إذا كنت تعتقد أنك تتمتع بالحرية والخصوصية فإنك واهم لأن العالم كله يعلم كل شيء عنك ويتابع حركاتك وحتى نقرات الماوس في جهاز الكمبيوتر
ويكشف المحامي البريطاني جيم سوسكند خفايا العالم الرقمي وانتهاك الخصوصية في كتابه: "The Digital Republic: On Freedom and Democracy in The 21st Century" أو "الجمهورية الرقمية: حول الحرية والديمقراطية في القرن 21" الذي يصدر في 23 يونيو الجاري.
الجمهورة الرقمية
ويتحدث الكتاب عن العواقب المروعة من إساءة استخدام التكنولوجيا سواء في السيارات التي تتبع كل حركاتك، أو الأدوات التي يمكن أن تحدد حالتك المزاجية من طريقة مشيك، وأجهزة الكمبيوتر التي تلتقط صوراً للشاشة لتظهر لرئيسك ما إذا كنت تعمل حقا من المنزل.
ويؤكد المؤلف أن العالم الرقمي أشبه ببازار أو سوق شاسع، ولكنه بدلاً من أن يبيع أواني وثياب وحرير وتوابل، يبيع منتجاً واحداً فقط هو البيانات التي تخصك وجيرانك وعائلتك.
الغريب أن تجار السوق الرقمي لا يخفون ما يبيعونه، بل يتباهون بمعرفة أعمق وأدق الأسرار لمئات الملايين من الأشخاص، يعرفون ماذا يأكلون على الإفطار، وأين ينامون، وماذا يفعلون في العمل، ومايؤمنون أو يهتمون به، ونوع التليفزيون الذي يشاهدونه، وأعمارهم ، وتفضيلاتهم، درجة انعدام الأمن والخوف لديهم.
مقر شركة جوجل
وكشف سسكيند أن بعض تجار " البازار الرقمي" يبيعون حتى مجموعات قذرة من البيانات الخام مثل قائمة ضحايا الاغتصاب، وضحايا العنف المنزلي،ويضع تسعيرة تقترب من 79 دولاراً لكل ألف اسم.
الأكثر من ذلك أن سوق البيانات العظيم غير خاضع لإشراف كامل، ومن الصعب محاسبة أصحابه حتى في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويعترف المحامي المرموق أننا نعيش ببساطة في عالم الشركات الرقمية العملاقة مثل أمازون، آبل، تيكتوك، وفيسبوك.
ولسنوات، كان سسكيند يحقق في عالم عمالقة التكنولوجيا، ويسجل بدقة تآكل الحريات الشخصية والنقاش السياس، والآن وفي بيان صاخب للغاية لمن يهمه الأمر، يدعو الحكومات للقتال ضد "مستبدي المعلومات".
ويرى المؤلف أن التكنولوجيا الرقمية تشكل تهديداً مميتاً للديمقراطية نفسها أو الجمهورية الفاضلة التي ورثها العالم عن الإغريق والرومان، محذراً من أن شركات مثل فيسبوك، جوجل، تجردنا من حريتنا وقوتنا، وتفعل ذلك بمنتهى المهارة لدرجة أننا بالكاد نلاحظ ذلك.
الجمهورة الرقمية
ولا يدرك معظمنا أننا عندما نكتب رمزنا البريدي أو تاريخ ميلادنا، نقوم بتسليم بياناتنا الشخصية، وحتى لو أدركنا ذلك، نتجاهل الأمر لأننا لانعرف مدى خطورته.
وينبه المؤلف إلى أن "الشرائح الفريدة في هواتفنا الذكية وأجهزة الدفع ترسل إشارات عن وجودنا أينما ذهبنا".
الأكثر من ذلك أنه حتى سياراتنا تراقبنا، فقبل أربع سنوات، تفاخر جيم هاكيت، الرئيس التنفيذي لشركة فورد آنذاك، بأنه يستطيع جمع بيانات عن 100 مليون شخص من خلال سياراتهم.
وقال هاكيت: "نحن نعلم ما يفعله الناس، ونعرف مكان عملهم جتى ما إذا كانوا متزوجين، وكم من الوقت عاشوا في منزلهم".
وبعبارة أخرى، إن سيارتك ليست مجرد سيارة بل إنها وسيلة للتجسس عليك وبيع معلوماتك.
وفي الوقت نفسه، تسجل هواتفنا بصمات أصابعنا وأصواتنا وحتى سمات وجوهنا.
ويشير ساسكيند إلى أن الأجهزة الأخرى يمكنها التعرف علينا من مشيتنا، و يمكن لخوارزمياتهم "معرفة ما إذا كنا نشعر بالملل أو تشتت انتباهنا برصد الحركات الصغيرة لوجوهنا.
الجمهورة الرقمية
كما يمكنها معرفة ما إذا كنا نشعر بالحزن من الطريقة التي نسير بها، بل وتوقع حالتنا العقلية من محتوى منشوراتنا على وسائل التواصل الاجتماعي".
ومع تشجيع الوباء على العمل من المنزل، يستخدم العديد من أصحاب العمل الآن حزم برامج مثل Hubstaff ، التي لا تتتبع فقط المواقع التي تزورها؛ بل وتسجل حركات الماوس وضربات المفاتيح. بل وتأخذ لقطات شاشة لسطح مكتبك ، حتى يعرف رئيسك بالضبط ما تنظر إليه.
ويضرب سسكيند مثالاً آخر "عندما طلبت الشرطة في الولايات المتحدة معلومات عن نشطاء Black Lives Matter ، لم يكونوا بحاجة إلى التجسس عليهم بالكاميرات في القضبان. اشتروا ما يحتاجون إليه في سوق البيانات من سماسرة فيسبوك.
لكن التطفل، كما يسميه سسكيند، هو مجرد عرض من أعراض قضية أعمق. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو قدرة عمالقة التكنولوجيا على التأثير والسيطرة علينا ، بطرق لا نلاحظها غالباً.
وفي تايلاند على سبيل المثال، يزيل فيسبوك أي شيء ينتقد العائلة المالكة، تماما كما يفرض الرقابة على محتوى "التجديف" في دول آسيوية أخرى.
كما يفرض تيكتوك الرقابة بانتظام على أي نقاش حول استقلال التبت أو المذبحة الدموية في ميدان تيانانمين عام 1989 أو المعاملة المروعة لملايين الأويغور في معسكرات الاعتقال في شينجيانغ.
والأمر ببساطة كما يقول المؤلف إنه كلما كان الاختيار بين المال والأخلاق ، فإن شركات مثل آبل وفيسبوك وجوجل تختار دائماً النقود من دون تردد!.
النصب عبر الإنترنت - تعبيرية
ويطالب المؤلف بتنظيم شركات التكنولوجيا وإخضاعها للقانون، وإجبارها على حظر جمع البيانات وإنهاء إساءة الاستخدام في غضون 12 ساعة.