ذكرى رحيل أبوالعينين شعيشع.. محطات في حياة أول مقرئ مصري يتلو القرآن بالأقصى

في مثل هذا اليوم، 23 يونيو عام 2011، رحل كروان الإذاعة المصرية في تلاوة القرآن الكريم، ليترك خلفه تلاوات وابتهالات شكلت مدرسة خاصة لعشاق الاستماع وجميع المقرئيين في كل دول العالم الإسلامي، ملك الصبا الشيخ الراحل محمد أبوالعينين شعيشع، الذي يحيي العالم الإسلامي اليوم، ذكرى رحيله الـ11.

الشيخ أبوالعينين شعيشعأبوالعينين شعيشع

ذكر الكاتب أبوطالب محمود في كتابه «القرآن بصوت مصر»، عن الشيخ شعيشع، الذي دون فيه سير أعلام «المشايخ» وتأثير نشأتهم على فن تلاوة القرآن، أن وفاة والده كانت سببًا في اختلاف طريقة تلاوته للقرآن الكريم، ففي التاسعة من عمره توفي والده، «فانكسر قلبه وخشع صوته، وكان لذلك أعظم الأثر في بث الوتر الحزين الذي يبين في قراءته وهو ما جعل المهتمين لاحقًا يلقبونه بـ(ملك الصبا)، نسبة إلى مقام الصبا الحزين وهو من مقامات النغم».

الشيخ أبوالعينين شعيشعأبوالعينين شعيشع

كان شعيشع قارئ القرآن الأول بالإذاعة المدرسية، فكان يستقبل الزائرين كذلك بتلاوات القرآن الكريم، وكان مدير مدرسته المسيحي «منير جرجس» من نصح والدته ومعه مجموعة من الأعيان بأن تهبه لقراءة القرآن وتسلمه للكتاب، وعلى الرغم من أن ذلك كان يتعارض مع حلم والده المتوفى بأن يكون ظابطًا، إلا أنه غير مسار حياته بعد وفاته من التعليم فقط إلى العمل وحفظ القرآن الكريم جنبًا إلى جنب، وكان يطمح بأن يكون قارئًا مشهورًا في مدينته بيلا بمحافظة كفرالشيخ، وبالفعل كان مشهورًا فيها قبل أن يتجاوز الحادية عشر من عمره.

الإذاعة المصرية والفلسطينية

تمكن الراحل من الالتحاق بالإذاعة عام 1939، في أثناء إحياء ذكرى وفاة الشيخ الخضري، مع كبار علماء الأزهر الشريف، وسمعه هناك الشيخ عبد الله عفيفي، الذي كان إمام الملك، فأعجب به وقرر تقديمه للإذاعة المصرية وبالفعل تعاقدت الإذاعة معه وكان يعد أصغر قارئ للقرآن حينها حيث كان عمره 17 عامًا.

الشيخ أبوالعينين شعيشعالشيخ أبوالعينين شعيشع

ولفت الإذاعة البريطانية التي سعت إلى التعاقد معه في إذاعة الشرق الأدنى وفلسطين ومقرها يافا لمدة 3 أشهر عام 1940، وأمضى هناك عاما كاملا، وكان ينتقل إلى القدس كل جمعة لتلاوة قرآن الجمعة بالمسجد الأقصى ليصبح أول قارئ مصري يقرأ في المسجد الأقصى.

ومنذ التحاقه بالإذاعة المصرية، توطدت علاقته بالشيخ محمد رفعت، إذ تبناه فنيًا، وأصبحت تجمعهما صداقة كبيرة وذكر أبوالعينين شعيشع أكثر من مرة، أن محمد رفعت شيخه وأستاذه ومن أكثر من تأثر بهم، إذ قام شعيشع بإكمال الأجزاء التالفة في تسجيلات الإذاعة للشيخ محمد رفعت بصوته.

أبوالعينين شعيشع ومحمد رفعتأبوالعينين شعيشع ومحمد رفعت

وتحدث الشيخ أبوالعينين عن بدايته مع الأضواء، قائلا: «بدأت رحلتي مع القرآن في سن مبكرة، حيث تركت المدرسة وانتقلت إلى الكتاب لأتعلم القراءة وأحكامها واحفظ القرآن، ولم يمض عامان حتى تحقق لي ما أريد، وانتقلت إلى إحياء الليالي والمآتم، وخرجت من نطاق قريتي في الزعفران إلى المحافظات المجاورة».

وأضاف: «كان للشيخ محمود خليل الحصري قارئ الملك، دور كبير في تحديد مصيري، حيث قدمني أمام الملك في الإذاعة برئاسة سعيد باشا لطفي، الذي أعجب بصوتي، وطلب من فرجسون، مدير الإذاعة التعاقد معي مقابل 12 جنيها، بشرط الانتقال إلى القاهرة، فسكنت في حدائق القبة في شقة 6 حجرات بجنيه ونصف الجنيه، وعن طريق الإذاعة أصبحت من المشاهير في الإذاعات العربية».

محمود خليل الحصريمحمود خليل الحصري

عادات خاصة

كان للراحل عادات خاصة به ارتبطت باسمه ففي رمضان، كان يقيم أبوالعينين شعيشع في الإذاعة المصرية، قبل عصر التسجيلات، حتى يؤذن لصلاتي الظهر والعصر والمغرب، ثم يتناول قليلا من التمر حتى يحين موعد العشاء فيؤذن للصلاة، ثم يعود لمنزله ليفطر، كان هو الوحيد الذي يقرأ القرآن وهو يرتدي البدلة والطربوش، وفي إحدى المرات ذهب إلى تركيا لإحياء ليالي رمضان وقابله القنصل العام المصري ليخبره بأن الطربوش ممنوع في تركيا، حتى على أئمة المساجد إلا في وقت الصلاة، فلف شالًا أبيضًا كان في جيبه حول الطربوش، وعندما عاد إلى مصر، طلب منه عبدالعزيز كامل، وزير الأوقاف، ألا يخلع العمامة بعد ذلك.

وظائف وتكريمات

عين قارئا لمسجد عمر مكرم بميدان التحرير عام 1969 ثم قارئا بمسجد السيدة زينب منذ عام 1992، وناضل في السبعينات لتكوين نقابة للقراء من كبار قراء القرآن، وانتخب نقيبا للقراء عام 1988 خلفا للشيخ عبدالباسط عبدالصمد، وظل نقيبا حتى وفاته، عن عمر 88 عاما، شغل مناصب عدة، منها عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وعميد المعهد الدولي لتحفيظ القرآن الكريم وعضو للجنة اختيار القراء بالإذاعة والتليفزيون وعضو للجنة عمارة المساجد بالقاهرة، اختير نقيبًا للقراء، وظل يعمل كمستشار لوزير الأوقاف لشئون القرآن الكريم حتى وفاته. 

وخلال رحلته مع التلاوة حصل على العديد من التكريمات حيث نال الكثير من الأوسمة، منها: وسام الرافدين من العراق ووسام الأرز من لبنان، ووسام الاستحقاق من سوريا وفلسطين.

وفاته ومئوية مولده

وافته المنية يوم الخميس، 23 يونيو من عام 2011، بعد صراع طويل مع المرض، عن عُمر يُناهز 89 عاماً، ودُفن بالمقابر المُجاورة لكلية البنات جامعة الأزهر، في منطقة مصر الجديدة، بمحافظة القاهرة، وصلى عليه أهالي مدينة بيلا، صلاة الغائب في جميع مساجد المدينة، باليوم التالي، لوفاته وكان يوم الجمعة المُوافق 24 يونيو.

يذكر أن مئوية الشيخ أبوالعينين شعيشع، تحل فى 12 أغسطس المُقبل، حيث من المُقرر أن تحتفل الأُسرة بمرور 100 عام على ميلاد آخر جيل عمالقة قارئي القرآن الكريم، الذى وُلد في 12 أغسطس من عام 1922.