عقب لقائه في البيت الأبيض، صباح الخميس الماضي، مع رئيسة الوزراء السويدية ماجدالينا أندرسن، والرئيس الفنلندي ساولي نينيستو، قال الرئيس جو بايدن، إن السويد وفنلندا، دولتان ديمقراطيتان، ولديهما مؤسسات قوية، وتستوفيان كل المعايير، للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
وأضاف بايدن، أنه سيدعو الكونجرس إلى الموافقة بأسرع وقت ممكن، على ترشيحهما، متابعا «اليوم أنا فخور بأن أؤكد لهما الدعم التام والكامل من قبل الولايات المتحدة الأميركية».
تلك هي بعض الجمل التي أدلى بها الرئيس الأمريكي، الذي لم ينس أن ُيظهر نفسه أمام العالم، كم هو سعيد بهذا الإنجاز، وكأنه جرى فعليا وليس في طريقه كي يتحقق.
المراقب لابد أن تستوقفه عبارات الثناء والإشادة ـــالتي انهالت على البلدين اللذين خرجا وإلى الأبد من حياديهما الذي لم يجلب لهما المتاعب، على حد تعبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين-.
وهي لا يمكن أن تطلق جزافا أو مصادفة، بل دلالتها مقصودة وبإصرار، بيد أنها حملت رسائل موجهة لمن يعنيه الأمر بالشرق المعقد، الذي تنتمي إليه وريثة الإمبراطورية العثمانية، وهي مقولة منسوبه للفرنسي الراحل شارل ديجول، غيـر عابئة (أي الرسائل) بتنديد أنقرة ورفضها وسخطها لتلك الخطوة، حتى تلويحها بعصا الإجماع الذي لابد منه كشرط لنيل العضوية، جرى تجاهلها، وعموما فهذا له مخارج عديدة لن تعدمها إدارة بايدن وحلفائه التي لم تعد «تركيا أردوغان» من بينهم، والسبب يكمن في الفجوة معها، التي لم تضيق هوتها بعد، ولن تضيق طالما ظل بايدن في مكتبه البيضاوي، زاد عليها ما يروجه الإعلام الغربي من انتقادات قاسية وأنها باتت بعيدة منذ زمن ليس ببعيد عن القيم الأوروبية والأمريكية.
ومن المفارقات العجيبة أنه قبل سبعة عقود، عارضت معظم بلدان القارة العجوز ـــبمن فيهم تلك التي لم تكن أصلا عضوات، والسويد الاسكندنافية المحايدة حينذاك كانت واحدة منهمــ ضم تركيا، التي كان يحكمها آنذاك الثنائي الإسلامي المحافظ جلال بايار، وعدنان مندريس، إلى الناتو، إلا أن واشنطن أصرت وبشدة على انضمامها وكان لها ما أرادت.. أما الآن فتبدلت الصور وانقلبت المواقف.
في مقابل التصعيد التركي المتواصل والمُصمم على القول «لا لمحتضني الإرهاب والإرهابيين»، توالت ردود فعل وكلها أجمعت على أهمية الأخذ في الاعتبار مخاوف أنقرة، فالرئيس الفنلندي يبدي استعداده لبحث كل المسائل التي تثير «قلقها»، ثم مستطردا في عبارة ذات مغزى «بوصفنا حلفاء داخل حلف شمال الأطلسي، سندافع عن أمنها ونحن ندين الإرهاب بكل أشكاله».
وفي تصريحات أدلت بها لصحفية «كوريري ديلا» الإيطالية، الخميس 18 مايو، قالت رئيسة وزراء فنلندا سانا مارين، إنه «يمكن حل كل مشكلة وجدل عبر النية الحسنة».
وعلى النهج ذاته، حذا أمين عام حلف الناتو، ينس ستولتنبرج، الحذو نفسه، وخلال مؤتمر صحفي مع رئيسة وزراء الدنمارك، ميت فريدريكسن، في العاصمة كوبنهاجن، ردد المقولات نفسها، فقد أضاف «أعتقد أننا سنصل إلى قرار مشترك حول هذا الأمر».
أما وزير الدفاع البريطاني، بن والاس، فثمن مكانة تركيا العضو المهم جدا، التي تقدم بالفعل مساهمات كبيرة، وأن هناك طريقة للتغلب على رفضها، وبالتالي طمأنتها، ومعه صار وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، على المعنى عينه دون زيادة أو نقصان.
لكن تبقى المعضلة من وجهة نظر تركيا كما هي، إذ لم يتطرق لها أي مسئول أوروبي أو أمريكي، بعبارة أخرى فما تعانيه الدولة التركية يخصها وحدها.. وهكذا بدت ردود الفعل ومن فرط عموميتها ونزعتها الأخلاقية وكأنها تطييب خواطر للأتراك لكن في النهاية ما شرعوا فيه سيحدث، وستصبح فنلندا والسويد، العضوين رقم 31 و32 على التوالي في حلف شمال الأطلسي.
الغريب الذي يدعو للدهشة، أن هناك على الأقل، جزء من أوجاع الأناضول نتيجة الإرهاب، يتفق فيه الأوروبيون والأمريكيون، وهو الخاص بمنظمة حزب العمال الكردستاني باعتبارها إرهابية، لكن بقية التنظيمات وهي عمليا جزء منها أو على الأقل، ذات نزعات انفصالية، يبدو أنه لا غبار عليها أوروبيا.
وبالتالي ليس بمستغرب أن يجد المتابع عناصرها، وهم يتجولون في شوارع استكهولم، وفقا لما ذهب إليه عمر تشليك، المتحدث باسم العدالة والتنمية، الذي يقوده أردوغان وهو مُحق.
أما في موطنهم بالشمال السوري، فيشكلون دويلة داخل الدولة السورية مدعمون بشكل صريح وواضح أمريكيا.
فما العمل إذن، وما هي الخطوة التي على تركيا اتخاذها؟ وهنا تجدر ملاحظة مفصلية وهي أن قسوة الحاصل حاليا، لا يقلق ويزعج أردوغان ونظامه فحسب، بل غالبية الأتراك يتشاركون الهم ذاته.
فأمام الـPKK (منظمة حزب العمال الكردستاني)، الجميع متحد، ومن ثم فأي إجراء سيتخذه سوف يجد التفافا من كافة القوى السياسية حوله.