خاص مخدر الشابو.. رابط مشترك بين الجرائم المروعة في مصر

قصص حقيقية

فى عام 2015 كان حسام أحمد "اسم مستعار" يعمل صحفيا فى إحدى المؤسسات الصحفية بداخل مصر، ومراسلا لإحدى الجرائد العربية المهمة، تمتع خلال فترة عمله الصحفى بالالتزام وحسن الخُلق، ليس بين زملائه فحسب، وإنما بين جيرانه وأقاربه بشوارع حى المطرية بمصر، التى ذاع صيته فيها.

فموضوعاته الصحفية التى كتبها كانت شاهدا على طموح الشاب وتطلعاته فى مقتبل حياته، شهد له الكثيرون من أبناء مهنته بأنه ينتظره مستقبل باهر ومزدهر فى عالم صاحبة الجلالة، عاش حياة هانئة مملوءة بالسعادة مع زوجته ونجله الصغير الذى لم يتجاوز الثلاث سنوات من عمره وقتها، وحظي بمكانة اجتماعية مرموقة يشار إليها، إلا أنه سرعان ما تحول كل ذلك إلى كابوس، تحول معها الصحفي من باحثا عن الأخبار والحقيقة إلى باحثا عن جرعة مخدر تخرجه من مرارة واقعة.

مع بداية تعاطية جرعة من مخدر " الشابو" الذى أعطاها إليه أحد أصدقائه في الحى الشعبى لكي يجربها، تحول مشروع "الجورنالجى" المهندم الشكل الذي حظي بحب واحترام كل من يعرفه إلى مدًمن، فصل من عمله لعدم اكتراثه به، وفشلت كل محاولات أسرته - طيلة السنوات الماضية- إدخاله إحدى المراكز النفسية لعلاجه من الإدمان.

مخدر الشابومخدر الشابو

"سفن إى نيوز" التقت عددا من المتعاطين للمواد المخدرة بحي المطرية في العاصمة المصرية القاهرة، فحكي لنا شابا عن تجارب البودر المنتشر بتلك المنطقة، حيث يتجمع كل ثلاث أو أربع أشخاص ليشتركوا فى سيجارة البودر ليتقاسموا أنفاسها سويا.

يحكى لنا أيمن. ك، عن أحد الشباب الميسور الحال، كان يمتلك كشك سجائر بإحدى الشوارع الرئيسية، وكيف أدمن مخدر "الهيروين" هو وزوجته، حتى باع الكشك الذي يملكه وأثاث منزله، وحاليا يتسول وزوجته من المارة، ظاهريا بحجة المساعدة على أعباء الحياة، أما فى حقيقة الأمر فهو من أجل شراء ما يحتاجونه من مواد مخدرة، وهنا ظهر شاب آخر يدعى "أحمد ع"، لم يتجاوز الـ 18 عاما من عمره، يقوم بجمع الزجاجات الفارغة من الشوارع لكى يبيعها بنحو 50 جنيها يوميا لشراء المواد المخدرة بها، تحدث إلينا وقال: "كنت بشتغل سباك قبل إدمان المخدرات، كنت ميسورا، الآن لا أعمل في مهنتي وأبيع الزجاجات الفارغة لأشترى بما أتحصل عليه مواد مخدرة" وعن حصوله للمخدرات قال: "زجاجة البودر تتعدى 800 ألف جنيه يقوم مصنعيها بخلطها بلبن البودرة لتربح الزجاجة مايزيد عن 4 ملايين جنيه يتم توزيعها على العملاء الذين يقومون بتوزيعها على المتعاطين".مخدر الشابومخدر الشابو

ويحكى "ع. ز" ، عن تجربته حيث كان يعمل بوظيفة مرموقة بإحدى شركات البترول، راتبه يكفيه ويعينه وأسرتيه على الحياة، متزوج من اثنين وله 4 أبناء، بدأ رحلته من الشابو منذ العام الماضي، قائلا: "كنت أتعاطى مخدرات طبيعية كالأفيون والحشيش، ومع اختفائها من السوق، ودخول المخدرات التخليقية، قمت وبعض أصدقائى بتجربة مخدر الشابو، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتعاطاه ولا أستطيع التحرك دون تعاطيه يوميا، لافتا إلى أن حياته تغيرت كثيرا خلال هذا العام فدائما مصاب بحالة هياج دفعته لافتعال المشكلات مع زوجتيه اللاتى طالبن بالطلاق منه بسبب سلوكه العدوانى معهن، وتركن منزلهن، وجيرانه غير المتقبلين لتصرفاته وأفعاله، وآخرها عمله الذى فصل منه بسبب إدمانه، حتى أصبح يبيع ما اقتناه من أثاث فى منزله لشراء جرعته اليومية.

الشابو والكريستال والأيس..تعددت الأسماء والمخدر واحد

الشابو أو الكريستال ميث أو الأيس، كلها اسم واحد لنوع من المخدرات التخليقية التي يتم تحضيرها معمليا، عن طريق خلط كميات معينة من المواد الكيميائية، يتم تصنيعها واستنشاقها عن طريق الفم أو تدخينها بواسطة السجائر أو الحقن أو البلع، فالشابو من المخدرات التي انتشرت مؤخرا في سوق الكيف الذى ظل لسنوات طويلة تسيطر عليه أنواع معينة من المخدرات مثل الحشيش والأفيون وهما مخدرات طبيعية يتم زراعتها، والترامادول والهيروين يعدان من المواد الكيميائية، حتى عام 2010 بدأت أنواع مخدرة جديدة فى الظهور مثل الاستروكس والفودو والشابو والبودر وغيرها من المواد الكيميائية التخليقية والتى يتم تصنيعها بداخل معامل عن طريق كيميائيين.

جرائم أسرية بسبب الشابو هزت الشارع المصري

المتهم بمذبحة دشناالمتهم بمذبحة دشنا

شهد الشارع المصرى عدد من الجرائم الأسرية التي تحولت لقضايا رأي عام نظرا لما حوته من قسوة وغلظة قام فيها الابن بقتل والديه والأخ بقتل أشقائه، كان آخرها جريمة قرية أبومناع بمركز دشنا في محافظة قنا، منذ أيام، التي أقدم فيها شاب على قتل والده وأشقائه الأربعة بعدما أطلق عليهم النار أثناء نومهم بسبب تعاطيه لمخدر الشابو ورفضهم إعطائه ميراثه.

وهي الحادثة الثانية بنفس المركز ففي شهر فبراير الماضى، كانت قرية فاو بمركز دشنا على موعد مع جريمة قتل أسرية قام فيها شاب بقتل والديه وزوجته وأصاب شقيقته وزوجها، وذلك بسبب رفضه دخول إحدى المصحات النفسية لعلاجه من إدمان الشابو، فقام بإطلاق النار عليهم أثناء نومهم، وألقت السلطات الأمنية القبض عليه، وكان المتهم في ذهول واستغراب شديد بعدما علم بقتله لأسرته، وفى يوليو عام 2017 أقدم مزارع بقرية فاو بدشنا على قتل زوجته وابنه وزوجة ابنه ثم انتحر بعدها، وفي مارس 2020 أطلق شاب بقرية العضاضية بمركز أبوتشت، النار على أشقائه الأربعة وأودى بحياتهم نتيجة إدمانه المواد المخدرة.

جريمة الإسماعيلية

تعددت الجرائم والشابو واحد، ربما كانت الجريمة الأشهر في مصر هي التي شهدها شارع الثلاثيني بالإسماعيلية، في شهر نوفمبر الماضي، نظرا لتصويرها بالكاميرات المتواجدة بالشارع، حيث أقدم فيها شاب يدعى عبد الرحمن دبور على قتل جاره والتمثيل بجثته وقطع رأسه والسير بها في الشارع وسط حالة من الذهول والخوف من قبل المارة، بعد إصابة المتهم بهلاوس سمعية وبصرية دفعته لارتكاب الجريمة، وبالقبض على المتهم اعترف أنه كان يتجه لقتل اثنين آخرين كانا يعملان معه في محل أسماك، وأسدلت محكمة الجنايات أوراق القضية بالحكم على المتهم بالإعدام شنقا، وفي مايو2021 كان مركز إطسا بالفيوم على موعدا مع جريمة أسرية جديدة أقدم فيها صاحب مخبز فينو على قتل زوجته وأبنائه الستة .

علاج إدمان الشابو ومراحلها

أحمد عبد الرحمن أستاذ علاج الإدمان والسموم بجامعة القاهرة، أشار إلى أن العلاج من إدمان الشابو يتتطلب مجهودا كبيرا غير أي نوع آخر من الإدمان، فلابد أن تجرى عملية العلاج بداخل مصحات ومراكز متخصصة لاستحالة القيام بذلك داخل المنزل نظرا لحالة الهياج الشديدة التي يكون فيها المريض بسبب الأعراض الانسحابية التي تحدث نتيجة عن ذلك.

وأشار إلى أن العلاج من إدمان الشابو يتطلب ثلاث مراحل الأولى سحب السموم من الجسم وهي التى يصاحبها الكثير من الأعراض منها الاكتئاب والهياج العصبى وزيادة نبضات القلب وفقدان النطق، ثم مرحلة العلاج النفسي والتغير السلوكي وتهدف هذه المرحلة إلى التعرف على الأسباب النفسية التى دفعت المدمن إلى تعاطي المواد المخدرة ويتم علاجها من أجل إحداث تغيير فى السلوك، ثم المرحلة الأخيرة وهى التأهيل الاجتماعى وتهدف إلى إعادة المتعافي للحياة الطبيعية دون انتكاسات.

مبادرة شعبية فى صعيد مصر لمواجهة الإدمان

اللواء نظامى سالماللواء نظامى سالم

اللواء نظامى سالم، أحد القيادات القبلية بمحافظة قنا، وصاحب أول مبادرة شعبية بصعيد مصر؛ لمواجهة خطر الإدمان والشابو، قال لموقع "سفن إى نيوز" إن الهدف من المبادرة مواجهة خطر الإدمان والشابو الذي أصبح يهدد أمن وسلامة الأسرة المصرية، وهذه المبادرة تمت بالتعاون مع رموز وكبار العائلات من كل القبائل فى محافظة قنا، لتكون نواة بعد ذلك لمبادرات فى جميع المحافظات للتوعية بمخاطر الإدمان والشابو.

وتابع: فالهدف من المبادرة عمل عدة لقاءات توعوية مع المواطنين بالمدن والقرى والنجوع خاصة التى ترتفع بداخلها نسبة الأمية من أجل توعيتهم بمخاطر الإدمان ويشارك فى ذلك خبراء من علماء النفس وخبراء أمنيين وأئمة ومشايخ من وزارتي الأوقاف والأزهر يقوم خلالها كل من خلال تخصصه بشرح مخاطر الإدمان وأضراره بالمجتمع والفرد وكيف يقوم بتدمير خلايا المخ مما يهدد أمن وسلامة الأسرة والمجتمع معا، لذلك تهتم المبادرة بالوصول للبسطاء فى كل القرى والنجوع لتوعيتهم للحفاظ على أبناءهم.

الحلول الأمنية غير كافية.. ودور الأسرة هو الحل

اللواء عادل عبد العظيماللواء عادل عبد العظيم

الخبير الأمني اللواء عادل عبد العظيم، مساعد وزير الداخلية الأسبق لقطاع وسط وجنوب الصعيد، أكد لموقع "سفن إي نيوز" أن إدمان المواد المخدرة هي مشكلة اجتماعية تمس الأسرة المصرية، فالحلول الأمنية وحدها لا تكفي للتعامل ومواجهة خطر الإدمان فلابد من تكاتف جميع مؤسسات المجتمع المدني والقطاعات مع بعضها لمواجهة هذا الخطر، خاصة مع زيادة حالة التفكك الأسري التى حدثت نتيجة تأثير التكنولوجيا الحديثة، فلابد من عودة دور الأسرة إلى سابق عهدها ويعود دور الأب أبا، وهو ما يحدث الآن في مصر الجديدة بالاهتمام بالإنسان من أولويات الدولة.

ولفت عبد العظيم، إلى أن الإدمان يهدد سلامة الفرد والمجتمع ويجب أن تكون هناك أدوار مشتركة للجميع لمواجهة هذا الخطر، تبدأ بحملات تثقيفية للشباب لتوعيتهم، فالكثير من الشباب يدخلون عالم المخدرات من باب المغامرة والتجربة لتنقلهم بعد ذلك إلى عالم الجريمة من أجل شراء المخدرات، لذلك على جميع القطاعات والوزارات الاشتراك والتعاون فيما بينها لمواجهة هذا الخطر.

إدمان المخدرات الكيميائية يهدد سلامة المجتمع

الدكتور سيد عوض، أستاذ علم اجتماع الجريمة بجامعة جنوب الوادي، قال إن إدمان المواد المخدرة الكيميائية يؤدي للوفاة كونها تعمل على تدمير مراكز الوعي وخلايا المخ، فمعظم الجرائم الأسرية التي تحدث لا يمكن أن يقوم بها أحد إلا تحت تأثير هذه المواد المخدرة، لذلك لابد من تكاتف جميع الجهود لمواجهة هذا الخطر الداهم الذي يهدد سلامة المجتمع ويعمل على تفككه، قائلا: "المخدرات التخليقية أشد فتكا بالشباب".