خاص قصر الحصن.. قلب أبوظبي النابض بالتاريخ والأصالة

حينما تقودك قدماك إلى ممرات تداخلت كنسيج مزخرف حاكته أنامل فنان فأنت تقف أمامه وجها لوجه. وعندما يتوقف الزمن بين يديك وتهرب الكلمات فتشعر بالعجز عن وصف ما تراه حولك من روعة وافتتان، فأنت على أبوابه، وحينما تأخذك الدهشة ويصيبك الانبهار فلا تدري هل أنت في عالم الأرض أم غيره من الأكوان؟

قصر الحصن | أبوظبيقصر الحصن | أبوظبي

وحده فقط قادر على أن يخطف بصرك فيرتعش قلبك وتلهو روحك، فلا تملك سوى أن تستسلم وتطلق العنان لقدميك لتصبح مُسيراً لا مخيراً أمام روعة وجمال وإبهار ودهشة "قلب أبوظبي النابض" التحفة المعمارية قصر الحصن.

من أين نبدأ وكيف تكون نقطة الانطلاق؟

صعبة هي الكتابة عن ذاك الصرح الذي يخطف العقول والأبصار، ويجعلك لا محالة تقف أمامه مشدوهاً مذهولاً متأملاً متيقناً بأنه تحفة نحتتها أيدٍ بشرية عبقرية تخفي وراء أبوابها مزيجا من الاتساع، العطاء، الظلال والأسرار.قصر الحصن - أبوظبيقصر الحصن - أبوظبي

يعتبر "قصر الحصن" شاهداً أصيلاً على بدء العمران في مدينة أبوظبي، وكيف لا يكون كذلك وهو أقدم بناء حجري على أرض المدينة منذ ما يزيد على 250 عاماً.

"قصر الحصن" الذي أطلق عليه سكان أبوظبي "الفيل الأبيض" نظراً لضخامة بنائه مقارنة بالمباني البسيطة والصغيرة المنتشرة حوله إضافة إلى لونه الأبيض الناصع.

ما أن تطأ قدماك أرض ساحة الحصن الشاسعة حتى ينتابك إحساساً بأنك قد امتطيت آلة الزمن لتعود إلى الوراء أزماناً بعيدة، سرعان ما تجد نفسك وقد امتزجت مع الماضي العريق بتفاصيله الدقيقة، مستعيداً الصولات والجولات التي عاشها الأجداد، هؤلاء القدامى الذين أسسوا هذه الأرض الطيبة.

يشدك في قلب فناء الحصن الداخلي، الذي يقع على يسار مدخل الحصن، ذلك الإرث الثقافي والتاريخي والتطّور الذي مر به عبر السنين، عبر تلك اللوحات التفاعلية التي تحكي التاريخ وتسرد الحكايات.

قصر الحصن - أبوظبيقصر الحصن - أبوظبي

تجذبك قدماك إلى تلك الغرفة المفتوحة، التي تمتلئ بالعديد من الكتب التي تقص عليك الذكريات التي تضفي إلى ذهنك معلومات تاريخية تحمل تفاصيل الحقبة الزمنية التي مر بها القصر.

برج للمراقبة

قصر الحصن | أبوظبيقصر الحصن | أبوظبي

تشرد بذهنك بعيداً لتقف أمام التاريخ وجهاً لوجه، لترى هذا الصرح وقد شُيد في البداية كبرج لمراقبة الساحل في تسعينيات القرن الثامن عشر خلال فترة حكم المغفور له الشيخ شخبوط بن ذياب آل نهيان، وبعد فترة قصيرة تحول إلى حصن ومسكن لحاكم أبوظبي مع انتقال مركز السلطة من ليوا إلى جزيرة أبوظبي.

وفي خمسينيات القرن الماضي، وخلال فترة حكم المغفور له بإذن الله الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان بدأ بناء المرحلة الثانية من "الحصن" ليتحول إلى حصن كبير يقف بين صف من النخيل والجزء الخلفي للمدينة، وكان أعلى وأكبر بناء في أبوظبي وداخل أسواره كان الحصن القديم الذي كان معلماً للسفن العابرة، وفي منتصف الستينيات من القرن الماضي، جرى إضافة دارين إلى ساحة المبنى الرئيسي.

قصر الحصن | أبوظبيقصر الحصن | أبوظبي

وخلال الفترة من 1979 و1985 شهد الحصن عملية ترميم ركزت على التصميم الداخلي.

وخلال فترة حكم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه"، جرى تجديد مبانٍ عدة داخل الحصن، حيث حول أحد المنازل بالحصن ليصبح مكتبه الخاص، ومرت العقود ليتحول هذا المبنى إلى رمز للعمارة في المجتمع الإماراتي وتعبير عن الذاكرة الجماعية لأبوظبي، الذي شهد داخله التقاط أول صورة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" في عام 1904.

هدوء وسكينة

قصر الحصن | أبوظبيقصر الحصن | أبوظبي

حالة من الهدوء والسكينة والروحانية تسيطر عليك وأنت تقف متأملاً فناء الحصن الداخلي، قد تعود تلك الحالة لجدران الفناء وأبراج المراقبة الأثرية والممرات المباشرة بين الأجنحة التي ما إن تمر على دكتها المرتفعة حتى يخطف بصرك جمال القبة المرصعة بالأحجار المرجانية النقية الأصيلة.

ويمنح بياض ساحة القصر والممزوج بالاخضرار الزائر الشعور بأنه أمام نقاء الصحراء وصفاء البيئة، حيث تسوّر زوايا الساحة سلسلة من النخيل وارفة الظلال، مكونة لوحة فنية تستحضر سيرة الزمن الجميل.

لوحة فنية

قصر الحصن | أبوظبيقصر الحصن | أبوظبي

نسمة هواء عليلة تدخل صدر الزائر دون أي استئذان ما إن يخرج مرة أخرى إلى الساحة الخارجية لقصر الحصن، ليجد نفسه أمام لوحة فنية مستلهمة من بيئة إماراتية تسكن في وجدان الناس، تستقبله تلك اللوحة التي تسرد التاريخ ممزوجاً بالفنون التراثية المختلفة عند ساحات القصر، والنياق التي تحمل النساء وهن يرتحلن بحشمة الأولين، الحالمين بأناقة المكان.

إرث التاريخ

ولأننا لا يمكن أن نرى الحاضر بعيداً عن التاريخ، فإن "قصر الحصن" يعد فاصلاً ملهماً ما بين الماضي والحاضر، فلا يمكن للزائر أن يكون في قلب الحصن ويغيب عن عينيه جمالية العاصمة، ومدى تطورها، حيث يبدو العمران أبراجاً شامخة، بارزة تكوّن خلفية جميلة للقصر التاريخي المجيد، مشهد عبقري يجعلك تعيش الزمن بتفاصيله التي تبهر العين وتبعث الدهشة في النفوس.

قصر الحصن - أبوظبيقصر الحصن - أبوظبي

وسط كل هذا الإرث التاريخي الثقافي الحضاري لا يمكن إلا أن نتذكر أن هذا الصرح قد استعمل في عام 1968 منزلاً عتيقاً لحفظ المعلومات، حيث عُرف اليوم بالمركز الوطني للوثائق والبحوث، ومع استكمال أعمال الترميم في عام 1980 شغل المركز كل الغرف والأقسام التي يتكون منها القصر.

وفي عام 2018 تحول القصر إلى متحف وطني، ليصبح اليوم رمزاً حضارياً يعكس تطور أبوظبي من منطقة لاستقرار قبائل بني ياس، التي اعتمدت على صيد السمك واللؤلؤ في القرن الثامن عشر، إلى واحدة من أروع العواصم العالمية الحديثة.

الجولة في أرجاء "قصر الحصن" وبين غرفه المتداخلة وقاعاته صعوداً ونزولاً، والنظر في أرضياته وأسقفه وجدرانه تختصر معنى السياحة الثقافية لدولة الإمارات وليس مدينة أبوظبي فحسب، فمن عند ذلك الصرح الملهم تستكشف التفاصيل، وتقرأ سطور التاريخ، وتزور البدايات، وتحتفي بالجذور.

قصر الحصن | أبوظبيقصر الحصن | أبوظبي