الأماكن كلها مشتاقة لإطلالة فنان العرب، والقلوب كلها مشتاقة لصوته الحنون وأغنياته الجميلة.
في مثل هذا اليوم الموافق ١٢ يونيو من عام ١٩٤٩، ولد الفنان السعودي فنان العرب محمد عبده الذي يتم اليوم عامه الثالث والسبعين.
من مواليد محافظة الدرب في منطقة جازان جنوب السعودية، مات والده وهو طفل في السادسة من عمره، فعاش هو وأخيه في رباط خيري بمنحة من الملك فيصل بن عبد العزيز.
التحق بالمعهد الصناعي في تخصص صناعة السفن أملاً في تحقيق حلمه القديم أن يصبح بحاراً كوالده، ولكن فاق حب الغناء والموسيقى بداخله حب البحر.
بدأ رحلته الفنية في عام ١٩٦١ أثناء دراسته بالمعهد بجدة، حيث كان ضمن أفراد بعثة سعودية متجهة إلى إيطاليا لصناعة السفن، ولكن تحولت الرحلة من روما إلى بيروت.
في بيروت كان برفقة الغزاوي وطاهر زمخشري، اللذان سبق وتعاون معهما فكان الغزاوي من مكتشفي صوت محمد عبده حين غنى في الإذاعة في برنامج بابا عباس عام ١٩٦٠ وبارك هذا التعاون والاكتشاف الشاعر طاهر زمخشري.
وتعرف في بيروت على الملحن السوري محمد محسن الذي أخذ من الزمخشري كلمات أغنية "خاصمت عيني من سنين" ليغنيها عبده كأغنية خاصة به بعد أن غنى الكثير من أغاني من سبقوه.
كانت هذه الأغنية هي انطلاقة فنان العرب الذي عاد للسعودية وقد اختار طريق الغناء.
تعرف على العديد من الشعراء ومنهم إبراهيم خفاجي الذي كان له تأثيراً كبيراً على حياة محمد عبده الفنية، وكذلك الموسيقار طارق عبد الحكيم الذي قدم له لحناً من كلمات الشاعر المعروف (ناصر بن جريد) بعنوان سكة التايهين التي قدمها محمد عبده عام ١٩٦٦.
ورغم الألحان الرائعة التي حظى بها "عبده" فقد أراد خوض تجربة التلحين لنفسه، وكانت أغنية "خلاص ضاعت أمانينا" التي قدمها على العود والإيقاع دون أي توزيع موسيقي، وقد جاء نجاح هذا اللحن تشجيعاً له على إعادة التجربة كثيراً.
كما قام بتلحين أغنية الرمش الطويل كلمات الشاعر الغريب، تلك الاسطوانة التي وزعت قرابة ثلاثين ألف نسخة عام ١٩٦٧، فتأتي تأكيداً لنجاح عبده وانتشاره في جميع أرجاء السعودية بل ودول الخليج المجاورة.
وتوالت النجاحات، فبعد "الرمش الطويل" جاءت أغنية "لنا الله" من كلمات الشاعر إبراهيم خفاجي في نفس العام.
الجدير بالذكر أنه قبل بدء الإرسال التليفزيوني عام ١٩٦٥، كان مسرح التليفزيون هو مكان تقديم كل ما هو جديد بعد مسرح الإذاعة، لذلك تعاون عبده مع الأمير عبد الله الفيصل وكان النتاج رائعة "هلا يابو شعر ثاير" من ألحان محمد عبده.
ومع بداية السبعينيات بدأت مرحلة جديدة ليس فقط في حياة محمد عبده بل وفي تاريخ الأغنية السعودية نفسها، لدرجة أن الكثير يربط بين اسم محمد عبده وبين تطوير الفن السعودي
وخلال هذه المرحلة بدأت شهرة محمد عبده وفنه في تخطي حدود السعودية حتى وصلت إلى الإمارات، قطر، لبنان، الكويت ومصر، وأصبح عبده سفيراً للأغنية السعودية، وبات للأغنية الخليجية مستمعيها ومحبيها في كل الدول العربية.
وخلال هذه المرحلة كان لقب محمد عبده هو مطرب الجزيرة العربية.
"أبعاد"
وجاءت رائعة "أبعاد" من كلمات الشاعر فائق عبد الجليل وألحان الملحن يوسف المهنا لتمنح عبده انتصارا فنياً جديداً وانتشاراً أكبر بعد سعي أكثر من فنان في دول مختلفة ترجمة معاني الأغنية لترجمتها وتقديمها، حيث قام مطرب إيراني بغناء الأغنية بصوته بنفس اللحن وبعد ترجمة الكلمات، كما فعل مطرب هندي الأمر نفسه، بخلاف فرق غربية في اليونان وتركيا وعدد من دول أوروبا قاموا بغناء أغنية أبعاد.
ويقال أن هذه الأغنية كانت الأغنية الأشهر والأقرب لكافة الجاليات غير العربية المقيمة في دول الخليج، وأنهم كانوا من أهم أسباب زيادة شهرة الأغنية في بلادهم بعد العودة بنفس كلماتها العربية رغم عدم فهمهم إياها.
وقرر عبده خوض تجربة غناء الأغنية الطويلة مع الأمير بدر بن عبد المحسن في أغنية في أمان الله التي قدمها على مسارح القاهرة في صيف عام ١٩٧٤، ثم قدمها على مسرح التليفزيون بالرياض وحققت الأغنية نجاحاً كبيراً.
لتستمر سلسلة النجاحات بمجموعة من الأغنيات التي تنافست فيما بينها على قلوب وآذان المستمعين مثل أغاني خطأ وسهر وقلب تلوعه وأنت محبوبي ومالي ومال الناس التي انتشرت بصورة لافتة وحققت نجاحاً ساحقاً.
وإلى حفل غنائي بتونس في الثمانينات غنى فيه محمد عبده، ويعد من أشهر وأهم حفلاته حيث أطلق عليه الرئيس التونسي الحبيب بو رقيبة حينها لقب فنان العرب، وقدم عبده خلال الحفل مجموعة من أجمل أغنياته، ليستكمل من بعدها طريق نجاحه وتميزه وتأكيد تفرده بمكانة كبيرة في قلوب العرب جميعاً على حد سواء.
تعاون بعدها مع الملحن الدكتور عبد الرب إدريس الذي قدَّم لمحمد عبده أغنيات رائعة مثل "محتاج لها"، "جيتك حبيبي"، ثم جاءت أغنيات "أبعتذر" و"كلك نظر"، حيث تأثر الملحن الكبير عبد الرب إدريس بمحمد عبده وأعجبه أسلوبه.
بعد ذلك، طرح عبده ألبوم يحمل اسم "وهم، العقد، إنت معاي"، وقام بغناء العديد من أغاني الألبوم في حفل ناجح بمدينة جنيف السويسرية في صيف ١٩٨٨، وقد تم طبع الحفل عبر شريطين فيديو، وحققت نجاحاً وانتشاراً كبيراً أكدت عليها أرقام التوزيع القياسية لأشرطة الفيديو بعد أرقام التوزيع لأشرطة الكاسيت.
خلال الفترة من ١٩٨٩ حتى عام ١٩٩٧ توقف محمد عبده عن الظهور في حفلات غنائية لدرجة دفعت البعض للحديث عن اعتزاله للفن، ولكن كان هناك عدد من الأسباب التي دفعته لذلك أهمها وفاة والدته، بالإضافة إلى رغبة كامنة بداخله في مراجعة ما قدمه وما ينتظر تقديمه فيما بعد.
وجاءت "أنشودة المطر" في ذلك الوقت معبرة عن طاقة لحنية دفينة عبر عنها من خلال كلمات الشاعر بدر شاكر السياب، كما قدم أغنية البرواز، وكذلك قام بتسجيل عدة جلسات نزلت فيما بعد على شكل ألبومات تحمل اسم شعبيات.
وقدم عبده عدداً من الألبومات الوطنية التي كان يشارك بها في مهرجان الجنادرية بشكل سنوي، كما لحن وقتها عدداً من أوبريتات الجنادرية منها أرض الرسالات والبطولات وعرايس المملكة وفارس التوحيد وأنشودة العروبة، ومن أغنياته الوطنية الله أحد، رسالة، يالسعودي يالبطل، أجل نحن الحجاز ونحن نجد، حدثينا، عوافي ، وغيرها الكثير، كما يعد عبده أول فنان سعودي يطرح ألبوماً وطنياً، وقد كان بعنوان فوق هام السحب.
استمر تألق عبده في التلحين تماماً كالغناء، فقام بالتلحين لعدد كبير من أكبر المطربين والمطربات في الوطن العربي مثل أحلام وأصالة نصري ونوال الكويتية وماجد المهندس وعبد الله الرويشد.
و"سفن إي نيوز" تحتفل اليوم بميلاد فنان كل العرب وواحد من أهم أساطير الغناء التي نفخر بوجوده بيننا، هذا الرجل الذي استطاع أن يكتب لنفسه سيرة يتوارثها ويحكي عنها كل الأجيال، ليس فقط عن جمال وروعة أغنياته وألحانه ولكن بأنه كان يوماً من أسباب تطور الأغنية الخليجية وانتشارها على نطاق واسع لا يشمل فقط الوطن العربي بل جميع أنحاء العالم.