على جانبي نيل مصر الخالد، اصطفت أعواد من الخشب الممزوجة بالحديد، مستقرة إلى جوار بعضها البعض في صورة بنيان مرصوص، مكونين لوحة فنية، سطرت جزء لا يستهان به من تاريخ مصر الحديث، إنها «المدينة العائمة» كما أطلق عليها الأجانب، التي كونت كيانات مستقلة، عرفت باسم العوامات، كُل منها يضم بين طياته حكايات وأسرار لا يعرفها إلا من سكنوا بداخلها.
في مطلع القرن الماضي وبالتحديد عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى -أوائل العشرينيات- كانت هناك ندرة في مواد البناء، فما كان من المصرين إلا أن سلكوا مسلكًا آخر مختلف عن البناء التقليدي للمنازل، باستخدام الخشب فكانت العوامات المستقرة على ضفاف نهر النيل، واتخذوا من الأماكن الراقية بمصر، مستقرًا لها.
وانتشرت العوامات في منطقة الزمالك، والعجوزة، وغيرها من المناطق الراقية؛ ليتحول الأمر من مجرد مكان للسكن إلى سحر يسيطر على جميع من يمر بجانبه ليبلغ عددها قرابة الـ500 عوامة، ممتدة من كوبري الجلاء حتى 15 مايو -الزمالك سابقًا-، في مطلع الستينيات من القرن العشرين، وتقلص عددها اليوم إلى ما دون الـ30 عوامة مستقرة بالقرب من الكيت كات والمناطق الشعبية.
«66.. 75.. 77.. 56».. أرقام قد لا تحمل دلالة منطقية عندما تقع أمام عينيك، لكن ما إن التصقت بكلمة «عوامة» أصبحت تحمل العديد من المعاني، أسرار، حكايات، ذكريات، لأصحابها من المشاهير، أو الأشخاص العاديين الذي أخذهم سحر نهر النيل إلى غير رجعة، فبدأت حياتهم داخلها وانتهت فيها.
عوامة علاء الناظر
في عشرينيات القرن الماضي، اشترى جد الطبيب المصري علاء الناظر، العوامة رقم 56، وأنجب نجله فيها، حتى وصل ورث العوامة إليه، ليتزوج فيها هو الآخر وينجب أبنائه بداخلها، ليعيش فيها أكثر من 50 عاما من عمره.
عوامة الناظر
يقول الناظر: «دي مش مجرد مكان للسكن، كل شبر فيها في ذكريات كبيرة لينا، أبويا اتولد هنا، وأنا اتولدت هنا، وولادي أتولدوا هنا».
عوامة علاء الناظر تتوسط مجموعة من العوامات
الحكايات التي سمعها الطبيب من والده عن جده، والذكريات التي كوَّنها داخلها أصبحت تشكل تاريخا كبيرا، بطلها الأول العوامة التاريخية التي صمدت أمام عوامل الزمن وتمكنت من البقاء لمدة تقترب من المائة عام، بداية من العشرينيات حتى اليوم.
مدخل عوامة علاء الناظر
«كان فيه مراكب بتبيع لنا الخضروات والطيور، بتمر على جميع العوامات وتبيع لهم فكانت فعلا مدينة عائمة كما أطلق عليها الأجانب».. يسرد الناظر لـ«سفن إي نيوز»، ذكريات الطفولة داخل هذه العوامة، ففي مطلع الستينيات من القرن الماضي، كان الناظر لا يزال حديث السن، لكنه تمكن من اللحاق بالعصر الذهبي للعوامات وشاهد عن قرب على سحر المدينة المصطفة على ضفاف النيل، الذي تملكه منذ ذلك الحين حتى اليوم.
عوامة الناظر من الداخل
لم يكن ظهور العوامة في ثلاثية نجيب محفوظ وفيلمه «ثرثرة فوق النيل»، وليد الصدفة، وإنما هو نتاج تأثر حقيقي للكاتب بالحياة والسكن داخل العوامات، التي قضى فيها قرابة الـ25 عاما من عمره، حيث كان يسكن في الطابق الثاني من عوامة حسين باشا دياب، وتزوج وأنجب ابنتيه في هذه العوامة.
ببساطته الشديدة، وحس الكاتب الكبير لديه، أدرك نجيب محفوظ، ماهية العوامات، إنها بوابة الهروب من زحمة المدينة إلى الهدوء الممزوج برائحة النيل وشكل الأمواج الناتج عن حركة المراكب الصغيرة فيها؛ يتجرد الإنسان على أعتابها من كل شيء، ولا يأخذ معه إلا نفسه الراغبة في المتعة بشتى طرقها.
وهو ما بدى واضحًا في فلميه، فالأول كان يهرب البطل فيها إلى «زنوبة» حيث السعادة التي لا تنتهي بصحبة السيدة التي تعرف جيدًا كيف تدخل السعادة إلى قلبه، والأخير استطاع محفوظ فيه أن يبعد أبطاله من صخب المدينة إلى ثرثرة ممزوجة بدخان مخدر «الحشيش»، داخل عوامة أحمد رمزي وعماد حمدي، أصحابها وأبطال روايته.
عوامة نجيب محفوظ احترقت من فترة قريبة، ولكن أفلامه شاهدة على علاقته الشديدة بها، فلم يمنعه عن الابتعاد عنها، إلا عندما نما إلى علمه غرق طفل صغير في عوامة قريبة، فخشى على طفلتيه من المصير ذاته، ومن ثم اضطر إلى مغادرتها والعيش داخل شقة سكنية حتى وفاته.
يقول أشرف مؤنس، مدير مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس في مصر، وأستاذ التاريخ الحديث، إن العوامات كانت تشكل حدثًا جديدًا وفريدًا في حقبة العشرينيات، من القرن الماضي، وهي من أهم معالم القاهرة السياحية في ذلك الوقت، وتنوعت بين عوامات ثابتة وأخرى متحركة، خصص عدد منها للسكن، وعدد أخر للسياحة، أما العوامات التي كانت مخصصة للسكن، تملكها البكوات والبشاوات، وفناني مصر ومثقفيها، بل إن الأسرة المالكة ذاتها كان لها عوامات خاصة بها، وأشهرها العوامة التي امتكلها الملكة نازلي، التي عرفت باسم «عوامة مصر».
أشرف مؤنث
وأضاف مدير مركز بحوث الشرق الأوسط، لـ«سفن إي نيوز» أنه بمرور الوقت، ومع نقل العوامات من المناطق الراقية إلى الأخرى الشعبية، تقلص عددها كما أنها تحولت من مكان يسكنه علية القوم، إلى ملك للمواطنين من الطبقة المتوسطة.
وأكد مؤنس، أن هذه العوامات كان لها دور سياسي كبير، فبعد قيام ثورة يوليو، كان هناك عدد من الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة، يذهبوا إلى العوامات حيث يسكن أصدقائهم من الفنانين، بل إن هناك الكثير من القرارات المهمة والمصيرية في تاريخ الدولة كانت تتم داخلها، ومن أبرز الشخصيات التي كانت دائمة التردد على العوامات هو زكريا محيي الدين، رئيس وزراء مصر.
وأوضح أستاذ التاريخ الحديث، أن مصر برعت في إنشاء العوامات النيلية والبحرية أيضًا، أو التي تعرف باسم اليخوت البحرية، ومن أشهرها «يخت المحروسة» الذي أمر ببنائه الخيدوي إسماعيل، عام 1863، وسافر على متنه عام 1869 لدعوة ملوك العالم لحضور حفل افتتاح قناة السويس، وهذا اليخت الذي تم استخدامه أيضًا لنقل الملك فاروق إلى منفاه في إيطاليا عقب ثورة يوليو.
ويرجع تاريخ العوامات واليخوت إلى بداية القرن الـ13 الميلادي، وانتشرت في المدن التي لها موانئ على البحر مثل إنجلترا وهولندا وألمانيا، وتمثلت أهميتها في القدرة على التنقل من ميناء إلى ميناء، وكذلك استخدامها في السكن أيضًا، والآن تستخدم في جنوب شرق آسيا كأسواق عائمة، تم بناؤها أولًا من الخشب ثم بعد ذلك من المعدن، باستخدام التقنيات الحديثة، بحسب ما ورد على لسان أشرف مؤنس، أستاذ التاريخ الحديث.
«مبقاش ليها الرونق بتاع زمان»، ويشير مؤنس، إلى أن ندرة العوامات وقلة أعداها، وابتعاد الطبقة الراقية عن السكن فيها، خاصة بعد انتقالها إلى مناطق شعبية، حال دون الاهتمام بها وصيانتها بشكل مستمر، وهذا يفسر السر وراء عدم قبول الدولة من تراخيص بإنشاء عوامات جديدة، حيث إن آخر اهتمام بها كان في عقاب قانون التنظيم النهري أواخر خمسينات القرن الماضي.
داخل عوامة 75، ولدت قصة الحب التي جمعت الفنان الكبير نجيب الريحاني، والراقصة بديعة مصابني، التي جاء بها من لبنان، ونشأت بينهما قصة حب قبل أن يأخذها سحر الفن، لتترك العوامة ويتركها الريحاني، ويتزوج من أخرى، ويقضي جميع سنوات عمره داخلها، قبل أن يتمكن منه المرض، ويخرج من عوامته رقم 75، إلى المستشفى الذي توفي فيه عام 1949.
عوامة الريحاني سكنها الكثير بعده، من يعرف قيمتها ومن لا يعرف، لتكون في كثير من الأحيان مرتعا للفاسدين، وتشهد على ليال صخب وسُكر، بعدما كانت شاهدة على ليال أهل الفن من الزمن الجميل، وسكنها أيضًا الراغبين في الحصول على الهدوء، الهاربين من زحمة العاصمة وصخبها.
على بعد رقمين فقط من عوامة نجيب الريحاني، ولدت الحاجة إخلاص، وتربت داخلها، لم يجبرها على الخروج منها إلا الزواج، لتعود إليها عقب رحيل زوجها، فلم تتمكن من العيش بعيد عن النيل الذي ولدت بين أحضانه، وتقوم في بيتها بتربية عدد كبير من الحيوانات الأليفة، التي تؤنس وحدتها فوق سطح النيل الجاري.
عوامة مدام إخلاص
تقول ندى زين الدين، وهي دائمة التردد على عوامة إخلاص، منذ 7 سنوات حتى اليوم، لـ«سفن إي نيوز»، إن سحر العوامة أخذها منذ المرة الأولى التي قامت بزيارتها فيها، وتعلقت بكل ما فيها، «النيل، الحيوانات الأليفة، والحاجة إخلاص»، التي حصلت على عوامتها التراثية منذ وقت بعيد، وهي سيدة رحيمة بالحيوانات الألفية وتمتلك عددا كبيرا من القطط والكلاب الذين يتجاوز عددهم الـ30 كلبًا وقطة.
عوامة مدام إخلاص وفيها القط ندى
هنا داخل العوامة رقم 66، لصاحبتها المغنية، منيرة المهدية، عقدت العديد من الجلسات لكبار رجال الدولة، يأخذون قرارتهم الحاسمة على أنغام الموسيقى التي يزينها صوت منيرة المهدية، القادم من قريب وهي تغني «أسمر ملك روحي.. يا عينك يا جبايرك.. والنبي ياما تعذريني».
منيرة المهدية أمام عوامتها
شهدت عوامة منيرة المهدية على تاريخ مصر قبل ثورة يوليو وبعدها، بعد أن اشترتها بمبلغ 6 آلاف جنيه، وحاولت الملكة نازلي شرائها منها بأي ثمن لكنها رفضت.
منيرة المهدية تتسلم جائزة عبد الناصر في العوامة
قامت الثورة، وانفض الجمع من حول منيرة، ولكنها لم تترك عوامتها التي زارتها فيها السيدة أم كلثوم، وأرسل جمال عبد الناصر إليها وفدًا لتكريمها، واستقبلت التكريم في الطريق الواصل بين المرسى والعوامة، حتى لفظت أنفاسها الأخيرة داخل العوامة فوق سطح النيل الساحر في مارس 1965.