«بحيرة خالد».. كرك المحبة وحاضنة الذكريات ونور الإمارة الباسمة

تجسد بحيرة خالد في الشارقة، رئة الإمارة الباسمة، فهي خلاصة الفكر وجوهر الروح وحكمة الفلسفة، ولمَ لا وهي المسرح والصرح والقصر والنور، تلك التي تروي الشعر لمن تشبث بالمجاز، معلنة أن عناقيد الضياء شاهدة على التاريخ الأصيل لبلادنا.

هي الحاضنة الكاتمة لأسرار وذكريات من تحملهم أرضها من مختلف الجنسيات، وهي المقهى الشعبي، الذي يلتف حوله الجميع، وهي أيضاً أعمدة الخيزران والحشائش الخضراء والانطلاق الذي يشق عالم الأضواء، هي أكواب الكرك والحليب والزنجبيل التي تختلط بالنسمة والضحكة والذكرى والشجن، حتى الألم مع مياهها.

هي تلك البحيرة التي ارتبطت بعلاقة وطيدة مع البشر، بل ونجحت في أن تجعل لنفسها مكاناً مرموقاً وسط المناطق السياحية في العالم العربي كله، ليصبح الجمال عنوانها الدائم.

هي الأساس الذي بنيت عليه المشاريع العمرانية، وهي من تحتضن الهوايات الرياضية والجلسات الاجتماعية، تلتف حولها المساجد رائعة الجمال، وعلى ضفافها، خُصصت الحدائق والمسطحات الخضراء والمتنزهات، وإليها تسابق رجال الأعمال من أجل حجز أماكن لأفكارهم الناجحة، التي خرجت للنور على هيئة مراكز للتسوق وفنادق ومتنزهات.

زخم الكورنيش

عندما تنظر إلى ضفافها، لا تملك سوى أن تطلق العنان لعينيك لرؤية هذا الكم من الزخم البشري المتناثر على كافة أرجائها، ورغم الازدحام إلا أنك لا تكاد تسمع صوت الآخرين، فالجميع في حالة تأمل وهدوء واستجمام، هكذا تجد الجالسين على الحشائش الخضراء للبحيرة الخالدة، وكأنهم قرروا التخلص من عناء الدوام طوال أسبوع طويل.

وعلى الجانب الآخر من الكورنيش تجد المقاهي العالمية والمحلية ولا يسع عينيك النظر لمرتاديها.

كيف لك أن تتجول فيما يقرب من 172 ألف هكتار هي مساحة تلك البحيرة؟ سؤال يلح عليك ما إن تطأ قدماك أرضها.

التجوال عبر كورنيش بحيرة خالد سهل، لكنه يكون الأصعب، عندما تجد نفسك أمام مكان يُقدّر طوله بنحو 5 كيلومترات ونصف الكيلو متر تقريبا.

هنا يجد الزائر نفسه مسيّراً لا مخيّراً، حيث يصول في جولة طويلة شاقة، لكنها ممتعة على تلك الأرض، التي قامت بلدية الشارقة بتشجير وزراعة وتزيين كورنيش البحيرة الخالدة بحزام أخضر من أشجار النخيل ونباتات الزينة، وزوّدته أيضاً بإنارة هادئة وكراسي جلوس ما جعل هذا الكورنيش، بنافورته العملاقة، مَعْـلَـماً حضارياً ليس فقط على مستوى دولة الإمارات، بل وعلى مستوى دول الخليج والدول العربية.

حكايات المجاز

بحيرة خالد تعني الكثير من الأماكن الثرية المستلقية على ضفافها، ولا يمكن أن تكون نقطة الانطلاق، إلا من عند تلك النقطة الفاصلة التي تعد من أهم وأجمل وأكثر المناطق حيوية على ضفاف البحيرة، وتقع تحديداً وسط مدينة الشارقة، وهي واجهة المجاز المائية، التي تسرد وتحكي تاريخ الأولين، وإنجازات الأجداد عبر العرض العبقري، الذي تؤديه نافورة الشارقة العالمية بالصوت والضوء.

تلك الواجهة التي اُفتتحت في مارس 2012، وجرى إنجازها بتكلفة 120 مليون درهم، وفق أعلى معايير المواصفات العالمية.

تجذب حواسك، تلك الأضواء المنبعثة من تلك النوافير الموجودة على شاطئها، وتتمايل يميناً ويساراً، وتعلو فترتفع معها الأعين إلى السماء.

هكذا تحكي المياه، التاريخ بلغة بسيطة وشيقة وممتعة، يستطيع حتى الصغار أن يفهمونها، هناك وعلى أنغام الموسيقى الراقية، تتجسد صورة (المغفور له بإذن الله تعالى) الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه"، عبر تقنيات الليزر وإلى جانبه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وصوت الرواة عالياً يسرد ويحكي قصة كفاح شعب.

نور على نور

ويشكل جامع النور في الشارقة روعة التصميم العمراني المبني على طراز المباني العثمانية التركية الشهيرة بكثرة قبابها. 

وأضاف المسجد، لبحيرة خالد رونقاً وجمالاً مرتبطين برونق وجمال المعمار الإسلامي الذي تفتخر الشارقة بشيوعه فيها.

ويجسد المسجد في الحقيقة تحفة معمارية رائعة، شُيدت على الطراز العثماني، وتقف أمام قبته الضخمة التي تعلو القاعة الرئيسية للصلاة لتشاهد تلك المجموعة من القباب الصغيرة والمتوسطة والكبيرة التي تحتضنه.

ولا يمكن أن يختم الزائر جولته في بحيرة خالد، من دون أن يقف ويتأمل «قوارب العبرة» تلك التقليدية التراثية في الشرق الأوسط، التي تعتبر وسيلة تنقل مشهورة وطريقة مثالية للاستمتاع بمنطقة الكورنيش.

تلك القوارب الخشبية التي استطاعت الشارقة أن تقدمها وتحافظ عليها، بل وأيضاً تجعل منها عنصر جذب للسائحين، الذين يتوافدون بكثرة على رحلاتها البحرية القصيرة في البحيرة، لإلقاء نظرة فريدة على أفق المدينة، ومعالم الجذب الثقافية والاسترخاء والاستمتاع على ضفاف البحيرة.