختام جلسنا على منضدة واحدة، مع أسرته، ليحكي لي عن أعماله في فنون النسيج والجرافيك، وبشكل مميز نسيج فن الباتيك الخاص به، وعن تطويره لعملية فريدة لتطبيق الباتيك يسميها فلوتوجراف "flotograph"، والتي تجمع بين تقنيات طباعة النسيج المختلفة - الخط والرخام والباتيك - لإنشاء تجريدات عضوية.
جاليري توندي أودانلادي
مؤمنًا بتقديم "الفن الهادف"، أظهر الفنان التزامًا جديرًا بالثناء باستخدام الفن لسد الفجوة بين الثقافات والشعوب وزيادة الوعي بين الناس في المنزل وفي المجتمع الدولي حول محنة نيجيريا وإمكاناتها. في هذا الصدد، أسس منظمة غير ربحية، الحملة الدولية لفنون أفضل والوعي الثقافي (ICBACA)، وجاليري توندي أودانلادي Tunde Odunlade التعاوني للفنانين في إبادان. وشارك في تأسيس مركز توكي التذكاري للفنون في إبادان، والذي كان له دور أساسي في اكتشاف ورعاية الفنانين الذين واصلوا تحقيق شهرة دولية. كما قام بتنسيق العديد من ورش العمل والمعارض في الداخل والخارج، وإشراك الشباب والبالغين وزملائه الفنانين (الزملاء). تناول معرضه الفني لعام 2001، "معًا نعيد بناء أمة"، خطورة تداعيات الديون الخارجية لنيجيريا وساهم في حملة نجوزي أوكونجو إيويالا لتخفيف الديون التي أدت إلى إلغاء ديون نيجيريا.
كتاب وكاتبات أفريقيا في جاليري توندي أودانلادي
كدليل على براعة أودانلادي، ظهرت أعماله في العديد من المعارض الفنية المرموقة كما عُرضت في العديد من المؤسسات ذات السمعة الطيبة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المقر الرئيسي للبنك الدولي في واشنطن العاصمة؛ ومتحف فيكتوريا وألبرت لندن ؛ زمتحف الفنون الجميلة -سانت بيت، فلوريدا؛ ومتحف معهد ديترويت للفنون (DIA) ؛ متحف جامعة شمال إلينوي (NIU)؛ وبيت الولاية في لاجوس، نيجيريا. بل وشقت بعض أعماله أيضًا طريقها إلى المجموعات الشخصية للعديد من الأفراد في أوروبا وأمريكا الشمالية، وبالطبع في وطنه نيجيريا. وهو محاضر زائر وفنان مقيم في العديد من الجامعات في أمريكا، بما في ذلك جامعة ولاية أيوا، أميس، أيوا ؛ جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) ؛ وجامعة ولاية ميتشيجان. فضلا عن عضويته لشبكة الفنانين البصريين (VAN) بالولايات المتحدة، والمؤتمر الوطني للفنانين، فرع ولاية نيويورك. حصل على العديد من الجوائز والتقديرات، بما في ذلك جائزة مؤسسة آندرو.
ملصق احتفالية الفنان النيجيري الراحل أورلاندو جوليوس
حين وصلنا، كان المعرض يستعد لاستقبال حدث موسيقي يخلد اسم الفنان النيجيري الراحل أورلاندو جوليوس إكيمود، المعروف باسم أورلاندو جوليوس أو أورلاندو جوليوس إيكيمود، وكان عازف ساكسفون ومطربا وقائد فرقة وكاتب أغان. نادى فناننا الكبير توندي أودانلادي على الفنانة العازفة والمغنية إيلانا لتقدم فاصلا موسيقيا مما ستقدمه في الحفل، هدية لكتاب أفريقيا الذين يزورون المعرض، وقام توندي أودانلادي نفسه بالضرب على الطبلة، وأشار إلى استعداد المسرح بعرض لوحات عن الموسيقى والعازفين في خلفية المسرح.
الفنانة إيلانا تغني لضيوف المؤتمر مع إيقاع للفنان توندي أودانلادي
كانت تلك قطعة الموزاييك التي أكملت المشهد الإبداعي، ثم جاء العشاء الأخير، لتُقدم التكريمات إلى أبرز رعاة الأدب في أفريقيا، وسرني أن أكون بينهم.
نجيب محفوظ ومبدعو أفريقيا على ميدالية التكريم
كان التكريم يشمل شهادة ورقية تؤطرها أعلام الدول الأفريقية، وميدالية ذهبية نقشت عليها بشكل بارز صور الأعلام: نجيب محفوظ، الأديب المصري الحائز على جائزة نوبل للآداب (1988)، وجون إم. أتشيبي، الروائي والشاعر والناقد النيجيري والشخصية المهيمنة في الأدب الأفريقي الحديث، نادين جورديمر، الكاتبة والناشطة السياسية الجنوب أفريقية الحاصلة على جائزة نوبل في الأدب (1991)، وول سوينكا، الكاتب المسرحي والروائي النيجيري والشاعر الذي نال جائزة نوبل في الأدب ( 1986)، وسالم أحمد سالم، السياسي والدبلوماسي التنزاني الذي عمل في الساحة الدبلوماسية الدولية منذ أوائل الستينيات، والكاتب اليساري النيجيري فيستوس إياي، الذي اشتهر بأعماله الروائية الواقعية التي تصور الحياة السياسية، والشاعر مامادو تراوري ديوب النموذج الأمثل لانحراط الأديب في نضالات التحرر الإفريقيي وعمر سالم الشاعر والديبلوماسي العربي في شمال أفريقيا، ودانييل فرانسيس كويبي عنان، المتحدث باسم البرلمان الغاني.
الاحتفال بتكريم الأمين العام لاتحاد الكتاب الأفارقة
وقد مُنحت الشهادات والميداليات لرموز الأدب الأفريقي المعاصر من الشعراء والكتاب والنقاد والأكاديميين.
ميدالية اتحاد الكتاب الأفارقة لأبرز رعاة الأدب
ودعا د. والي أوكيديران، الأمين العام لاتحاد الكتاب الأفارقة، المبدع النيجيري عمر يوجوتسي أمين جمعية مؤلفي نيجيريا لتسليمي الشهادة الورقية، مثلما دعا الشاعر السوداني الفاتح حمدتو، نائب رئيس جمعية الكتاب الأفارقة لشمال إفريقيا،ليقلدني الميدالية الذهبية.