سواء كان في يده هاتفه الرقمي أو مصورته الحديثة، فإن عين الفنان الشاعرة هي التي ترسم الكادر، وتتابع رحلته من الخيال إلى الشاشة، ولم لا ونحن أمام عين تضع يدها على قلب البلاد، وتنقل نبضها الحي.
أستمتع بمتابعة النبض شبه اليومي للحظات الهاربة، التي يضعها الفنان اليمني أحمد عبد العزيز، يعيدني بعضها إلى زيارة وحيدة إلى عدن، ويحضر لي بعضها الآخر مشاهد متجددة، وكأنها تقول: أنا عدن التي تحتفل بالحياة، أنا المدينة التي تنادي الماء من فوق المعلا، أنا هنا لا أكِّل من اقتفاء أثر الأمل.
التشكيلي والمصور اليمني أحمد عبدالعزيز
منذ مولده عام 1956 في مدينة مقديشو العاصمة الصومالية حينها، وهو يتجه لدراسة الفن، قبل التخصص بالإخراج السينمائي الوثائقي، وقد درس الرسم في معهد دانتي أليجيري.
وأقام أول معارضه في مقديشو بالمركز الفرنسي (معرض مشترك مع الفنان علي حسين)، ليتنقل بعد ذلك بين مدن جدة وصنعاء وعدن حيث استقر، ليقدم لنا من هناك بثه الحي للصور الفوتوغرافية، دون أن ينسى بين حين وآخر عشقه للرسم بين التجريد والبورتريه.
عالم عدن اليومي والحي، يتوزع بين الأسواق المفتوحة، والشوارع الضيقة، والغرف المغلقة، لكنه دائما يستحضر النور ليضيء ذلك كله، حتى لو كان يصور غرابين يحومان أعلى سطح ما.
هنا تحضر القطة الأليفة، والأخرى الشاردة، والكلب، مثلما يحضر الإنسان الكاد في سعيه، والمهمومة والطفلة المنطلقة، والأهم ربما يحضر توثيق الحياة والمكان، المحال بلافتاتها، بائع السمك، لاعبو الشوارع، الذاهبون إلى الاجازة، والجبل كأنه يراقب الجميع.
أجابني: "سيرتي الوجودية تشابه سير الكثيرين من حيث المقدمات والمسارات التعليمية والتفاعلات الاجتماعية.. فقد كانت طفولتي الأولى مقرونة بالعاصمة الصومالية مقديشو والتعليم الأساسي باللغة الإيطالية والفضاء الفني الواسع بتنوع جدير بأي مدينة متعددة المنابع الثقافية.. كما كنت من أسرة عاشقة للمعرفة ومكاشفة للأسئلة الحياتية المتنوعة.. وأعتقد جازمًا أن هذه العوامل كان لها أثر في علاقتي بالفن بالمستويات التشكيلية والفوتوغرافية والسينمائية.
قال لي أحمد عبد العزيز: "أعتبر أن التصوير بالكاميرا يوازي تماما الرسم بالضوء وبهذا المعنى لا أرى فارقا في القيم التعبيرية بين التشكيل والفوتوغراف؛ إلا من حيث الحساسية المرتبطة بأدوات التعبير.. فإذا كان التشكيل منطلقا من مركزية اللون فإن الفوتوغراف ينطلق من مركزية الضوء".
الحالة التشكيلية في اليمن رافد من روافد الحالة العامة في وطن تاهت فيه الدولة وتعلقت فيه القوانين الناظمة لحياة الناس على مشجب الفوضى. وفي مثل هذه الأحوال تنبجس قيم فنية مجاورة للتراجيديا الحياتية.. مشبعة بالآمال والمكاشفات والتجديدات"
وحين سألته أن يختار للقراء مجموعة من صوره ولوحاته، قدم لي تلك المجموعة التي كتب تعليقا لها شقيقه المبدع عمر عبد العزيز، رئيس تحرير مجلة الرافد:
الاشتغال الفني على الأبيض والأسود
صورة الباب المرسوم بالحبر هو مفتاح الولوج للبعد الثالث المنظوري.. وهذا النمط من التكوين يتسع لنا وراء المرئيات في ذات الوقت الذي يتحول فيه الباب، إلى (مفتاح صول) الذي يموسق الاشتغال الفني على الأبيض والأسود
صورة فوتوغرافية تعتد بتناغم الأبيض والأسود فيما تحيل المرئيات إلى بعد (ميتافوري) عابر للمجسمات.. وتسترخي البنت مع خيالات إبحارها وكأنها تستنطق المشهد المحيط بها.
البنت.. محور الارتكاز الدلالي
البنت بوصفها محور الارتكاز الدلالي للموضوع لا تحتل حيزا كبيرا في المساحة لكنها تحتل حيزا أكبر في التعبير
يمكنني القول بأن الفنان الكبير أحمد عبدالعزيز يتميز بقدرته الفائقة على الرسم بالضوء.. بل على تلوين الضوء مستخدما أبسط كاميرات التلفون.. وهذه اللقطة شاهد كبير على هذه القدرة الفائقة في الاستنشاق اللوني ولو عبر عدسات الكاميرا.
الاستنشاق اللوني عبر عدسات الكاميرا
أستطيع وصف هذه التجربة باعتبارها رسما خارجا من تضاعيف الكاميرا ومبهراتها العابرة للمألوف، وبالطبع يطول الحديث عن التكوين المتوازن والأبعاد المختلفة للمشهد المعبر "أولاد الحارة مع الدراجة والوسط المحيط".
عباب التكوين اللا مألوف
بالإضافة إلى ما أسلفت حول قدرة الفنان أحمد عبدالعزيز على الرسم والتلوين بالضوء، سنرى في هذه اللقطة كيف أنه يمتشق عباب التكوين اللا مألوف، عاقدا علاقة حميمية بين مستويين للنظر لا يبدوان متكاملين بالمعنى النمطي للتكامل.. لكنهما يتواشجان بالمعنى المونتاج البصري.. فيما يبدو هنا متفارقا يتصل ببعضه كما شريط (إيزنشتين) السينمائي.
البورتريه عند الفنان يتسم بخصوصية حد الاحتياط.. وهذه الخصوصية لا تقف فقط عند تخوم التعبيرية الموشاة بحزن دفين.
تكاشف مكابدات البشر من خلال الأنثى
بل تكاشف مكابدات البشر من خلال الأنثى وتعبيراتها الغائمة في الغيبوبة الشكلانية وتبئير النظر للغة العيون.
كما أن الفنان يقدم هنا مصفوفة بصرية تكرارية في ظاهرا لطنها تتجوهر في الواحدية الرائية للخوارزميات النظمة لمعنى (الفرق في عين الجمع) وتلك مقولة البرعي الصوفي وأمثاله من الرائين القائلين: على العقيق اجتمعنا.. نحن وسود العيون.
من عجائب التصوير الفوتوغرافي عند أحمد عبدالعزيز اعتداده بالعلاقة البصرية الجمالية بين النور والظلام عبر مقتضيات الإضاءة الفيزيائية القادمة من المصابيح، مع ابتكار نماذج تكويني عسير على العين التقليدية.
الإمعان في إظهار الإبهار النوراني
وهنا انعكاس توازني بين صورة (المول) والماء، والإمعان في إظهار الإبهار النوراني من خلال توشيات الدكونة الليلية، لكنه المقترح غير المرئي في هذا التكوين قادم من فرضية صاعقة!
تذكرني مقترحات الفنان أحمد عبدالعزيز، المتصلة بالأبيض والأسود كما بالنور والظلام ما ذهب إليه ابن حزم الأندلسي في رسالته الهامة بعنوان (رسالة الألوان).
ما عليكم من نارها فهو نور
كما تذكرني أيضا بما ذهب إليه الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي في قوله: ما عليكم من نارها فهو نور.
الوجه الماثل يمنح الفنان أحمد عبدالعزيز قدرة على التخييل المرتبط بمفهوم النظر، فها هو يقدم لنا مرئيات الأشعة ما فوق البنفسجية وما تحت الحمراء وكأنه يشير بالبنان لضعف رؤيتنا البشرية إزاء قدرات الطيور والأسماك.
مرئيات الأشعة ما فوق البنفسجية وما تحت الحمراء
وقد لمحت مثل هذا الاشتغال الذكي عند الفنانة الإماراتية نجاة مكي مع فارق بينها وأحمد. فالفنان نجاة استنتجت الوسائط التقنية الضوئية بحثا عن منظورات بصرية جديدة.. فيما استنطق الفنان أحمد الوسيلة اللونية البحتة ليقدم هذا المقترح.
الوجه بهذا المعنى ليس بورتريه بل منصة تعابير متنوعة تتداخل فيها المرئيات (الغائبة) عن عيوننا.. مع منمنمات وتوشيات رقشية وأزنة.
الجامع المشترك بين اللوحتين الماثلتين انهما صادرتان عن حالة من الجذبة الصوفية المحكومة بالتهادي والتنادي.. ويمنح الفنان حالة الغيبوبة الواعية قيمة جمالية خاصة من خلال النسوة اللائي يترنحن مع أحوال الوجود وهن يعقدن مصالحة مع الزمان والمكان.
الجذبة الصوفية المحكومة بالتهادي والتنادي
جوهرية ومركزية الأنثى في الوجود
وهنا نلحظ الخيط الرفيع الذي يمسك الفنان به دوما.. جوهرية ومركزية الأنثى في الوجود.. مذكرا إيانا بقول ابن عربي: ما لا يؤنث لا يعول عليه، بقية العناصر الفنية في اللوحتين تستجيبان لذلك النداء الداخلي واجب التحقق.
لقطتا الجبل، تضعنا أمام شكل من أشكال الاسترخاء في الطبيعة عبر عدسات وامضة بالجمال والجلال فيما يشبه استرخاء المحارب بعد خاض غمار الحروب.
الجبل.. شكل من أشكال الاسترخاء في الطبيعة
الجبل.. استرخاء المحارب
البعد الثالث المنغوم بشعشعانيات الطبيعة والمياه الياقوتية ملامح آخر في استرواحات الفنان أحمد عبدالعزيز، وفيها يتقمص روح الكاميرا وقابلياتها في النقل الإبداعي للصور المرئية.
التداعي الحُرّ
اللقطة الأخيرة أبرز ما يميز الموتيف الماثل أنه تعبير عن التداعي الحُرّ مع القلم السيال.. والتكوين غير القادم من مسبق ذهني، والتَّطيُّر الذي يميد بالبنان نحو عوالمه الداخلية المتوثبة.
التداعي الحُرّ مع القلم السيال
ويعقب الفنان أحمد عبد العزيز في ختام الحوار الثلاثي:
" أعتقد أن الفنان المعاصر يواجه قلقا وجوديا مزاجه التشتت والحيرة.. ما يقتضي مصالحة هذا القلق بمزيد من العطاء والإنتاج.. فبدون ذلك يصعب عليه الخروج من دائرة الحيرة والكآبة، بالنسبة لي أجد في التصوير الفني الفوتوغرافي قابلية واسعة لالتقاط شواهد الحياة ومعقول اللامعقول في الطبيعة.. كما أجد في الرسم فرصة للإبحار في دواخل الأنا الرائية المتأملة".