«الطمع يقل ما جمع» و«عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة»، حِكم وأمثال يؤمن بها المصريون ويرددونها في مناسبات وأوقات مختلفة تأكيداً على أولوية عنصر الأمان وعدم الانسياق وراء أي حلم للثراء قد يكون آخره سراب.
ورغم الإيمان الشديد بحقيقة تلك الأمثال، إلا أن "المستريحين" يحققون دائماً غايتهم من دون بذل أي جهد، فأصحاب الأموال صيد ثمين وفي الوقت نفسه سهل يمكن الوصول إليه وإقناعه والسيطرة على أفكاره وأمواله معاً، والنتيجة ضياع «تحويشة العمر» والبحث عن محتال «مستريح» حتى وإن وُجِد وتم القبض عليه يبقى مصير المال في علم الغيب.

«سفن إي نيوز» يطرح القضية للوقوف على أسباب ظهور ضحايا جدد رغم كثرة أعداد «المستريحين» وضحاياهم الذين يقعون فريسة الأزمة الشهيرة المعتادة والمتكررة نفسها.
بداية علينا أن نعلم أن «مستريح أسوان» -الذي فتح الملف مجدداً، وأثار ضجة كبيرة في الآونة الأخيرة، ليس في مصر فحسب، بل إن تلك القضية وهذا الاسم وصل إلى مسامع العالم العربي- ليس الأول ولن يكون الأخير، ولكنه أعاد إلى الأذهان عددا من حكايات المستريحين في محافظات أخرى في مصر، كما استدعى بعض الذكريات القديمة لضحايا بعض شركات توظيف الأموال.
أحمد مصطفى، كان المستريح الأول الذي بدأ سلسلة المستريحين في عام 2015، وكان ينتمي لصعيد مصر واستطاع الاستيلاء على ملايين الجنيهات من مجموعة كبيرة من الأشخاص كان قد أقنعهم باستثمارها والحصول على أرباح شهرية.
سبب تسميته «المستريح» هو ضحاياه أنفسهم الذين منحوه هذا اللقب بناءً على تبدل أحواله بعد استثماره أموالهم من تراكم الديون عليه إلى حال يسير، فأصبح اسم شهرته «أحمد المستريح».
أحمد المستريح
واختفى كعادة المستريحين بعد جني ما استطاع من أموال الضحايا الباحثين عن ربح جديد، لكن تم القبض عليه بعدها، وفي عام 2017 صدر حكم بسجنه 15 عاماً وإلزامه برد 266 مليون جنيه للضحايا.
«مستريح المنوفية» الذي استولى على 200 مليون جنيه من أهالي قريته مستخدماً طريقة الإقناع نفسها «أرباح شهرية جاهزة»، ولكن تم الكشف عن نصبه واحتياله وأُلقي القبض عليه، ولكنه توفي منتحراً في السجن.
مستريح في السويس وغيره في الإسكندرية والقليوبية وغيرها من المحافظات التي تشهد بين الحين والآخر ظهور قضية جديدة، يختار كل محتال منهم، مجالا مختلفا يقنع ضحاياه بالاستثمار فيه، مؤكداً وجود أرباح ومضاعفتها، ما بين تجارة أدوية، بيع شقق وسيارات، تجارة زيوت وخردة، أجهزة محمولة وكهربائية حتى كروت شحن.
وكل مستريح وقدرته على إغراء ضحاياه بالمكاسب وإقناعهم بصرف شهرين أو ثلاثة أرباح على سبيل الاطمئنان وضخ المزيد، بالإضافة إلى اكتساب ثقة عدد أكبر.
مصطفى البنك أو مستريح أسوان، هو آخر الأسماء التي دفعت بظاهرة المستريحين لدائرة الضوء من جديد، شخص واحد استطاع جمع مئات الملايين من الجنيهات بحيلة تجارة المواشي، خاصة من مزارعي قرى «الشرفا والبصيلية» بمركز إدفو، حيث حصل على أموال من البعض فيما أقنع آخرين بطريقة أخرى للتجارة وهي تسليمه المواشي الخاصة بهم ليبيعها لهم بضعف ثمنها.
مصطفى البنك مستريح أسوان
وتمكنت الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض عليه وبحوزته نحو 10 ملايين جنيه حيث كان يختبئ بمنطقة جبال، وقد تقدم العديد من الأشخاص ببلاغات ضد آخرين غير "مصطفى البنك"، الأمر الذي ينم عن سلسلة طويلة من المستريحين.
ظاهرة المستريحين، لا ترفع شعار «للرجال فقط»، حيث ظهرت «مستريحة» تعمل معلمة في مدرسة لغات بالزقازيق، كانت احتالت على بعض الأشخاص وأوهمتهم بالاستثمار أموالهم في الأجهزة الكهربائية، وتم القبض عليها بعد حصولها على نحو 30 مليون جنيه من ضحاياها.
قضية تستحق التوقف والتأمل عندها طويلاً، خاصة بعد أن حاولنا الحصول على أرقام محددة لأعداد المستريحين في مصر، وهو أمر اتضح أنه يقع في دائرة المستحيلات، فيكفي أن نعرف أنه بعد القبض على «مستريح أسوان» ظهر ما يقرب من 25 محتالا في محافظات مصر، وهو أمر اعتمد على بلاغ الأهالي عن هؤلاء الأشخاص، ولكن يبقى السؤال، كيف يرى المتخصصون تفشي تلك الظاهرة؟ وهل هناك حلولا لتحجيمها؟ وهل هناك دور ما للإعلام أو الدولة للحد من تلك الظواهر التي أصبحت دخيلة وغريبة على مجتمعاتنا؟
أسئلة نحاول أن نجيب عنها عبر السطور المقبلة.
الدكتور محمود الصاوي، أستاذ الثقافة الإسلامية ووكيل كليتي الإعلام والدعوة بجامعة الأزهر في مصر، يتحدث منتقداً ترديد مصطلح المستريحين والترويج له، مؤكداً أنه مصطلح خاطئ، وينبغي أن نستخدم المسميات الحقيقة «نصابين»، «محتالين» و«لصوص».
ويرى الصاوي -في تصريحات إلى «سفن إي نيوز»- أن تلك الأوصاف هي التي تنطبق عليهم بامتياز فهم فئة من اللصوص احتالوا على عدد ضخم جدا من المصريين فأقنعوهم بإيداع أموالهم لديهم مقابل استثمارها بعائد مادي أكثر ربحية من البنوك، مشيراً إلى أنه المدخل الأول الذي يستخدمه المستريحون المحتالون ويؤثرون به على الناس، وهو أكثر الدوافع التي ينبغي التوقف عندها ليبحث الخبراء بصورة جادة كيفية إيجاد حلول جذرية وحقيقية لمواجهة الظاهرة حتى لا نشهد واقعة كل حين وآخر.
الدكتور محمود الصاوي
ويوضح أن بعضهم يلعب على فكرة نسبة التضخم وارتفاع الأسعار وأن ما تقدمه البنوك من أرباح على الودائع لن تغطي نسب التضخم ولن تحافظ على الأموال التي تفقد قيمتها وقوتها الشرائية باستمرار، فيسود الاعتقاد أن وضع الأموال بالبنوك خسارة مؤجلة يفقد صاحب المال فيها قيمة مدخراته عاماً بعد الآخر، موضحاً أنها الثغرة التي يدخل منها المستريحون لضحاياه الذين يعانون ظروفا اقتصادية صهبة، تدفعهم النوايا الطيبة لتحسين أوضاعهم والحفاظ على قيمة ممتلكاتهم.
«الفوائد حرام»
ويشدد الصاوي، على ضرورة أن يكون هناك توضيحا بمثابة بيان عام يقدم للناس شرحاً لفلسفة عمل البنوك، ولماذا أرباحها متدنية مقارنة بأرباح المستريحين المحتالين ولكنها أكثر أماناً.
ويشير إلى ثغرة أخرى يدخل منها المستريح لضحاياه، حيث يعلم أن هناك شريحة كبيرة تعتقد في حرمانية فوائد البنوك، وهم الأكثر عرضة لهؤلاء المحتالين الذين يلعبون على هذا الوتر الحساس، فيتحدثون إلى الضحايا عن الاستثمار وتحقيق الأرباح من خلال تجارة تدر أموالاً على صاحبها.
ويقترح ضرورة أن يكون هناك صيغة ما في عقود تبرمها البنوك مع العملاء المودعين تشير إلى اتفاق باستثمار تلك الأموال في مجالات كالزراعة والصناعة وفق نظم محددة تحقق الفائدة للجميع حتى يشعرون بأن الفائدة تأتي من استثمار حقيقي خاصة وأن اختيارهم لإيداع أموالهم لدى هؤلاء المحتالين يحجب أموالاً كثيرة عن البنوك، وتترك مساحة هائلة للطامعين الراغبين في استغلال آلاف المواطنين.
من جانبها تفسر الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بكلية التربية جامعة عين شمس، في مصر، تكرار الوقوع في نفس الفخ رغم وجود ضحايا سابقين بما وصفته بالطمع الأعمى الذي يسيطر على أصحاب الأموال الذين يرغبون في المزيد، الأمر الذي يصيبهم بحالة تشبه العمى لا يرون فيها إلا جانب زيادة الأموال وتلقي الأرباح.
وتشير إلى أهمية دور الإعلام المرئي، مؤكدة أنه الأقدر على التعامل مع هذه الظاهرة نظراً لارتفاع نسبة الأمية وأنها الوسيلة الوحيدة التي تستطيع مخاطبتهم أو توجيه رسائل لهم بلغة بسيطة، تلك الرسائل التي قالت عنها: «رسائل سهلة، تصل بسرعة ويفهمها الكبار والصغار».
الدكتورة سامية خضر
وترى أن أهم وأسرع الحلول هي «اسكتشات» مُذاعة تستطيع اختراق العقول وشحنها بوعي ومعرفة، وتستعيد بعض الحملات التي نجحت في صناعة فارق في مستوى الوعي والاهتمام بقضية ما مثل أغنية «ست سنية سايبة المية ترخ من الحنفية» تلك الأغنية التي ساهمت بشكل كبير في توعية المواطنين بترشيد استهلاك المياه على سبيل المثال.
وتلفت إلى تجربة برنامج «كلمتين وبس» بإيقاعها السريع ورسالتها السلسة البسيطة التي تصل للجمهور بشكل مباشر.
وتوضح أن اهتمام الدولة بالجوانب الاقتصادية لابد وأن يصاحبه اهتماماً كبيراً ببعض الظواهر الاجتماعية التي تُفسد أي محاولات إصلاحية، لذلك ترى أن التركيز على مثل هذه الحملات و«الاستكتشات» الإعلانية والأفلام والأغنيات ذات الطابع الاجتماعي الهادف التي تناقش قضايا هامة وتترك أثراً عميقاً في النفوس والعقول.
وضربت المثل بفيلم «العتبة الخضراء» الذي أشار إلى هذا النوع من الاحتيال قبل سنوات طويلة مؤكدة أن وجود مثل هذه الأعمال التي يسترشد بها المجتمع في الوقت الحالي كان سيغير كثيراً من واقعنا، وأن فيلم مثل العتبة الخضراء حتى وإن كان كوميدياً إلا أنه قدم رسالة سهلة الوصول للمشاهد قوية التأثير عليه.
وتُنهي سامية خضر حديثها قائلة: السينما التي قدمت لنا «الأيدي الناعمة» فواجهت أصحاب الإقطاعيات والعزب بحقيقة الوضع الذي يعيشون وما يجب أن تصير إليه الأمور، و«أفواه وأرانب» الذي حذر من مخاطر الزيادة السكانية والقنبلة الموقوتة التي أنذر بها، هي نفسها السينما التي ينبغي أن تقدم مثل هذه الموضوعات والقضايا الاجتماعية الهامة وتركز عليها حتى تؤتي ثمارها خاصة وأن اللغة التي تستخدمها تتناسب بشكل أكبر مع الفئات التي تشاهدها وتكون أكثر عرضة للنصب وفريسة أسهل لوسائل الاحتيال.