خاص صديق العائلة.. محسن عبدالعزيز يتحدث عن يوسف إدريس وأصدقائه المبدعين

علاقته بـ"نزار" وكيف تنبأ بمستقبل "نوال" وتحدث عن رقة إحسان

في زمن لم يعد يعترف أو يكترث بالرسائل المكتوبة بخط اليد كطريقة للتواصل بين الناس، تأتي بعض الرسائل بين الحين والآخر في صورة كنوز تحفظها وتحتفظ بها الأوراق، وهو ما ينطبق على أوراق ورسائل الكاتب الكبير د. يوسف إدريس، والتي توثق لحالة إبداع ورُقي بين أطراف تلك المحادثات المتبادلة بينه وبين مجموعة من كبار القامات الذين منحونا فرصة ذهبية للاطلاع على ما كان يدور بينهم.

يحتفظ الأديب والكاتب الصحفي "محسن عبد العزيز" بنسخة من تلك الرسائل التي خرج بها من ملف متكامل عن أسطورة القصة القصيرة، بخلاف بعض الكواليس التي تحملها ذاكرته من حكايات علاقة صداقة وطيدة ربطته بالسيدة الراحلة رفيقة درب "أمير القصة العربية" "رجاء الرفاعي" أو "رجاء يوسف إدريس" الاسم الأقرب لقلبها، وكذلك الابنة الدكتورة نسمة إدريس.

"محسن عبد العزيز "صديق عائلة إدريس"

إنسانية متبادلة بين "إدريس ونزار"

بدأ حديثه بالرسائل المتبادلة بين "إدريس" ونزار قباني، قال عنها "إنسانية جداً" مشيراً إلى أنها كانت تتضمن حكايات عن "توفيق" نجل نزار قباني الذي يدرس في مصر، موضحاً أن "إدريس" كاد أن يكون الوصي عليه، فيتابع دراسته ويطمئن على أخباره بالكلية وينقلها للأب، خاصة وأن "إدريس" كان له دور في تذليل بعض العقبات أمام التحاق توفيق بكلية الطب.

بدور الأخ كان يسأل عنه في فترة مرضه حيث أصيب توفيق بمرض نادر في القلب، فكان "إدريس" يتابع حالته في المستشفى ويسعى لتدبير كل أموره واحتياجاته خارجها، لذلك كانت طبيعة أغلب خطابات يوسف إدريس ونزار قباني عن الابن المشترك بينهما الذي يعتبره نفسه والده الموجود في القاهرة.

وقد ظل "إدريس" مهتماً بحالة الابن توفيق حتى حان موعد الرحيل، فراق أحزن الأبوين، وبحث "عبد العزيز" عن المكتوب عنه في الأوراق، فوجد خطاباً طويلاً لم يتمكن من إيجاد أولى صفحاته ولكن بعض كلماته كانت كافية لتحديد شكل العلاقة التي جمعت بينهما، كما تصف الحالة التي ألمت به بعد رحيل "توفيق."

"أحبك بلا حدود"

وجاء في جزء من الخطاب بخط يد "إدريس": "أتذكر يوم جئتنى يا نزار ومعك شاب جميل شامخ، ابنك الأول توفيق الذى لم أره فى زياراتى لك، إذ إن علاقتنا رغم تغويرها فى نفسى ونفسك، إلا إنها، كما كنا دائما نذكر، نضحك. أحدث علاقة لكلينا فأنت آخر من عرفت شخصيا من الكتاب والشعراء العرب، فكنت أعزهم ربما لذلك وربما لأن الانسان لا يملك أمامك سوى التسليم، تطل منه بشخصك وصوتك الحنون والطفل الذى يهتف فرحا للحياة وبالحياة ويقفز من ملامحك فجأة كلما فتحت فمك، شاعرا أو محدثا، لا يملك الانسان إزاءك إلا أن يحبك بلا حدود، حتى لو اختلف معك يحبك أكثر، فإنه كما يشعر أنه اختلف مع أعز عزيز لديه، مع ابنه أو أبيه أو أمه، وأنه ارتكب، لابد المعصية.

"ابن موت"

وفي جزء لاحق من الرسالة كتب: "سافرت وتركت لى توفيق أمانة أحل محلك فيها، وأحل لك المشكلة، وحلت المشكلة فعلا، ودخل توفيق أخيرا كلية الطب، ورغم إلحاحي عليه فلم يكن يأتىي لزيارتىي فى الأهرام إلا قليلا، وكنت حين يهل علي من باب المكتب أراه بعينيك أنت فأكاد أدمع فرحة به، الشاب الرجل الجميل المهذب المقطر عذوبة وذكاء وأدبا، كان ابن موت فعلاً، ولكن موت لم يكن يخطر على قلب بشر، فلقد جئتني مرة ذات حين وبصحبتك توفيق وكنت عابس الملامح مغبر اللون فعرفت أن قلبك يعاني، وبشدة، ولكنه لم يكن قلبك أنت، كان قلب توفيق.

"من التلميذة إلى الأستاذ"

أما عن خطابات الدكتورة نوال السعداوي فكما وصفها "عبد العزيز" كانت رسائل التلميذة للأستاذ، موضحاً أنها كانت تبعث إليه بخاطابات تشكو فيها من بعض الأمور، كما نشر لها "إدريس" قصة وتنبأ لها بمستقبل باهر، بل وأرسل إليها هذه القصة القصيرة ومقدمة مسرحية «إيزيس».

ومن هذه الرسائل ما كتبته السعداوي لـ"إدريس" قائلة: الصديق العزيز يوسف إدريس تحياتى وتقديري وشكرا كثيرا على كلماتك، مجلة "شموع"  إن أي مجلة يكتب فيها يوسف إدريس تستحق منى أن اشتريها وأقرأها.

 لقد قاطعت معظم المجلات والصحف المصرية قراءة وكتابة لأسباب متعددة، وكنت أنوى طبع مسرحيتى «إيزيس» دون نشر فى المجلات لولا ظهور «شموع» وكلماتك فيها.

كذلك كنت أنوى نشر مجموعتي القصصية الجديدة دون نشر فى المجلات والصحف، لكني أرسل إليك قصة منها وهي «بيوتيفول» إذا رأيت بعد قراءة المقدمة أن المسرحية يمكن أن تنشر على حلقات مثلا، فأرجو إخبارى لأرسلها إليك، لكن يهمني نشر المقدمة كمقال قبل نشر المسرحية، على أي حال إذا لم يمكنك نشر أى شيء فى «شموع» فإنى أقدر لك جهودك الكبيرة لتشجيع الفن الحقيقي.. لك تحياتي وتحيات شريف. نوال السعداوي

"إحسان أرق فنان"

وقبل استكمال حديث الذكريات مع "عبد العزيز" تطرق للحديث عن التكنولوجيا التي أفقدتنا وحرمتنا من الرسائل المكتوبة بخط يد الأدباء والمبدعين، مشيراً إلى أن اقتناء مثل هذه الوثائق وإعادة نشرها تأتي بمثابة فرص ذهبية لإعادة تلك المحادثات القيِّمة إلى الواجهة.

وإلى رسالة بعنوان "إحسان يا أرق فنان" انتقل "عبد العزيز" للحديث عن علاقة "إدريس" بـ"إحسان عبد القدوس" التي أثارت حيرة البعض بخصوص ماهية تلك العلاقة وهل كانا أصدقاء بالفعل أم وقعت بينهما بعض الخلافات، وهو ما أشار إليه "إدريس" في أحد الخطابات، كتب فيه "دهشت أنا والزملاء المفصولون أو المعزولون نفكر فى مقابلتك، دهشت لأنهم اقترحوا عدم ذهابي وحين سألت باستغراب: قالوا: لأنه ضروري يكرهك وضحكت بسخرية كبيرة، فأنا أراك غير قادر على الكره، ربما أنت أيضا لا تريد الحب ولكنك بالتأكيد لا تكره، غير أنى بعد أن خلوت لنفسى أدركت أن شيئا ما كان وأن هناك بينى وبينك شيئا هو الذي حال أن أصبح صديقك أو نتقارب أكثر، شيئا لا أستطيع تحديده، ولكن هناك ولعلك سوف تعجب لهذه الرسالة وتقول إنها من إنسان يطمع منك فى حاجة، فإذا عرفت أنى لا أطمع منك أو حتى من الصحافة كلها فى شيء، فأرجو إذن أن تأخذ رسالتي بمأخذ آخر، وهي أن أحدا لم يحرز مجدا ككاتب قصة كما أحرزت، ونجاحا لم يعرفه أحد مثل ما عرفت، طول عمرك ناجح ورئيس تحرير، طول عمرك سيد نفسك، ورغم هذا فالغريب أن إنسانا بهذا النجاح لا يكمله، وإنما سأبتلع من أجلك ومن أجل مصر ما لحقني من إهانات. 

إن بلدى هي كرامتي الكبرى فأنت رمز كرامتها، وأنا يغيظني أن تشوه صورة بلدي على هذا النحو، وأن تأخذ قضية المعزولين أو المنقولين وما يضر قضيتنا الوطنية نفسها، إني أهيب بك أن تصفح، وإن كنت لاتزال غاضبا أن تنفث الغضب وما هكذا كنا نرى عهدك، إنه لا يمكن أن يكون عهد انتقام أو تنكيل.

إلى آخر الرسالة التي كانت تمهيداً لعلاقة صداقة وتقارب في وقت لاحق خاصة بعد أن عملا معاً في جريدة "الأهرام".

"سيدة من طراز فريد"

ومن رسائل "إدريس" ورفاقه المبدعين إلى بعض الحكايات التي رواها "عبد العزيز" عن السيدة "رجاء" زوجة الأديب الكبير يوسف إدريس التي رحلت عن دنيانا في مارس 2021، وكانت تربطها بـ"عبد العزيز" علاقة قوية بدأت بحوار صحفي أجراه معها قبل عشرين عاماً تقريباً، ليصادفها بعد فترة طويلة في إحدى الندوات التي أعادت بينهما الصلة والحديث.

"سيدة من طراز فريد" هكذا وصفها "عبد العزيز" مؤكداً تميزها بذوق فني عال جدا، كانت تتحدث عنه "إدريس" الذي لم يكن يكتب قصة إلا ورجاء جالسة أمامه، ويقرأها عليها ورأيها أحياناً يجعله يغير القصة أو يمزقها، لهذه الدرجة كانت هذه السيدة مؤثرة في حياة يوسف إدريس.

وقد ذكر الكاتب سليمان فياض واقعة في أحد كتبه عن السيدة رجاء، حين أعجبت بكتابه فقال له "يوسف إدريس"طالما رجاء بتشكر في القصة يبقى أنت عديت".