"كنت فيما أرجح أول موظف مصري استقال بمحض اختياره"
اصطدم بالملك فؤاد وتم اتهامه بالعيب في الذات الملكية
هاجم هتلر وسافر إلى السودان حتى انتهت الحرب
جمع خلافاته الأدبية في كتاب "معارك العقاد الأدبية"
أحب مي زيادة وكره المعجبين في صالونها الأدبي
هو العملاق كما وصفه صناع العمل الدرامي الذي جسد فيه الفنان محمود مرسي قصة حياته، إنه الكاتب والأديب الكبير عباس محمود العقاد الذي توافق ذكرى ميلاده اليوم الثامن والعشرين من يونيو من عام ١٨٨٩.
"العقاد" الذي أثرى الأدب والشعر والصحافة بكتاباته وأفكاره، ولد من أب مصري وأم لها أصول كردية، والمثير للدهشة والإعجاب في آن واحد أن عملاق الفكر العربي العقاد لم يدرس سوى المرحلة الابتدائية فقط، حيث لم تتوافر المدارس الحديثة في أسوان ولم يسمح له دخل الأسرة المحدود أن يكمل دراسته في القاهرة التي اعتاد الأعيان إرسال الأبناء إليها لاستكمال رحلة التعليم.
فقط اجتمعت الرغبة في التعلم واكتساب معرفة كل جديد مع الذكاء الشديد والموهبة الربانية التي جعلته الشخص الذي أصبح عليه، فلم يصدق أحد أن العقاد المثقف العبقري الفذ قد أشرف على تعليم نفسه وتوسيع مداركه بمفرده.
عباس العقاد
خالط الأجانب في بلدته فأتقن منهم اللغة الإنجليزية وتعلمها بطلاقة، إلى جانب القراءة التي كان مولعاً بها، ينهل منها للإطلاع على المزيد والمزيد سواء في العلوم العربية أو الغربية.
ورغم أنه التحق بمدرسة الفنون والصنايع بالقاهرة عام ١٩٠٦ ولكن سرعان ما تركها، وقد انتقل العقاد بين عدة وظائف لم يكن يجد نفسه في أي منها، فما بين مصنع للحرير بمدينة دمياط ومصلحة السكة الحديدية وديوان الأوقاف والتلغراف وأعمال كتابية أخرى.
وربما لم تكن كل هذه الوظائف سوى تمهيد لدخوله عالم الصحافة، فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور التي كانت السبب في تعرفه على سعد زغلول الذي آمن بقضيته ومبادئه.
عباس العقاد وسعد زغلول
توقفت الصحيفة عن الصدور بعد فترة، فقرر العقاد البحث عن عمل بديل يكون هو مصدر دخله، فكان يعطي بعض الدروس.
رحلة القاهرة التي لم يأت إليها من أجل التعليم وتأجلت ربما كانت من أجل موعد آخر من ترتيب القدر، تلك المدينة التي شهدت اشتغاله بالصحافة ولقائه بالمفكر والشاعر الدكتور محمد حسين محمد خريج كلية أصول الدين من جامعة القاهرة والذي تتلمذ على يديه.
وقد أسس العقاد بمعاونة إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري "مدرسة الديوان"، تلك المدرسة التي كانت من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي القديم.
ويبدو أن "العقاد" لا ينسى أبدا ما مر عليه من أحداث في حياته حيث قرر توثيق رحلته مع الوظائف الحكومية حيث كتب عن تلك التجربة قائلا: "من السوابق التي أغتبط بها أنني كنت فيما أرجح أول موظف مصري استقال من وظيفة حكومية بمحض اختياره، يوم كانت الاستقالة من الوظيفة والانتحار في طبقة واحدة من الغرابة وخطل الرأي عند الأكثرين، وليس في الوظيفة الحكومية لذاتها معابة على أحد، بل هي واجب يؤديه من يستطيع، ولكنها إذا كانت باب المستقبل الوحيد أمام الشاب المتعلم فهذه هي المعابة على المجتمع بأسره".
عباس العقاد
وقد كان انخراط "العقاد" في عالم الصحافة واحداً من أسباب اهتمامه بقضايا الحرية والاستقلال، فالدفاع عن الوطن بات مهمة قومية يُلزم نفسه بها، مما دفعه للاصطدام بالقصر الملكي، وقد زادت شهرته بسبب مواقفه لدرجة تم انتخابه عضواً بمجلس النواب، ولكن بعد فترة تعرض للسجن لمدة تسعة أشهر عام ١٩٣٠ بتهمة العيب في الذات الملكية.
ولم يكن الاتهام بين عشية وضحاها ولكن بدأت الأزمة حين أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، الأمر الذي أثار غضب العقاد الذي صرح قائلاً أن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه.
لم تتوقف حنجرة العقاد عند حدود الملك بل طالت أدولف هتلر، حيث اتخذ موقفاً صارماً من النازية خلال الحرب العالمية الثانية لدرجة جعلته ضمن المطلوبين للعقاب على ألسنة أصحاب الأبواق المدافعين عن النازية، وحين اقترب جنود روميل من مصر تخوف العقاد من عقاب هتلر فهرب إلى السودان عام ١٩٤٣، وعاد إلى البلاد بعد خسارة دول المحور وانتهاء الحرب.
يستحق العقاد الرجل الموسوعة عن جدارة، فقد كان يقرأ ويكتب في كل المجالات، فلم يكتف بالشعر والنقد بل اهتم بالفلسفة والأدب وعلم النفس والاجتماع، كما تطرق إلى الدين، ويكفي عبقريات العقاد وكتاباته عن الإسلام والإيمان مثل كتاب الله وكتاب حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، كما كتب عن المرأة، وقد تم ترجمة بعض هذه الكتب إلى عدة لغات.
عباس العقاد
كما كان العقاد عضواً في مجمع اللغة العربية، وأصدر كتاباً يدافع عن اللغة العربية منها كتاب اللغة الشاعرة.
"معارك العقاد الأدبية" لم يكن مجرد اسم كتاب من كتب العقاد، بقدر ما كان توثيقاً وتجميعاً للمعارك الأدبية التي خاضها العقاد منها معاركه مع طه حسين حول فلسفة أبي العلاء المعري، ومع الشاعر جميل صدقي الزهاوي في قضية الشاعر بين الملكة الفلسفية العلمية والملكة الشعرية، ومع محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس في قضية وحدة القصيدة العضوية ووحدتها الموضوعية وغيرها من المعارك التي خاضها من أجل الأدب.
يمكن وصفها هي الأخرى بالمعركة ولكنها معركة من نوع آخر تمس القلب وأحياناً تؤلمه، مع الحبيبة الأديبة الشهيرة مي زيادة التي كان لها صالون أدبي كبير في القاهرة يشارك فيه عدد من الأدباء والمفكرين من بينهم العقاد.
كان يحب مي زيادة لدرجة العشق، في وقت لم يكن يرى فيه كل من حوله الرجل المحب المتيم فقد كان جاداً صارماً جباراً كما وصفه ذات مرة سعد زغلول، ولمن أشيع أن مي لم تكن تحبه من نفس المنطلق بل كانت تحب الأديب والمفكر الذي يسكن داخله.
وقد تبادلا الرسائل التي يتم الكشف عنها بين الحين والآخر لتكتب رواية جديدة في حب العقاد ومشاعر مي التي كانت تظهر تارة وتهدأ وتتوارى تارة أخرى.
عانى في صمت من الغيرة التي كانت تقتله بسبب كثرة عشاق مي ومحبيها من المترددين على صالونها الأدبي، فقد كان يبدو على معظمهم إن لم يكن جميعهم الإعجاب بها، الأمر الذي جعله ينصرف بعيداً انتصاراً للكبرياء الذي كان يميزه ويُعرَف به بينهم.
عباس العقاد ومي زيادة
أحب بعدها "سارة" أو "أليس داغر" ربما أملاً وطمعاً في النسيان، ولكنه اكتشف خيانتها فابتعد عنها، وأحب أيضاً سمراء النيل الفنانة مديحة يسري وكان قد تعدى الخمسين من عمره آنذاك في وقت أن كانت هي في العشرين، وبذلك انتهت كل قصص الحب في حياة العقاد بالألم والفراق ولم يتزوج أبداً.
وقد رحل العقاد عن عالمنا بعد رحلة ثرية بالعطاء قدم خلالها مؤلفات يتجاوز عددها المائة بالإضافة إلى المقالات والأشعار، وكان يوم نهاية العملاق العبقري ١٢ مارس من عام ١٩٦٤.