مع صعود العدالة والتنمية الحاكم بتركيا في مستهل الألفية الثالثة "2002"، قالت السيدة أمينة هانم حرم زعيم الحزب ورئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان: "لقد جئنا كي ُنغير 90 سنة مضت، هي عمر الجمهورية العلمانية، الذي أعُلن عن ميلادها في العام 1923 على أنقاض الإمبراطورية العثمانية المنقضية والتي من أجلها راح ولا زال حزب العدالة والتنمية الحاكم يبذل الغالي والنفيس لإحيائها من جديد".
ولأنها (الجمهورية) أدارت ظهرها بالمطلق لتلك الحقبة التي لم يأسف عليها أبدا الكماليين نسبة إلى المؤسس مصطفى كمال أتاتورك، بيد أنهم دشنوا أنقرة المدينة البازغة عاصمة لها بدلا من إسطنبول السلطانية، هنا آل أردوغان على نفسه إعادة عقارب الساعة للوراء وقد نجح جزيئا دون أن يبلغ ما كان يأمل في تحقيقه رغم محاولات الطمس لإرث الكمالي، من أجل إصباغ مجد زائف على الإمبراطورية الغابرة.
وانطلاقا من "الزهو القومي الطوراني" الذي أحياه العثمانيون الجدد يتقدمهم أردوغان، وبعد عقد من الزمان سيلحق به حليفه دولت بهتشلي زعيم الحركة القومية، فقد بدى الأمر منطقيا في أن يثور التساؤل الذي وصف بـ"الجسور" كيف يمكن لورثة الأجداد العظام بدءا من محمد الفاتح مرورا بسليمان القانوني ومراد الرابع وأخيرا السلطان عبد الحميد الثاني، قبول أن يصبح اسم بلادهم الذي هو "تركيا" (تركي حسب تلفظه بالإنجليزية) مرادف لطائر (الديك) يذبح ليلة عيد الميلاد ويتصدر موائد الفرنجة في الغرب الأوروبي والأمريكي كل عام بليلة الكريسماس! مع ملاحظة أن العرب والأتراك ينطقونه بطريقة واحدة.
وكان لهذا الأمر أن يميط اللثام على أوجاع وحكايات اعتبرت هنا في الأناضول مخجلة وها هي الأذهان تستيعد الذكريات المؤسفة للــ"الكروسان" الفرنسي والذي صيغ على شكل دائرة غير مكتملة في إشارة إلى الحصار العثماني لـ"فيينا" والذي جرى التهامه لاحقا ثم يصبح مكونا غذائيا لا غنى عنه في وجبات الإفطار بالقارة العجوز، بل سيمتد ليغزو العالم بأسره ما جعل الأترك يستنفرون ويبحثون كيف يمكن الرد، فجائتهم الفكرة ألا وهي إكمال الدائرة وإحكامها ثم أعطوها اسم "السميط" الذي يتم تناوله في أي وقت على مدار اليوم!
وبتلك الطريقة هل ثأر الترك الطورانيون لكرامتهم المهدرة؟ في جزء منها تحقق لهم ما أرادوه.. لكن على ما يبدو بقت معضلة تؤرق مضاجعهم وهي التي تجسدت في إصرار معشر الغربيين بالمضي قدما في تأويل اسم تركيا على طريقتهم الخاصة.. وهذا كان الشغل الشاغل لأردوغان.. فما أن استتب على رأس السلطة حتى راح يجهر علانية بمثله العثمانية وبعدائه للقيم الغربية، وبعد أن شيد لنفسه قصرا فاخرا يضاهي قصور السلف علي جزء جري استقطاعه من أراضي الأرومان المسماة بحدائق أتاتورك، وبالتوازي مع شروعة في بناء مسجد ضخم هائل بميدان تقسيم "الجمهوري العلماني" بحيت لا يكون الأخير أسير مزارات أرمينية وكاثوليكية ويهويدية، بدأ مخططه الدبلوماسي لتصويب عوار التاريخ وتصحيح الوضع.. وذلك بأن تصبح تركيا (Tyrkiye) بدلا من الديك الرومي ألا وهو "Turkey" .
وفي وقت سابق من هذا الشهر، أرسلت أنقرة خطابًا إلى الأمم المتحدة، سجلت فيه رسميًا اسم البلاد باسم "تركيا" - كما هو مكتوب وينطق باللغة التركية.
المثير في الأمر هو تعليقات الصحافة العالمية التي لفتت الانتباه إلى حقيقة أن تغيير اسم "تركيا"، والذي يعني أيضًا "تركي " باللغة الإنجليزية، أنقذ المواطنون الأتراك من النكات حول الكريسماس وعيد الشكر ، حيث يرتفع استهلاك "الديك الرومي" ونشرت صحيفة الفايننشال تايمز Financial Times البريطانية أيضًا مقالًا هللت له الميديا الموالية لأردوغان بيد أنها وصفته بالــ"الرائع" وذلك حينما أشارت كاتبته لورا بيتل التي هي مراسلة الصحيفة في إسطنبول إلى أن تغيير الاسم جزء من جهود الرئيس رجب طيب أردوغان الطويلة الأمد لتعزيز صورة بلاده الدولية.
وفي حديثها للصحيفة، نوهت عائشة زارا جول، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة كامبريدج، لحقيقة مؤداها هي أن بلدها يحمل نفس اسم طائر يغذي التحيزات ضد تركيا في أوروبا والولايات المتحدة، وقالت إن الكثير من الناس في تركيا سيرحبون بالاسم الجديد.