بانوراما "الغائب الحاضـر" في تكيِّة أبو الدهب
لافتات "الحرافيش" و "الأوسمة" و"النياشين" تخطف الأنظار.
لقاء السحاب بين "توفيق الحكيم و"محفوظ"
"كنت أحلم بمجتمع يقوم على قيم ثابتة أولها الحرية والعدالة الاجتماعية والعلم والقيم السامية المستمدة من جميع الأديان وخصوصًا الدين الإسلامي".
هكذا استقبلنا "نجيب محفوظ" بمتحفه ومركز إبداعه في تكية محمد بك أبو الدهب بحي الأزهر، كلمات قالها في إحدى اللقاءات التليفزيونية، وكانت خير بداية لرحلتنا إلى عالم متحف "محفوظ"..
تكية أبو الدهب
كلمات تقرأها وعيناك على نجيب محفوظ الذي ينظر إليك من قلب صورته التي تتصدر مدخل المتحف، مُبتسمًا ومُرحِبًا بزواره ومحبيه.
حيرة شديدة تملَّكتني للحظات بحثا عن نقطة انطلاق في دنيا "محفوظ" ابن الحارة المُخلص لها المُتشبع بهمومها وأحلام أولادها، تجولت بين عباراته وكتاباته المأثورة التي رأيت منها مقتطفات باللغتين العربية والإنجليزية فوقفت متأملة لها مُعتبِرة من معانيها.
التكية
" آفة حارتنا النسيان" من رواية أولاد حارتنا، "المرأة هي الحياة، الموت نفسه يكلل بجلالة الحق بين يديها" من رواية "حضرة المحترم"، و"عندما تتكاثر المصائب يمحو بعضها بعضًا وتحل بك سعادة جنونية غريبة المذاق، وتستطيع أن تضحك من قلب لم يعد يعرف الخوف" من رائعته "ثرثرة فوق النيل"، وغيرها الكثير من الأقوال المحفورة في القلوب قبل الجدران التي وضعت عليها في أماكن متفرقة داخل المتحف.
ومن لوحات ولافتات تحمل كلمات "محفوظ" إلى ركن "حرافيشه" الذي يبدأ بتعريف أصل كلمة الحرافيش واستعادة معاني وأصول الفتونة التي كانت يومًا مهنة، مرورًا بمعلومات مكتوبة عن مجموعة "حرافيش محفوظ" الذين كانوا يجتمعون أسبوعيًا إما في منزل أحدهم أو على أحد المقاهي.
كان منهم الفنان أحمد مظهر الذي أطلق تسمية الحرافيش عليهم، والروائي عادل كامل والدكتور يحي الرخاوي والكاتب الساخر محمد عفيفي والفنان التشكيلي جميل شفيق وفنان الكاريكاتير بهجت عثمان وغيرهم الكثير من الأعضاء الدائمين بمجموعة الحرافيش، والذين تقلص عددهم على مدار أكثر من أربعين عامًا،.
أبطال محفوظ
ودخل وخرج منها من يُطلِق عليهم "محفوظ" لقب عضو غير دائم مثل صلاح جاهين ولويس عوض ومصطفى محمود وأحمد بهاء الدين وثروت أباظة، وصولًا إلى توثيق مرحلة كتابة ملحمة "الحرافيش" عام 1977، وتوضيح أنها لم تكن عن "شلة" الأصدقاء المعروفة بل كانت تدور حول مفهوم القوة والسلطة في الفترة بين القرنين التاسع عشر والعشرين، وتسجيل مجموعة الأعمال السينمائية والتليفزيونية التي تناولت أفكار الرواية مثل أفلام الحرافيش، شهد الملكة، التوت والنبوت إلى جانب مسلسل الحرافيش بأجزائه.
لافتة أصل الحرافيش
ودون مقدمات وفي غمضة عين وجدت نفسي بجوار "محجوب عبد الدايم" و"علي" صاحب مأساة الحب فوق هضبة الهرم، وها هو "سعيد مهران" و"نور" التي تستحضرها صورتها المتجسدة في شادية فاستمعت لصوت "سعيد" بنبرة الفنان الراحل شكري سرحان مناديًا "نور.. إيه اللي جابك يا نور"، ومنهم إلى أبطال "ثرثرة فوق النيل" و"تحية" بنت "أفراح القبة"، حتى أسرتني نظرات "نفيسة" التي تقمصتها المُبدعة سناء جميل وغيرهم الكثير من أبطال عوالم نجيب محفوظ الذين تجسدت حكاياتهم من كتاباته وأصبحوا بفضله بشر من لحم ودم.
لحظات تحبس الأنفاس، وإحساس بالانتماء لكل بطل من الأبطال الموجودين في الصور التي تمتلئ بها الجدران، بل شعرت بالانتماء لمحفوظ نفسه.
أبطال محفوظ
لم أكن لأغادر موقع الصور واللقطات الفوتوغرافية التي توثق أعمال "محفوظ" السينمائية قبل إلقاء نظرة تحمل سلامًا على "السيد أحمد عبد الجواد" أو "سي السيد" كما عهدنا مناداته مثل الست أمينة، تلك النظرة التي تحولت معها في ثوانِ معدودة إلى واحدة من فتيات عالم بين القصرين وقصر الشوق والسكرية أشهر ثلاثية روائية وسينمائية.
ولم تستطع عيناي إلا أن تبقى مُعلَّقة على الجدار لمتابعة مجموعة كبيرة من الصور التي ترصد مراحل مختلفة من حياة الأديب الراحل، وأخرى تنقل لحظات السعادة في مناسبات التكريم والتقدير، وصور مع الأسرة والأصدقاء المقربين، بالإضافة إلى لافتات ترصد محطات فارقة في حياته مثل لافتة تحمل عنوان "مابعد محاولة الاغتيال" التي ترصد تفاصيل هذه الفترة العصيبة باللغتين العربية والإنجليزية، وكذلك لافتات بقائمة أعمال نجيب محفوظ الأدبية.
صورة من إحدى التكريمات
وفي قاعة الأوسمة والنياشين توالت الأسئلة داخل رأسي باحثة عن إجابة، "كيف كان هذا الرجل؟"، و"ما كل هذا الإبداع؟".
جوائز وشهادات محلية وعالمية
وكانت هذه هي الإجابة.. مجموعة ضخمة لن تتمكن من حصرها من الأوسمة والجوائز والنياشين وشهادات التقدير التي تلقاها داخل مصر وخارجها، منها شهادة تقدير حصل عليها من وزارة التربية والتعليم عام 1957 تكريمًا له بعد فوزه بجائزة الدولة في الآداب، وكذلك وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1968، ووسام الجمهورية 1972، وجائزة الريادة الذهبية من الجمعية المصرية لكتَّاب ونقاد السينما وجائزة "كفافيس" عام 2004، والدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية بالقاهرة، بالإضافة إلى شهادات وتكريمات من مهرجانات سينمائية وجوائز من اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وغيرها من الجوائز التي ضمتها لافتة بقائمة طويلة رصدت أبرز وأهم الجوائز التي حصل عليها وسعت لتتويج سنوات عطاء وإبداع "محفوظ" الذي وصل لأرفع الجوائز على مستوى العالم جائزة نوبل في الأدب.
قلادة النيل العظمى
ومن ركن الجوائز إلى "المكتبة" التي تضم مجموعة ضخمة من الكتب التي كان يقرأها ويفضلها "محفوظ"، روايات عربية وأدب إنجليزي وألماني وفرنسي وتاريخ إسلامي وفنون ونقد ومقالات لن تستطيع حصرها أو حتى تخمين عددها، ولكنها تحتوي على ما يقرب من 1200 كتاب وفقًا لما قاله عادل حامد" المشرف على مكتبة نجيب محفوظ.
ضبطت نفسي كغيري من الزوار في حالة ذهول تمتزج بالفخر والتقدير لقامتين كبيرتين هما "محفوظ" وتوفيق الحكيم الذي يعرض المتحف إهداءات كتبها لمحفوظ بخط يده داخل كتابين؛ الأول كتاب مختار تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن والذي كتب فيه "إلى الروائي الكبير والكاتب المؤمن الأستاذ نجيب محفوظ، مع أصدق المودة والمحبة والإعجاب"، أما الثاني فهو كتاب رحلة الربيع والخريف الذي أهداه إياه مع كلمات "إلى عبقري الرواية والقصة نجيب محفوظ".
إهداء توفيق الحكيم لمحفوظ على كتاب رحلة الربيع والخريف
واخترت أن يكون الختام من داخل قاعة المقتنيات الخاصة التي تضم مجموعة من المتعلقات الشخصية لنجيب محفوظ بحثًا عن "شخص" نجيب وأجواء بيته، رأيته على مكتبه يمسك بنظاراته وسماعات الأذن وحتى الدفاتر التي كان يدُّون بها ملاحظاته خاصة في الفترة التي كان يستعيد فيها قدرته على استخدام يده في الكتابة بعد محاولة اغتياله التي تركت أثرًا واضحًا على يده اليمنى بسبب الطعنات التي تلقاها بالرقبة.
وبعيدًا عن هذه الذكرى المؤلمة فإن التجول بين متعلقات "محفوظ" قد منحني متعة مشاهدة متعلقاته التي اشتهر بها عن قرب، فشعرت وكأن هذا المتحف هو بيت محفوظ الثاني الذي لم يكن ليتمناه أفضل من ذلك، خاصة وأنه يحتوي على عدد من الكراسي والطاولات التي توحي بأجواء المقاهي نظرًا لما كانت تعنيه تلك الأجواء في حياة محفوظ وأصدقائه الحرافيش.
صور تجمع محفوظ مع أقرب أصدقائه
ها هو القدر يمنحني فرصة التحول لواحدة من بطلات "محفوظ" والتواجد بين مُحبيه الذين يأتون من كل أنحاء العالم بحثًا عن أجزاء متفرقة من تاريخ وتراث محفوظ في سبيل استحضار روحه في الأرجاء.
"هل حان وقت الفراق؟" سؤال تبدل في لحظات "هل لي بإعادة الجولة من جديد؟"، ففي حضرة "نجيب محفوظ" كل الأشياء تحتاج إلى إعادة النظر والقراءة والمزيد من التعمق.
لوحتان من الفسيفساء يتوسطها وجه الأديب العالمي نجيب محفوظ ومن حوله مجموعة من معالم القاهرة التاريخية يقعان في مواجهة مدخل المتحف، كانا بمثابة التمهيد المثالي لبداية رحلة متعمقة في عالم محفوظ وكذلك حُسن الختام.
المتحف