لا تشعر سوى بقدميك التي تأخذك إلى ممرات تداخلت كنسيج مزخرف حاكته أنامل فنان بإعجاز يحسد عليه.. هنالك فقط تحاصرك الدهشة ويصيبك الانبهار فلا تدري هل أنت في عالم الأرض أم غيره من الأكوان؟
وحده قادراً على أن يخطف بصرك فيرتعش قلبك وتلهو روحك، فلا تملك سوى أن تستسلم وتطلق العنان لنفسك لتصبح مُسيراً لا مخيراً أمام روعة وجمال وإبهار ودهشة متحف اللوفر الذي يسكن في جزيرة السعديات في إمارة أبوظبي.
رواد متحف اللوفر في أبوظبي
ها هو يطل بقبته الأسطورية من بعيد، وهنا تذكرت الحكمة والفلسفة التي تمتع بها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله" التي تلخصت في العديد من مقولاته الشهيرة التي رسمت لأبنائه الطريق، فهو الذي قال "إن الحاضر الذي نعيشه الآن على هذه الأرض الطيبة، هو انتصار على مـعاناة الماضي وقسوة ظروفه"، وهو الذي حث أيضاً على الاهتمام بتطوير البلاد عندما قال "إذا كان الله عز وجل قد منّ علينا بالثروة، فإن أول ما نلتزم به أن نوّجه هذه الثروة لإصلاح البلاد، ونسوق الخير إلى شعبها"، والحقيقة أن من يتأمل تلك الفلسفة لا تصيبه أبداً الدهشة عندما تقع عيناه على كل ما هو متطور ومتقدم في الإمارات بشكل عام وفي مدينة أبوظبي بشكل خاص.
متحف اللوفر في أبوظبي
ما إن تطا قدماك أرض متحف اللوفر أبوظبي حتى تشعر بأنك في قلب مدينة مصغرة متكاملة بل هي الأقرب إلى أرخبيل في البحر، تلك التي تضم ما يقرب من 55 مبنى أبيض اللون مستوحى من تصاميم المنازل في الهندسة العربية التقليدية.
تستسلم لقدميك التي تصحبك في رحلة شديدة الخصوصية إلى تلك الأيقونة المعمارية التي تعد منارة ثقافية تجمع بين مختلف الثقافات وتسلط الضوء على قصص الإنسانية المشتركة، تشد حواسك تلك القبة الضخمة التي تنفتح من أعلى على فترات متفاوتة، فتدخل أشعة الشمس من خلال التصميم الفني الجذاب الذي تم به بناء السقف، والذي صممه الفنان المعماري الفرنسي جان نوفيل.
جمهور متحف اللوفر
لن تشعر بالغربة أبداً أثناء تجوالك ولن تتملكك مشاعر الحيرة خاصة عندما تقع عيناك على قاعات العرض التي تتعدى الـ 26 قاعة التي تحتضن آلاف من القطع الفنية واللوحات النادرة التي تجعلك تلتقي مع التاريخ بل وتقف أمامه وجهاً لوجه، فسرعان ما يصحبك أحد الشباب الإماراتيين الذين تطوعوا لخدمتك ومدك بكافة المعلومات التي تريد أن تتعرف عليها.
الفلج والنخيل
شاب إماراتي في عمر الزهور يقرر أن يصحبنا في جولتنا في قلب المتحف الذي تشعر بأنك في حاجة لأيام وليس إلى ساعات محدودة حتى تتمتع بكل ما يحويه.
بدأ مرافقنا حديثه بالقول: "تصل المساحة الإجمالية الداخلية للمتحف إلى 8600 متر مربع، وتتضمن قاعات العرض والمعارض ومتحف الأطفال، بينما تصل مساحة قاعات العرض إلى 6400 متر مربع، وتحتوي على نحو 600 تحفة فنية، فضلاً عن 300 عمل فني معار من مؤسسات ثقافية فرنسية، وتبلغ المساحة الإجمالية المخصصة لإقامة المعارض المؤقتة قرابة 2000 متر مربع، بينما تم تخصيص 200 متر مربع لمتحف الأطفال".
الفلج والنخيل
ختم مرافقنا حديثه ونحن على أعتاب بدء جولتنا في قلب المتحف بالقول: "تم بناؤه على ارتفاع 40 متراً فوق سطح البحر على يد المصمم المعماري جان نوفيل الحائز على جائزة "بريتزكر"، الذي استلهم تصميم الجداول المائية التي تجري عبر المتحف من نظام "الفلج التقليدي" للري في الإمارات، وقبة المتحف المزينة بمخرمات هندسية لسعف النخيل المتداخلة مكونة ما يعرف بشعاع النور المتحرك، كما ويتميز هذا التصميم بأحجام وزوايا مختلفة ضمن طبقات عديدة منها داخلية وأخرى خارجية لتعطي شكلاً فنياً رائعاً للقبة".
أكثر ما يشدك ويجذب انتباهك طوال ترحالك عبر القاعات المختلفة للمتحف هو طريقة عرض المقتنيات التي تتميز بأسلوب مركزي، يحاكي كافة الأعمال الفنية المترابطة مع بعضها ضمن نطاق واحد فريد من نوعه عبر مختلف الحضارات والثقافات.
وكأنك امتطيت آلة الزمن وعدت للوراء قروناً لتتنقل عبر أربع فترات زمنية، فتارة تجد نفسك أمام الآثار الحضارية للعصور الوسطى والحديثة، وأخرى تشهد فيها فترة انتشار الإسلام والفترة الكلاسيكية من الإنسانية، مروراً بعصر التنوير، حتى العصر الحديث الذي بدأ في نهاية القرن الثامن عشر.
تتجول بعينيك فتصطدم بلوحة "هرقل" يصارع أسد "نيميا" الذي يقدم نبذة من تاريخ متحف اللوفر، وها هي لوحة لعبة الورق "البيزيج" التي تعد من أجمل اللوحات التي يحتضنها المتحف.
مقتنيات متحف اللوفر في أبوظبي
وما بين ذلك المشبك الذي صمم على شكل نسر والبرج المتعدد الحجرات، والدرع الذي يحمل شعارات عائلة "شيشيدو" الذي يعد من أفضل مقتنيات متحف اللوفر أبوظبي، وتمثال "كوديا" أمير "لغش" الذي يعد من أبرز الآثار، ولوحة "الكونت كورفيتس" أنطون أولفيلد في ديكور داخلي عثماني وذلك الإفريز المعماري المنقوش بآيات قرآنية، كل هذا الفن يصيبك بحالة من الصمت يلاحقها التأمل عندما تقع عيناك على صورة لمؤسس طائفة "زن البوذية بودهيدهارما"، ورأس بوذا، وقلادة تنظيم الصوف الذهبي، وصرة إستير فتفقد الوعي أمام الملك أحشويروش، وتمثال الخطيب الذي يرتدي ثوب التوغا الروماني، وتمثال أبو الهول، وصورة ثيسيوس يعثر على سلاح أبيه وأخرى توضح مشهد لجبل آسوكا من سلسلة جبل فوجي الستة والثلاثين وتمثال أغسطس، والإمبراطور الروماني الأول، وصفحة من المصحف الأزرق.
رأس بوذا في متحف اللوفر
الملفت للنظر خلال جولتك أن كل هذا الكم من التحف الفنية والتاريخية لا يوجد في مكان واحد، إذ تم تخصيص عدة أجنحة لعرضها، وكل جناح ينقسم إلى قاعات عرض، وكل قاعة عرض تتميز بطابع معين، وتم تصنيف اللوحات الفنية وفقاً لطابع القاعة.
مقتنيات متحف اللوفر استطاعت أن تنجح بجدارة في أن تنسينا الوقت، تجعلنا نخلع عباءة التعب والمشقة في البحث عن المعلومة لتستسلم أعيننا لرؤية تلك اللوحات النادرة، تجد نفسك وقد فقدت السيطرة على إرادتك خاصة عندما تدخل إلى قاعة القوى العظمى الأولى ومنها إلى قاعة الإمبراطوريات والحضارات، أما عن صالة عرض المقتنيات الخاصة بالأديان العالمية فتضبط نفسك متلبساً بحالة من الروحانية تنتابك بل وتدب القشعريرة في جسدك كاملاً خاصة عندما تقف أمام لوحة العذراء والطفل، وأسفار موسى الخمسة، والجزء الثلاثين من القرآن الكريم، تصلك الرسالة التي حملتها دوماً الإمارات والتي تحمل في طياتها تسامحاً وتقبل واحتراماً لكل الأديان.
تخرج من تلك القاعة لتجد نفسك في صالة عرض اللوحات التي تشعر معها بأنك تسافر مع القبائل القديمة في رحلاتها التاريخية عبر طريق الحرير، وتسافر في قاعة أخرى من البحر المتوسط إلى أن تصل إلى المحيط الأطلسي، إلى أن تصل إلى العالم الحديث.
تخرج من صالات العرض والقاعات المختلفة وأنت في حالة من الاندهاش ليس لما رأته عيناك من تحف فنية نادرة فحسب، بل من تلك الدقة المتناهية في تنظيم شكل ومحتوى قاعات العرض التي تحتضن أجمل وأندر التحف الفنية الأسطورية التي تشعر بأنها تحمل بين طياتها رسائل سلام للإنسانية.
جولة بقدر مشقتها إلا أنها ممتعة ومثيرة ومختلفة وجاذبة ومدهشة، تستطيع أن تجلس في حديقة المتحف الضخمة، تلتقط الأنفاس وتحتسي فنجان قهوتك على أحد المقاهي المتناثرة التي تشعر معها بأنك في حالة استرخاء بعد رحلة فنية ثقافية أسطورية.
تلك هي الحالة التي كنت عليها ولكنني استعدت ما قاله المهندس المعماري الفرنسي نوفيل مصمّم أسطورة أبوظبي "متحف اللوفر" عندما كان في مقابلة مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، والحقيقة أن كلامه مثير للإهتمام بل للتأمل أيضاً، يقول الرجل: إنه أراد تصميم متحف ينتمي لتاريخ الإمارات التي تشهد عصرها الذهبي، ويكون شاهداً على إتاحة فهم الثقافات للأجيال القادمة.
متحف اللوفر في أبوظبي
نوفيل الذي قضى 11 عاماً في العمل على "لوفر أبوظبي"يقول إنه استوحى تصميمه من الثقافة العربية، حيث أراد هندسة بمثابة "مدينة عربية" تنتصب على مساحة 97 آلف متر مربع، بينها 8 آلاف و600 في شكل قاعات عرض.
نوفيل قال بالحرف في مقابلته مع الصحيفة الفرنسية: "أردت اللعب مع الصحراء والشمس والسماء والبحر، مع ترك المجال لنفاذ الضوء والرياح والرمال، في توليفة متناغمة تجعل من المتحف بكنوزه قلعة وملاذاً للباحثين عن المعرفة".
ابتسمت وأنا ألقي على "متحف اللوفر" نظرة الوداع على أمل اللقاء لأتذكر عبارة المصمم الفرنسي العبقري نوفيل الذي لخص عبقرية المكان وأسطوريته بقوله: "اللوفر يتصدّر قائمة المتاحف الخمسة الأولى على الأرض".