خاص متى يعرف السودان الاستقرار؟.. معضلة بدون إجابات

مهتمون بالشأن السياسي لا يجدون للنفق نهاية

رغم مرور أكثر من 3 أعوام منذ سقوط الرئيس عمر البشير ما زالت الأوضاع السياسية في السودان مضطربة، ولا تكاد تستقر حتى تعود للاضطراب مجدداً.

فبعد حوالى عامين من توقيع اتفاق بين القوى المدنية والمكون العسكري في أغسطس 2019، وتشكيل حكومة لإدارة فترة انتقالية لمدة أربعة أعوام، قرر الجيش في أكتوبر من العام المنصرم الاستيلاء على السلطة وإزاحة الشريك المدني.

فراغ مؤسسي

وعقب الخطوة دخلت البلاد في أزمة سياسية حادة، إذ تعثّر تشكيل حكومة لإدارة أمور البلاد، وسط فراغ في أغلب المؤسسات والوزارات والمناصب التنفيذية والتشريعية، مع غياب البرلمان الذي لم يشكل حتى الآن.

قرار الجيش بالاستيلاء على السلطة، برره بالخلافات والتصارع بين القوى السياسية المدنية، متهما إياها بالعمل على الانفراد بالحكم، وإقصاء الآخرين، وفشلها في إدارة الفترة الانتقالية.

الجيش السودانيعناصر من الجيش السوداني

ورغم دخول الأطراف الدولية والإقليمية كوسطاء لإنهاء الأزمة، إلا أن الأمور ما زالت تبدو ضبابية، فعجلة الحوار تسير ببطء، مع استمرار التظاهرات الاحتجاجية في الشارع، واستخدام العنف، بالإضافة إلى أزمة اقتصادية خانقة ألقت بظلالها على كل مناحي الحياة.

وفي منتصف مايو الجاري، انطلقت أعمال الحوار السوداني- السوداني كآخر أمل لاستعادة مسار الانتقال الديمقراطي. لكن العديد من الشواهد تشكك في احتمالية الوصول العاجل إلى حل للأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، التي ظلّت تحاول الاستقرار في تشكيل حكومي منذ أكثر من 3 أعوام.

مظاهرات السودانتظاهرات احتجاجية بالسودان - أرشيفية 

تحديات في طريق الوساطة

ظلّ الدور الذي يلعبه الوسطاء الإقليميون والدوليون أساسياً ومحوريًا في المشهد السوداني بعد الثورة، حيث قادت الوساطات إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين السودانيين في أعقاب أحداث فض اعتصام القيادة العامة 2019، الأحداث التي كادت تنسف المستقبل السياسي للبلاد وقتها لولا محاولات إنقاذ المشهد سياسيا.

بعد تأزم الموقف بين القوى الفاعلة السودانية عقب قرارات رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان الأخيرة في 25 أكتوبر، انعقد أمل كبير على الدور الدولي والإقليمي للمساعدة في عملية استعادة المسار الديمقراطي واستقرار البلاد.

عبد الفتاح البرهانعبد الفتاح البرهان

ويستضيف السودان حاليًا بعثة الآلية الثلاثية المكونة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وهيئة الإيغاد، بتمثيل كل من فولكر بيرتيس الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، والمبعوث الأفريقي محمد حسن ولد لبات، والأخير أحد الأطراف التي لعبت دورا أساسيا في الوصول إلى اتفاق أغسطس 2019 بين القوى السياسية والعسكريين.

لكن هذه المرة يبدو أن الوساطة الدولية تعاني من أجل لعب دورها، فقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة أمس الأول عن رفض السلطات تجديد إقامة مستشارتها روزاليند مارسدن، ما عده مراقبون إشارة لتوتر جديد يهدد فاعلية الدور المؤمل أن تلعبه الوساطة.

ويرى أحمد الحاج، الناشط في المجتمع المدني، أن العديد من الشخصيات التابعة للمنظمات الدولية التي تعمل حاليًا في السودان ضمن فرق الوساطة، يفقدون الحماس اللازم، كنتيجة طبيعية لتعنت المؤسسة العسكرية ووضعها العراقيل أمامهم.

أحمد الحاج الناشط في المجتمع المدني السودانيأحمد الحاج الناشط في المجتمع المدني السوداني

وأضاف الحاج في تصريحات لـ«سفن إي نيوز»: «على البعثات الأممية والشخصيات الفاعلة استلهام تجارب لجان المقاومة في العمل طويل المدى»، مؤكدا أهمية الدور الذي من الممكن أن تلعبه البعثات الدولية في الوصول بالسودان إلى بر آمن.

المعارضة السياسية.. انقسامات عديدة ورؤى متباينة

بالنسبة للمعارضة السياسية المدنية، التي يعول عليها هي الأخرى في المساهمة في استقرار المشهد، فهي تعاني أيضًا من أجل توحيد موقفها ورؤيتها.

وانقسم تحالف قوى الحرية والتغيير الذي وقع على الإعلان في يناير 2019 قبل سقوط البشير، إلى عدّة فرق، بعضها خرج خارج السرب تماماً، كالحزب الشيوعي، الذي أعلن هذا الأسبوع –من جهته فقط- تحالفًا مع حركات مسلحة، لم تنضم في أي لحظة إلى الطاقم الحكومي، وظلت ترفع شعار المعارضة منذ سقوط البشير وبعده.

وقادت الخطوة التي أعلنها الحزب الشيوعي من عاصمة جنوب السودان جوبا، إلى موجة اعتقالات طالت قيادات الحزب، حيث قامت السلطات هناك بوضع قيادات الحزب رهن الإقامة الجبرية، ثم قامت السلطات في الخرطوم باعتقال مجموعة من قادته أيضًا منذ وصولهم إلى مطار الخرطوم بداية هذا الأسبوع.

الحزب الشيوعي السودانيالحزب الشيوعي السوداني

وشن قيادي بارز في تحالف قوى الحرية والتغيير، فضل حجب اسمه، هجومًا عنيفًا على الحزب الشيوعي السوداني، قائلاً إن الخطوة التي أعلنها الحزب ستزيد من تعقيد الأوضاع في السودان.

وأضاف في حديث مع «سفن إي نيوز» أن الخطوة كانت بمثابة إحراج لحكومة جوبا التي تضطلع أيضاً بدور في الوساطة بين القوى السياسية والعسكريين في السودان.

لجان المقاومة: لا نرفض الحلول السياسية.. ولكن

تعتبر لجان المقاومة هي القائد الفعلي للتظاهرات الأخيرة المندلعة في البلاد منذ سبعة أشهر، وقد تنامى بصورة كبيرة بعد الثورةً دور لجان المقاومة التي تتخذ طابعًا شعبياً بتواجدها وسط الأحياء السكنية وبصورة خاصة وسط الشباب.

ويرى مراقبون أن الوصول إلى حل سياسي في السودان لا يمكن أن يتم دون استصحاب واستيعاب لجان المقاومة، والتي تعتبر نفسها الممثل الرئيسي والشرعي لمطالب الشارع السوداني.

وطرحت لجان المقاومة في الخرطوم ميثاقًا سياسيًا بمسى «ميثاق سلطة الشعب»، على أمل أن تتوحد حوله القوى السياسية، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن، فالعديد من الجهات وجهت نقدًا حادًا للميثاق.

مظاهرات السودانمظاهرات في السودان

ويُقِر مهند حسن سليمان، عضو لجان مقاومة الديوم الشرقية، بتعقد أوضاع المشهد السياسي السوداني، قائلاً إن استقرار الأوضاع في السودان في القريب لا يبدو أمرا محتملاً.

ويضيف في حديث مع «سفن إي نيوز»: «لا يخفى أن كثيرا من المشكلات أحاطت بـ(ميثاق سلطة الشعب) الذي طرحته اللجان كخطوة لتوحيد القوى السياسية».

ويقول إن كثيراً من المشكلات طرأت بعد طرح الميثاق، أولها هي المواقف الضبابية للقوى السياسية الفاعلة في المشهد، والتي كان من المؤمل أن تتوحد خلف أطروحات الميثاق.

ويلقي سليمان باللوم على جهات سياسية روّجت أن الميثاق هو صنيعة الحزب الشيوعي، نافياً ذلك بشدّة.

ويضيف أن القوى السياسية السودانية لم تتحلى بالمسؤولية تجاه الأوضاع التي يعيشها السودانيون جرّاء الاضطراب السياسي.

اتهامات للجان المقاومة

لطالما اتهمت لجان المقاومة بتعنتها تجاه الحلول السياسية، وممارستها ابتزازاً سياسيا على القوى السياسية، برفعها شعارات اللاءات الثلاث «لا تفاوض- لا شرعية- لا شراكة»، ما يعده مراقبون مساهمة منها في تعقيد المشهد السياسي.

وعن هذا يقول مهند حسن سليمان، إن اللجان لا يمكنها أن ترفض الحلول العقلانية إذا ما كانت ستؤدي إلى تحقيق المطالب السياسية، لكنه يتساءل: أي حوار وأي تفاوض وأي شراكة تعني؟

ويضيف إذا ما كان الحوار «سيفضي إلى العفو عن القاتل فنحن نرفضه»، وإذا ما كانت شراكة تعني الشراكة التي ينفرد فيها العسكر بالحكم فنحن نرفضها أيضاً، لكننا قطعا لا نرفض الحلول التي تعيد السودان للاستقرار.

ويؤكد سليمان أن استقرار السودان لن يتم إلا بتنحي العسكر عن السلطة نهاية الأمر، حتى وإن تم استيعابهم مؤقتا.

فولكر بيرتس: هناك مفسدون لا يريدون الوصول إلى حل

"لو كنت متشائمًا لما ظللت مقيمًا في الخرطوم التي تبلغ درجة حرارتها 44 درجة". بهذه الجملة التي أطلقها قبل يومين، لخص فولكر بيرتس رؤيته حول أمل الوصول إلى حل في السودان، لكنه عاد بالأمس وأقر بصعوبة وخطورة الموقف في السودان مشيراً، دون تسمية، إلى دور من دعاهم بـ«المفسدين» الذين لا يريدون الانتقال إلى الديمقراطية.

وقال بيرتس في إحاطة قدمها أمس الأربعاء لمجلس الأمن: «.. هناك أيضاً مفسدون لا يريدون الانتقال إلى الديمقراطية أو يرفضون الحل من خلال الحوار. على الأطراف السودانية ألا تسمح لمثل هؤلاء المفسدين بتقويض فرصة إيجاد مخرج تفاوضي للأزمة».

وأضاف بيرتس محذراً: «إذاً ما لم يتم إيجاد حلّ للمأزق الحالي، فستتجاوز العواقب حدود السودان ولجيل كامل».

فولكر بيرتسفولكر بيرتس

يبدو سؤال «متى تستقر الأوضاع في السودان» عصيا على الإجابة، في ظل تعدد الفاعلين السياسيين وتعدد مشاربهم، وفي ظل تمسك أطراف بحلول «راديكالية» يصعب تطبيقها في ظل الأوضاع الراهنة، لكن من المؤكد أيضاً أن الوصول إلى استقرار السودان، يتطلب من جميع الأطراف الفاعلة (مدنيين وعسكريين) تقديم العديد من التنازلات قربانا لتجنب الانهيار الكامل للدولة، والذي سيلقي بظلاله حتى خارج السودان، ولأجيال كاملة، بحسب تقديرات الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة.