توقعات بحرب عالمية ثالثة دقت أجراسها، مستهدفة الأمن الغذائي لشعوب العالم، فلم تلبث روسيا أن اتخذت قرارها بالحرب على أوكرانيا حتى بدأت تخوفات كبيرة تدب في قلب شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومع مرور الوقت وصدور إجراءات أوروبية بفرض عقوبات على روسيا ظهرت علامات تلك الإجراءات بصورة عكسية على الأوروبيين انفسهم، مما فتح أبواب الصراعات السياسية غير المتوقعة في تلك الآونة وتطلب المزيد من الإجراءات الاستثنائية.
ولكن "الحرب الروسية الأوكرانية" لم تكن وحدها سبب انهيار منظومة الغذاء العالمية بل أيضا الأزمات التي طالت عدد من بلدان إنتاج القمح في المنطقة، فمثلا يمكننا أن نذكر سوريا كمثال حاضر وشاهد على آثار الحرب وما تبعتها من جفاف للأراضي، فبعد أن كانت تحظى دولة سوريا باكتفاء ذاتي من القمح وصل بها الحال اليوم لإهدار كامل محصولها من القمح الذي لم يفرز لها حبة واحدة في موسم كامل.
دب الخوف في قلوب المهنيين في قطاع المخابز بالمغرب بعد انتشار تخوفات بطول أمد "أزمة القمح" وبعض المواد الأساسية في صناعة الخبز، فضلا عن التأكيدات الرسمية التي تداولها المغربيون بضعف في الإنتاج المحلي من القمح فضلا عن وقف الإمدادات العالمية.
وتوجد توقعات بتراجع إنتاج القمح اللين والقمح الصلب والشعير في المغرب برسم الموسم الفلاحي 2021/2022 بـ32 مليون قنطار، أي بانخفاض بنسبة 69% مقارنة بالموسم السابق الذي سجل إنتاجا قياسيا.
وتستورد المغرب من الخارج سنويا وخصوصا من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وأوكرانيا وكندا، ما بين 60 و75 مليون قنطار من الحبوب، القمح اللين والصلب والشعير والذرة.
وقال نور الدين لفيف، رئيس المجلس الفيدرالي للفيدرالية المغربية للمخابز والحلويات، أن ضعف الإنتاج المحلي من مادة القمح ووقف تصديره العالمي، عاملان سيكون لهما تأثير سلبي على الخبز الذي يصنع من مكون القمح وباقي المكونات الأخرى، مؤكدا أن ثمن الخبز لا يرتبط بثمن الدقيق وحده، بل المكونات الأخرى أيضا شهدت زيادات متتالية، مثل الخميرة وتكلفة الطاقة والماء والكهرباء وكتلة الأجور والتكاليف الاجتماعية للعمال.
والحديث هنا عن ارتباط سعر الدقيق بارتفاع ثمن الخبز يمكن أن يكون صحيحا ولكنه لن يؤثر على الجودة –بحسب الحكومة - لأن الحديث هنا عن أنواع مختارة من الدقيق يتنافس فيها الصناع عن طريق الجودة والتطوير المستمر للمنتج كالدقيق الكامل، والسميد والخبز بأنواع الحبوب المختلفة.
"حظر صادرات القمح" قرارا حكوميا اتخذته الهند - ثاني أكبر منتج للقمح عالميا- مؤكدة أنها ستسمح بتوريد الشحنات الصادر بحقها خطابات ائتمان فعلية للبلاد التي تطلب امدادات لتلبية احتيجاتها من الأمن الغذائي، مبررة قرار الحظر بأنه جاء في إطار مساعي الحكومة لتهدئة ارتفاع الأسعار محليا التي جاءت نتيجة نقص الإنتاج المحلي بعد موجة الحر القائظ التي ضربت البلاد.
قبل قرار الحظر، كانت الهند تستهدف شحن 10 ملايين طن خلال العام الجاري.
وكان المشترون العالميون يعتمدون على الهند في الحصول على إمدادات القمح بعد أن تراجعت الصادرات من منطقة البحر الأسود منذ غزو روسيا لأوكرانيا في أواخر فبراير الماضي.
ورغم أن الهند ليست من كبار مصدري القمح في العالم، إلا أن قرار الحظر قد يؤدي إلى رفع الأسعار العالمية لمستويات قياسية جديدة، ستؤثر سلبا على مناطق متفرقة في آسيا وافريقيا، كما أن القرار جاء صادما لشركات التصدير الذين وصفوا القرار بـ"الصادم"، مؤكدين أنهم كانو يتوقعون على أقصى تقدير اتخاذ قرارات بفرض قيود على الصادرات لعدد شهور محدد، مشيرين إلى أن ارتفاع معدلات التضخم أفشل توقعاتهم.
قرارات حكومية غير اعتيادية اتخذتها الحكومة المصرية منذ أقل من أسبوع، فرضت فيها حظرا على توريد القمح محليا، ثم أعلنت عن توريد حوالي 3.7 مليون طن، كما تم توقيع غرامات على المزارعين الذين تهربوا من توريد القمح، حيث أعلنت الحكومة عن تغريم المزارعين بالإسكندرية ما يقرب من 358 ألف جنيه، وعلى الرغم من أن الحكومة أعلنت عن تأمين احتياجات مصر حتى العام المقبل سواء عبر الاستيراد من أسواق بديلة أو من الإنتاج المحلي إلا أن هذه الأزمة العالمية طرحت قضية محورية حول مستقبل إنتاج القمح في مصر وضرورة الاستفادة من الأزمة لتلافي تداعيات أي نقص محتمل في المستقبل.
تستهلك مصر ١٨ مليون طن قمح سنويا، تنتج منهم ١٠ ملايين فقط؛ وهنا يحدث فجوة وعجز يمثل حوالي ٨ ملايين طن؛ وهي الكمية التي تحتاجها لتغطية استهلاكها؛ لذلك تلجأ للاستيراد من الخارج؛ ولكنها في الحقيقة تستورد أكثر من ٨ ملايين طن فالتقارير الرسمية تؤكد أن مصر تستورد حوالي ١٢ مليون طن من القمح أي أن هناك ما يقرب من 4 ملايين طن من القمح يذهب كفاقد وخسائر بنسبة تصل لـ35%، ما يؤكد أن هناك ضرورة للوقوف على أسباب الفقد وتقليل تلك الخسائر.
أما عن الحديث حول تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح فهو أمر صعب لكنه ليس بالمستحيل إذا أخذنا بالأسباب لأن ذلك يتطلب زراعة القمح على مساحة تصل لحوالي 7 ملايين فدان؛ في حين أن المساحة المنزرعة في مصر لجميع المحاصيل هي 6 ملايين فدان فقط؛ ويزرع القمح فيها على مساحة 3 ملايين و600 فدان من المساحة المزروعة من القمح.
إن العالم ينتج ما يقرب من 730 طن قمح سنويا علما بأن روسيا وأوكرانيا تأتي في المرتبة الرابعة في إنتاج القمح، بينما نجد الصين هي أكبر دولة في إنتاج القمح حيث تنتج حوالي 17% من الإنتاج العالمي، يليها الهند التي تنتج 13%؛ أما روسيا تنتج 8% فقط من القمح ويصل إنتاج أوكرانيا من القمح إلى 3.5 % من القمح؛ أي أنها تأتي في المرتبة العاشرة من إنتاج القمح، الأمر الذي يقودنا إلى ضرورة التأكيد على دراسة السوق وفتح أسواق جديدة مع الصين والهند بما يتناسب مع إمكانيات واحتياجات مصر.
من ينقذ سوريا من مجاعة على أبوابها؟ سؤال يجوب في أذهان المتابعين للشأن الاقتصادي العالمي، فبعد أن كانت "بنك للحبوب" نظرا لما حققته من الاكتفاء الذاتي للبلاد، أصبحت الآن على مشارف مجاعة وخاصة بعد الذي يعيشة شعبها من ويلات الصراع الداخلي فضلا عن شبح الحرب الأوكرانية وتأثير ارتداداتها داخليا، حالها كحال دول العالم، بل تصبح مخاوفهم أكثر حيث امتدت التخوفات إلى أن وصل الأمر للتهديد في "لقمة العيش" وانعدام الأمن الغذائي في أغلب التقديرات خلال الفترات القليلة المقبلة.
ومنذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، ارتفعت أسعار المنتجات الغذائية، وسط تحذيرات أممية من تفاقم حالة التجويع التي وصلت لـ12.4 مليون سوري، وفق برنامج الأغذية العالمية بزيادة 5.4 مليون شخص عن عام 2019، ويزداد الأمر سوءاً مع استمرار مواسم الجفاف وشح المياه، فضلا عن انعدام مواد كالزيت من الأسواق مع غلاء سعره الأمر الذي يعود إلى انتشار سياسة الاحتكار دون رقيب، فضلا عن ارتفاع أسعار الدقيق إلى جانب الزيت بشكل جنوني، وسط قلق من ضآلة مخزون القمح بعدما شهدت سوريا موسم جفاف غير مسبوق لم يحدث منذ سبعة عقود، علاوة على خروج أراضي الجزيرة السورية في الشمال الشرقي عن سيطرة الدولة، وأرغمت دمشق باستمرارها على استيراد كميات كبيرة من القمح الروسي، الذي يعد الأول عالمياً من حيث التصدير، إذ يتجاوز 37 مليون طن تليها أمربكا وكندا بـ26.1 مليون طن وأوكرانيا في المركز الرابع 18.1 مليون طن.