في الحقيقة مع كل قراءة لعمل من أعمال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، يحتار الباحث في تصنيف سموه، فهل سموه مؤرخ للأحداث؟ أم باحث في التاريخ؟ أم محقق؟ لأنه من الصعب أن يجمع أحدهم الوظائف الثلاثة في كتابة التاريخ إلا نادراً، وسموه ممن استطاعوا الجمع بينها بحرفية كبيرة وبراعة كبيرة.
من المعروف أن مدرس وأستاذ التاريخ غير المؤرخ، حيث لم يكن أساتذتنا الكبار في أقسام التاريخ مؤرخون، على الرغم من كونهم شيوخاً وأساتذة كبار، درسوا التاريخ ومناهجه، وكتبوا فيه المؤلفات الشارحة والمبينة والموضحة. كذلك كاتب الرواية التاريخية لا يصنف كمؤرخ، ولا يُقدم تاريخاً، لأنه يمتزج في الرواية التاريخية خيال الروائي مع المادة التاريخية، فيشكلان مزيجاً يكون محلاً للنقد من زواياه الأدبية والروائية والفنية، ولذلك لا يُدرج في عداد المؤرخين، مثل محمد سعيد العريان أو جورجي زيدان أو العقاد وغيرهم ممن كتبوا الروايات التاريخية.
بينما يطلق لقب المؤرخ على الطبري وابن الأثير وابن كثير والنويري والمقريزي وابن تغري بردي والسخاوي والسيوطي وابن إياس والجبرتي والرافعي، وكل من جرى مجراهم في رصد وقائع التاريخ والتأريخ لها، بل ويجري التمييز في وصفهم إذا تعددت مجالاتهم كما هو حاصل مثلاً بالنسبة للطبري وابن كثير اللذين عملا أيضاً في تفسير القرآن وألفا فيه، وغيرهما ممن عملوا بالفقه أو الأدب فتعددت صفاتهم تبعاً لذلك، إلى جوار وصف المؤرخ الذي وصفوا به، وهو الأمر الذي ينطبق أيضاً على صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.
وتعد أعمال سموه المتنوعة في مجال التاريخ سجلاً تاريخياً يحتاج إلى جهود كبيرة من الدراسة والبحث من أجل استخلاص الحكم والعبرة منها، ففي التاريخ العام كتب سموه عن "محاكم التفتيش" وهو كتاب تناول ثلاثة وعشرين ملفاً لقضايا ضد المسلمين في الأندلس، يتناول محاكم سرية، تمارس الإعدام والحرق، وأموراً كثيرة في حق المسلمين.
كذلك يتناول كتاب سموه "فيليب العربي" حياة الإمبراطور الروماني "ماركوس يوليوس فيليبس" وأثره على الحياة السياسية في الإمبراطورية الرومانية.
كذلك أصدر سموه كتاب "نظم الفرائد من سيرة ابن ماجد"، الذي يصحح فيه جانباً مهماً من تاريخ البحار العربي أحمد بن ماجد، وأزال الكثير من الشوائب التي ألحقها به المستشرقون الأجانب.
ويأتي كتاب "حكم قراقوش، مباحث في حكم التاريخ" على نفس المنوال، حيث يكشف فيه سموه القناع عن كثير من الزيف الذي أحاط تاريخ قراقوش المفترى عليه.
وجاء كتاب سموه "إني أدين" ليعرض مجموعة من الوثائق الإسبانية التي تعود إلى منتصف القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، حيث تظهر حقيقة الجرائم التي ارتكبت بحق المسلمين في الأندلس.
ويبحر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بنا في التاريخ القديم في كتابه "زنوبيا ملكة تدمر"، حيث يبحث فيه سموه عن تاريخ تدمر، وهي مدينة عملت كوسيط للتجارة بين الصين والبحر الأبيض المتوسط، لنقل التوابل والحرير، فيما عرف بطريق الحرير.
ويستمر "سلطان الثقافة" في محاولاته لكشف الحقيقة التاريخية بالبحث والتقصي في كتابه "الحقد الدفين" الذي سرد فيه سموه قصة ألفونسو البوكيركي الذي حمل أحقاد الحملات الصليبية على أكتافه بعد مشاركته فيها، واتجه إلى الشرق ليهدم الكعبة وينبش قبر الرسول عليه الصلاة والسلام. ويعتبر سموه في هذه الأعمال دارساً للتاريخ ومحللاً له بحسه الأكاديمي الذي سار فيه على منهج علمي سليم وصارم.
وفي كتاباته عن الخليج العربي جمع سموه بين مهمة الباحث في التاريخ والمؤرخ، فبعين الباحث يكتب على سبيل المثال وليس الحصر عن "صراع القوى والتجارة في الخليج (1620 – 1820)"، "اقتصاد إمارات الساحل العربي في القرن التاسع عشر"، "القواسم والعدوان البريطاني (1797 – 1820)"، "مراسلات سلاطين زنجبار"، "وصف قلعة مسقط وقلاع أخرى على ساحل خليج عمان"، "محطة الشارقة الجوية بين الشرق والغرب"، "التذكرة بالأرحام"، "بيان الكويت: سيرة حياة الشيخ مبارك الصباح"، "الخليج في الخرائط التاريخية بين عامي (1478-1861)"، وجزء آخر "بين عامي (1493-1931)"، "رسالة زعماء الصومال إلى الشيخ سلطان بن صقر القاسمي عام 1837"، "جون مالكوم والقاعدة التجارية البريطانية في الخليج عام 1800"، "العلاقات العمانية الفرنسية (1715 – 1905)"، "الوثائق العربية العمانية في مراكز الأرشيف الفرنسية"، "الاحتلال البريطاني لعدن"، "تقسيم الإمبراطورية العمانية (1856 – 1862)"، وأخيراً كتابه المترجم إلى أكثر من لغة أجنبية "أسطورة القرصنة العربية في الخليج".
وبعين المؤرخ الذي عاصر العديد من الأحداث التي مرت على إمارة الشارقة، يتناول كتاب سموه "سيرة مدينة" المنشور في جزئين تاريخ الشارقة، والتطورات السياسية والاقتصادية التي شكلتها، منذ أن وحد الشيخ سلطان بن صقر بن راشد، زعيم القواسم مدينة الشارقة ورأس الخيمة تحت حكمه.
وفي الجزء الثاني رصد سموه ما عاناه حكام الشارقة من معاملة سيئة تعرضوا لها من البريطانيين حتى عام 1951، وهي فترة عاشها سموه بنفسه نظراً لمولده في يوليو عام 1939.
وسموه في هذا الكتاب بجزئيه جمع بين مهمة الباحث في التاريخ والمؤرخ الذي عاصر العديد من أحداث مدينته.
وفي كتاب "تأسيس وتنظيم قوة شرطة الشارقة"، يؤرخ سموه لحدث عاصره بنفسه وشارك فيه وهو تأسيس وتنظيم قوة شرطة إمارة الشارقة، والأحكام المتعلقة بها، وهو سفر ضخم من ستة أجزاء، يتناول فيه سموه المرسوم المتعلق بتنظيم الشرطة، التجنيد، مهام وصلاحيات أعضاء سلك الشرطة، الانضباط، العقوبات، والجرائم المتعلقة بأعضاء في سلك الشرطة.
وفي كتابه "نشأة الحركة الكشفية في الشارقة" يؤرخ سموه لبدايات تكوين كشافة الشارقة ونشاطها منذ بداية الخمسينيات، وقد كان سموه أحد أعضائها، حيث شارك في أنشطتها ومهرجاناتها، وهو هنا يعد شاهد عيان يؤرخ لفترة عاشها في مؤسسة لها كبير الأثر على الشباب في الإمارة.
ولم يهمل "سلطان الثقافة" تدوين ذكرياته ومذكراته في أكثر من عمل يمثل في مجمله ذاكرة إمارة الشارقة، حيث يقدم فيها سموه تأريخاً بكل ما في الكلمة من معنى، وهي على النحو التالي: "حديث الذاكرة (ثلاثة أجزاء)"، "حصاد السنين"، "سرد الذات".
كذلك عمل سموه على تحقيق بعض المخطوطات المهمة مثل "بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد" وهي المخطوطة التي عثر عليها سموه عن يوميات الرحلة الأولى لفاسكو داغاما إلى الهند، وهي نسخة محفوظة في المكتبة العامة في مدينة أوبورتو البرتغالية ومنها انطلق التحقيق في (براءة ابن ماجد) مما لصق به من تهم بشأن إرشاد البرتغاليين إلى الهند.
كذلك "رحلة بالغة الأهمية" ويتضمن واحدة من أبرز المخطوطات التاريخية، وهي المخطوطة الكاملة لكتاب دَوُارَتى بَارَبوزا 1565م، والتي تسلط الضوء على تاريخ واحدة من بواكير المعلومات الغربية عن الإمارات.
وهكذا، نجد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، مؤرخًا، باحثاً، محققاً، راوياً للتاريخ، وسارداً للذكريات، وهي مهام جسام قلما وجدت في شخص واحد يعمل في مجال الدراسات التاريخية، فالعمل في هذا الحقل المهم شاق للغاية يتطلب من صاحبه أن يكون ملماً بجانب واحد أو جانبين على الأكثر، لكن سموه تمتع قلمه ببراعة الكتابة في كافة الجوانب.