الحرب في أوكرانيا.. فرصة سانحة لتعظيم التجارة البينية العربية

إن إحدى السنن الكونية، هي أنه حتى في بطن المحنة تأتي المنحة، وأن مصائب قوم عند قوم فوائد. 

ولعل الوضع الحالي، الناتج عن الحرب في أوكرانيا، والانهيار الحادث في الاقتصاد العالمي، هو أحد النماذج التطبيقية لتلك السنن، بما تشمله من تراجع محتمل في التجارة الدولية، قد يسهم في تغيير هياكل التجارة الوطنية والإقليمية والدولية، الأمر الذي يحمل من الفرص، كما يتضمن بعض التحديات.

وضع كهذا لن يؤثر فقط على توجهات التجارة الخارجية للدول، بل سيعيد هيكلة بناها الإنتاجية المحلية بشكل يتناسب مع التغيرات المحتملة في هياكل التجارة، كما سيفتح أبوابًا كانت مغلقة، ويخلق مساحات أوسع للتعاون لم تكن موجودة. 

وتمثل التجارة البينية العربية أحد تلك المجالات التي يمكن أن تستفيد كثيرًا من هكذا تغيّر، فتلك التجارة الضعيفة الراكدة محدودة النمو، تمثل أحد أسباب الضعف الاقتصادي للمنطقة العربية في مجموعها، فضلاً عن تبعيتها الاقتصادية وهشاشتها الإستراتيجية، وعدم تشغيلها لكافة مواردها وضعف تنويعها الاقتصادي.. إلخ.

وتتراوح أسباب ذلك الضعف التجاري العربي، ما بين السياسي والاقتصادي والإداري، لكن يتلخص أهمها في تشابه الهياكل الاقتصادية العربية ونوعية صادراتها، من جهة الضعف الصناعي وقلة التعقيد الاقتصادي والتنويع السلعي، وشبكات الاحتكار المحلية المسيطرة على منافذ الاستيراد وهياكل الإنتاج، وشبكات التحالفات الخارجية للدول العربية، والاحتكاكات الداخلية بين الدول العربية نفسها، وعدم السيولة النقدية بغياب آليات تسوية سهلة وسريعة للمعاملات التجارية، أو عملة عربية مُوحدة في أفضل الأحوال.

وتبلغ نسبة التجارة البينية العربية حسب "التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2021" نحو 96.4 مليار دولار أمريكي عام 2020، بنسبة بلغت فقط 12.9% للصادرات العربية البينية من إجمالي الصادرات العربية، مُسجلة تراجعًا بالأرقام المُطلقة من مستوى 112 مليار دولار خلال عاميّ 2018 و2019، وإن كانت قد تحسّنت كنسبة مئوية بارتفاعها من 10 و11% خلال نفس العاملين؛ ما يعكس تراجع التجارة الخارجية العربية في مُجملها بنسبة أكبر من انخفاض التجارة العربية البينية، خلال فترة كورونا، ما يعكس استقرارًا أكبر فيها بالمقارنة بتجارة الدول العربية مع بقية العالم.

ويسجل التقرير المذكور أن كل من مصر والأردن والسودان ولبنان، تعتبر من أكثر الدول العربية تكاملاً من جهة التعاملات التجارية العربية، فيما تمثل الإمارات وتونس والجزائر والعراق وجيبوتي وقطر والكويت وليبيا والمغرب وموريتانيا أقلها تكاملاً.

ويمثل النفط الخام كسلعة منفردة حصة معتبرة من الواردات البينية بين الدول العربية، فيمثل لكل من مصر والمغرب والأردن ولبنان حوالي 34.8 و19.5 و13.9 و12.1% من وارداتها العربية على التوالي، ويتكوّن هيكل التجارة البينية العربية على الترتيب من مصنوعات المواد الأساسية والكيماوية والآلات ومعدات النقل وما شابه، ثم الوقود والمعادن، ثم السلع الزراعية، تليها سلع أخرى متنوعة.

وخلاصة القول، تعاني التجارة البينية العربية ضعفًا كبيرًا، لا يُفترض القبول باستمراره مع الحاجة الجماعية المشتركة لكافة الأشقاء لتعظيم هذا النوع والتوجه التجاري، سواءً لتوازنه الاستراتيجي الطبيعي بفضل التقارب في المستويات التنموية العربية، أو لقدرته على تخفيف ضغوط العجز التجاري تجاه الخارج بما يوفره من علاقات متوازنة بعيدًا عن المراكز العالمية المهيمنة، أو لتعزيزه التعاون الاقتصادي العربي عمومًا بما له من أهمية إستراتيجية تعزز التكتل العربي في سياق عالمي لم يعد ملائمًا للوحدات الصغيرة سياسيًا واقتصاديًا.

وتمثل الحرب الروسية الأوكرانية الأخيرة، بما استتبعته من شقاق تجاري عالمي، وتشكيك واسع النطاق بالدولار كعملة سيولة دولية أفرطت الولايات المتحدة الأمريكية في طباعتها مؤخرًا بما بلغ نحو 400% في أقل من عامين، مع حالة من التوتر السياسي وتبلور مبدئي لتحالفات متعادية، ربما لا يكون للعرب مصلحة حقيقية في التمترس الكامل مع أيّ منها، نقول ربما تمثل هذه الحرب سببًا إضافيًا، كما هي فرصة ساحنة، لتركيز العرب على توسيع نطاق تجارتهم البينية كمًا وكيفًا، وتفعيل اتفاقاتهم القديمة المتراكمة، مع توسيع أطرها وتعميق مضامينها؛ بشكل يدفع تلك التجارة قُدمًا كأحد روافد تحقيق التنمية العربية المتعثرة.

تلك التنمية العربية التي سقطت طويلاً في فخ هيمنة الموارد، منذ الطفرة النفطية أوائل سبعينيات القرن الماضي، التي على أهميتها وما أضفته على المنطقة من ثراء إيجابي. 

فباستثناء التجربة التنموية الإماراتية التي نوعت من مصادر الدخل للوقوف على تنمية حقيقية سبقت عصرها، لم تعد الطفرة النفطية قاعدة أبدية للتنمية الحديثة التي تعتمد أساسًا على التصنيع المستقل والتنويع الإنتاجي، الأمر الذي تتعاظم أهميته مع ما ظهر مؤخرًا من اتجاه طويل الأجل لتقليل الاعتماد على الوقود الحفري ضمن التطورات باتجاه الطاقة النظيفة والمتجددة، والسيارات الكهربائية وما شابه.

ولا تغرّننا زيادات الأسعار الأخيرة المؤقتة، فالعبرة بالاتجاهات طويلة الأجل، فتلك هى الباقية، أما الأسعار فتتقلّب دومًا وبسرعة، وقد تنقلب بسرعة من الصعود الواعد إلى الهبوط الصاروخي، وليست أسعار فترة الكورونا سوى نموذج صغير ليس عنا ببعيد.