نسج الإبداع في أبهى صوره، ورسم خيوطًا أدبية هادية لمن يأتي بعده، حتى أصبح أحد أشهر الروائيين المصريين والعرب، قبل أن يرحل عن عالمنا قبل سبع سنوات (18 أكتوبر 2015)، إنه الكاتب الروائي جمال الغيطاني.
شقَّ الغيطاني، المولود في مثل هذا اليوم (9 مايو 1945)، طريقه من قرية جهينة، إحدى قرى محافظة سوهاج بصعيد مصر، ليصبح أحد أشهر الروائيين في القرن الحالي، من خلال مساهمته في إحياء الكثير من النصوص العربية المنسيَّة وإعادة اكتشاف الأدب العربي القديم بنظرة معاصرة جادة، حتى بات أحد رواد الرواية والسرد في مصر والعالم العربي.
وُصف «الغيطاني» بأنه «صاحب مشروع روائي فريد استلهم فيه التراث المصري ليخلق عالمًا روائيًا عجيبًا يعد اليوم من أكثر التجارب الروائية نضجًا»، وقد تأثر كثيرا بصديقه وأستاذه الكاتب نجيب محفوظ، حيث لعب ذلك دورًا أساسيًا لبلوغه هذه المرحلة مع إطلاعه الموسوعي على الأدب القديم.
استطاع الغيطاني أن يجمع بين الأصالة العميقة والحداثة الواعية في كتاباته، والتي حول أغلبها إلى نسخ رقمية يسهل تبادلها عبر شبكة الإنترنت.
تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة عبد الرحمن كتخدا، وأكمله في مدرسة الجمالية الابتدائية، ثم أنهى الإعدادية من مدرسة محمد علي الإعدادية عام 1959، والتحق بمدرسة الفنون والصنائع بالعباسية.
الأديب جمال الغيطاني
عاش الغيطاني داخل أسرة فقيرة، وعمل وهو طفل في مهنة صناعة السجاد، ثم بأحد مصانع خان الخليلي، قبل أن يعمل سكرتيرا للجمعية التعاونية المصرية لصناع وفناني خان الخليلي.
عن مهنة صناعة السجاد، قال الغيطاني إنه درس صناعة السجاد، التي أكملها بعامين في الصباغة والطباعة بكلية الفنون التطبيقية، وتعلم منها الإتقان والصبر الشديد، لافتا إلى أن «للسجاد كفنٍ علاقة بالتاريخ والرمزية». كما عمل الغيطاني مفتشًا حينها على بعض مصانع السجاد الصغيرة، ثم مشرفًا على مصانع السجاد بمحافظة المنيا.
كان لهذا العمل تأثير كبير على طريقة تفكيره وأسلوبه الروائي، و«بدا في رواياته كمن يعيد نسج وقائع التاريخ القديمة في أعمال إبداعية بطرق جديدة، وبطريقة محكمة».
الأديب جمال الغيطاني
في عام 1963استطاع الغيطاني أن يعمل رسامًا في المؤسسة المصرية العامة للتعاون الإنتاجي إلى عام 1965.
واُعتقل في أكتوبر 1966 لأسباب سياسية، قبل أن يُطلق سراحه في مارس 1967، حيث عمل سكرتيرًا للجمعية التعاونية المصرية لصناع وفناني خان الخليلي، وذلك إلى عام 1969م. وقيل إن اعتقاله كان بسبب انتمائه لتنظيم شيوعي.
وقال الغيطاني عن فترة الاعتقال: «حتي عندما لم يكن لدي أوراق وأقلام أدوِّن بها حكاياتي، كنت أكتب في مخيلتي.. فالحكي والقصص لم تفارقني حتي في أصعب أيام حياتي».
وعقب خروجه من المعتقل «تبلورت لديه رؤية خاصة تقوم على إعادة النظر في التراث الإبداعي العالمي كله، ليكون مجدداً وليس ناسخاً»، واعتقد الغيطاني حينها أن ذروة البلاغة المصرية قد كانت في العهد المملوكي، خلافاً للرؤية الأكاديمية التي تراه عصراً للانحطاط الأدبي.
في عام 1974 انتقل للعمل في قسم التحقيقات الصحفية، وبعد إحدى عشر عامًا في 1985 تمت ترقيته ليصبح رئيسًا للقسم الأدبي بأخبار اليوم. كان الغيطانى أحد مؤسسى الجريدة الأدبية «معرض 68»، والتي سرعان ما أصبحت اللسان الناطق باسم جيله من الكتاب.
في عام 1993، أسس الغيطاني صحيفة أخبار الأدب الصادرة عن أخبار اليوم، والتي باتت منذ صدور عددها الأول من بين أهم الصحف الثقافية في مصر والعالم العربي، وشغل الغيطاني منصب رئيس تحرير الجريدة.
الأديب جمال الغيطاني
كان جمال الغيطاني من «خبراء العمارة المعدودين ليس بالمعنى الأثري أو التاريخي، ولكن بالمعنى الفلسفي والصوفي»، وقام بجولات وشارك في برامج تلفزيونية وقراءات ثقافية عميقة في شارع المعز والجوامع «والبيمارستانات»، والمدارس القديمة.
واعتبر الغيطاني أن «العمارة أقرب الفنون للرواية»، وقال إنه استلهم منها كل طريقته في التفكير، حتى ذكر عند تسلمه وسام العلوم والآداب الفرنسي من درجة فارس: «اهتمامي بالعمارة هو لأن الرواية بنيان وعشقي للموسيقى لأن الرواية إيقاع».
بعد الانطلاقة الأدبية الأولى لجمال الغيطانى عام 1965، ظلّ ينشر قصصه في دوريات مصرية وعربية كثيرة، وانتمى بشكل ما لمجموعة مثقفين وكتّاب تقدميين ذوي ميول يسارية، منهم إبراهيم فتحي وأحمد الخميسي وغالب هلسا وسيد خميس وصلاح عيسى ويحيى الطاهر عبدالله وصبري حافظ وسيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي وغيرهم.
ووصفت مجموعته القصصية الأولى «أوراق شاب عاش منذ ألف عام»، بأنها «بروفة أولى على هيئة ماكيت لجميع النصوص السردية التي أتت بعد ذلك»، خصوصًا رواية «الزينى بركات».
جمال الغيطاني
يروي كتابه «رن»، الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب سنة 2009، رحلته عبر الذاكرة إلى مصر القديمة، ويسبر الكتاب في أساطيرها وتراثها المنسي، وتتوازي تلك الرحلة الروحية مع رحلة واقعية يقوم بها الكاتب، منطلقاً من هضبة الهرم باتجاه جنوب مصر، «لا يحمل معه إلا تهويماته التي يحملها عن أماكن بعينها لم يزرها وأشخاص لم يلتق بهم، لكنه يحاول تخليقهم من خلال الاسم ومن هنا جاء العنوان الـ«رن» من الكلمة الشعبية «شنة ورنة»، حيث الشنة هي الاسم والرنة ماهيته أو كينونته.
من بين أبرز روايات جمال الغيطاني «الزينى بركات» الصادرة عام 1974، والتي وصفت بأنها «أحد أهم الروايات البارزة في الروايات العربية»، وجسدت الرواية تجربة «معاناة القهر البوليسى في مصر»، وكانت تدور حول شخصية تدعى «الزيني» والذي كان يعمل كبيرا «للبصاصين»، أى رئيسًا للمخبرين، في عهد السلطان الغورى أوائل القرن العاشر الهجرى، وتصور الرواية معاناة الشعب من سطوة السلطان وصراع الأمراء واحتكار التجار وعيون البصاصين، ووصفت الرواية بأنها «نموذج من نماذج القهر والاستبداد التي تعرض له المصريون في هذه الفترة».
كما ترك «الزويل»، وهي رواية غرائبية عن زمن سحري، وتدور حول قبيلة «الزويل» التي تعيش بين مصر والسودان، والتي تخطط لحكم العالم،وصدر له أيضا رواية «البصائر والمصائر» والتي وصفت بأنها «واحدة من أخصب المحاولات الأدبية التي قام بها»، وصدرت عام 1988، وأبرزت الرواية التحولات الكبرى في المجتمع المصرى نتيجة الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات، و«تعبر عما جرى للمصريين اللذين حاربوا والذين خرجوا من الوطن وتغربوا في بلاد النفط»، وترجمت الرواية إلى الألمانية عام 2001، ووصفها المفكر السيد يس بأنها «المغامرة الإبداعية الأهم لجمال الغيطاني».
وتناقش روايته «حكايات الخبيئة»- الصادرة عن دار نهضة مصر للنشر- التناقضات الموجودة في النفس البشرية في ظل البطالة، وتداخل الرؤى الناتج عنها لدرجة انعدام الرؤية عند البعض، و«ينفذ الغيطانى إلى أعماق شخصياته للكشف عما هو متجذر في أعماق الذات».
على الرغم من علاقته الوثيقة بنجيب محفوظ، إلا أن الغيطاني «لم يكن في يوم من الأيام ساعيًا لتقليد محفوظ أو استنساخ شخصيته فقد حافظ على خصوصيته صامدة كما هي رغم قوة تأثير محفوظ عليه. ولم يحدث في يوم من الأيام أن أسقط ناقد أدبي علي أي تشابه بين نصوص المبدعين».
ومع ذلك، تتكرر أسماء الأماكن ذاتها في أعمال ونصوص الكاتبين مع اختلاف المعالجات، نظرا لأن الكاتبين معًا «وقعا في هوى القاهرة المعزية والوله والهيام بحي الحسين»، وذلك بالإضافة إلى اشتراكها معا في صفة الانضباط والانصياع لنظام في الحياة. وتشمل تلك الأماكن التي تتكرر أسماؤها في أعمال الأديبين قصر الشوق والغورية وخان الخليلي وشارع المعز وخوش قدم.
جمال الغيطاني ونجيب محفوظ
توفي الروائي المصري جمال الغيطاني في 18 أكتوبر 2015 عن عمر ناهز السبعين عاما في مستشفى الجلاء العسكري في القاهرة. وكان في صراع مع المرض إثر إصابته بوعكة صحية أدخلته غيبوبة لأكثر من ثلاثة أشهر.
سمي أحد شوارع القاهرة الفاطمية باسمه، وهو شارع متفرع من شارع المعز لدين الله الفاطمي، كما جرى إطلاق اسمه على إحدى المدارس بمسقط رأسه في محافظة سوهاج.