اجتذبت منطقة الخليج العربي الكثير من الرحالة الغربيين من مختلف المشارب والاتجاهات، تفاوتت أهدافهم، وتنوعت شخصياتهم، فأعطونا العديد من يومياتهم المليئة بالملاحظات حول طبائع أهل الخليج وعاداتهم وشمائلهم.

ويليام جيفورد بلجريف
ويعتبر "ويليام جيفورد بلجريف" من أشهر الرحالة الإنجليز، الذين زاروا الخليج العربي خلال القرن التاسع عشر. كان يتقن اللغة العربية إتقاناً جيداً، ودرس مبادئ الطب من بعض الكتب العربية والإفرنجية التي حملها معه ليستفيد منها في مهمته، حيث تجول في البلاد العربية منتحلا شخصية طبيب سوري، والطريف أنه لم يكتشف أمره أحد طيلة مدة رحلته.
وتعتبر رحلة "بلجريف" هي الرحلة الأكثر شهرة وإثارة يقوم بها رحالة أوربي إلى المنطقة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لما لها من أهمية، حيث نجح فى رصد أوضاع الخليج العربي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقدم تفاصيل دقيقة حول تشكيل الكيانات السياسية في المنطقة وحالة التجارة فيها، كما وصف المدن وعمارتها. وقد استقبل كتابه عند نشره فى بريطانيا سنة 1865م، كأعظم كتاب وضع عن شبه الجزيرة العربية.إن ما دونه "بلجريف" يعتبر من أوائل الإشارات التي تسجل ملامح من الحياة الاجتماعية وأنماط المعيشة بمدينتي الشارقة ودبي.
وكانت أولى محطات "بلجريف" في أرض الإمارات العربية هي الشارقة، التي وصلها عن طريق سفينة محملة بالأغنام، وقد تحدث عن صاحبها بأنه تاجر من أهل الشارقة، ويدعى "عباس"، ويتمتع بشخصية مرحة، وصريحاً، ومثالاً للرجل العماني الأصيل.

مرفأ الشارقة قديما
كما قدم لنا وصفاً دقيقاً عن مرفأ الشارقة، فذكر أنه "عبارة عن خليج أو ممر ضيق يفضي بزوايا إلى البحر، وبعد حوالي أربعين ياردة تقريباً يستدير بصورة حادة متجهاً إلى داخل اليابسة بصورة متوازية مع البحر الأم، وعند مدخل المرفأ كان هناك حاجز يتطلب عبوره خبرة ومهارة".
أما وصفه لمدينة الشارقة فقد بدأ بمناقشة اسمها، هل هي الشارقة أم الشارجة، ثم يقول: إن اللفظ الأول هو الصحيح. وهي المدينة تقع على مقربة من الخور، وهي محاطة بالأسوار، ولكن ليست بصورة منيعة من جهة اليابسة، أما باتجاه البحر، أو على الأرجح الممر المائي الضيق، فقد كانت مكشوفة تماماً، ويستطرد في وصف مدينة الشارقة العتيقة قائلاً "تتكون المدينة العتيقة أساساً من المنازل المشيدة من الطوب أو الحجارة، بينما كانت تمتد على طول الشاطئ صفوف لا نهاية لها من الأكواخ، بعضها من الأخشاب، وبعضها الآخر من سعف النخيل يقطنها صائدو الأسماك والبحارة. وكان العدد الإجمالي للسكان يتراوح – فيما يبدو - بين عشرين وثلاثين ألف نسمة".وذكر "بلجريف" عن أهمية الشارقة كمركز رئيسي لتجارة الساحل العماني، قائلاً "كانت هذه المدينة تعني بالنسبة لعمان الغربية تماماً ما أصبحت تعنية لنجة فى السنوات الأخيرة بالنسبة للساحل الفارسى المواجه، أي مركز للصادر والوارد، ونقطة تلتقي عندها العديد من خطوط التجارة البرية والبحرية، ولم يكن هناك أي ميناء بحري ذي أهمية كبيرة، ولا أية سوق عامة أو مركز تجاري آخر لخدمة الحركة التجارية، وكان يجلب إلى هنا جميع المصنوعات التي تقوم عمان الغربية بتوريدها في مجالات الصوف والقطن والمعادن. إضافة إلى ذلك فقد كان يتم أساساً من خلال الشارقة استلام البلدان المجاورة لبضائع بلاد فارس والهند التى كانت تنزل من السفن هنا".

أسواق الشارقة 1990
وقد أثنى "بلجريف" على ما اتصف به سكان الشارقة من كرم وحسن تعامل مع الغرباء، قائلاً "تمر ساعاتنا هنا بطريقة ودية وغريبة في الزيارات، ووجبات الغذاء، ووجبات العشاء، فالضيف في هذه المدينة يجد تنويعاً أكثر بكثير فى طقم المائدة الموجودة أمامه عما يمكن أن يجده في الجزيرة العربية الأصيلة، كانت الأسماك واللحوم والقريدس والبيض والشعرية والأرز والمربى بجميع أنواعها، والعسل والزبدة والتمور والخبز المخمر بطريقة جيدة، وغيرها من المأكولات، توضع أمامه ودون أن يتم تكديسها فى كومة داخل طبق واحد ضخم على الطريقة النجدية، وإنما يوضع كل منها فى طبق منفصل".ويعطينا "بلجريف" في كتاباته دليلاً على تطور الصناعات في الشارقة، حيث ذكر "لقد شاهدت في الشارقة ولأول مرة نماذج جيدة من الزركشة التخريمية للذهب والفضة الجميلة بصورة مدهشة، والتي كانت تزين بها هذه الأسلحة، إضافة إلى الآنية الأكثر خصوصية كالأحزمة، الأكواب، غليونات التبغ، ولقد كانت من الدقة والمهارة بدرجة يندر أن تتصادف معها فى الوقت الراهن ضمن الصناعة اليدوية لأي بلد آخر، كما أن الحي الشمالي من المدينة يضم عدداً من مؤسسات الحياكة، حيث كانت تصنع فيها العباءات الحمراء الخفيفة الشائعة في عمان، والأواني القطنية الطويلة التي تختلف إلى حد ما فى نمطها عن الأسماق النجدية، إضافة إلى السجادات والستائر للاستخدام المحلى.كما منحنا فكرة عن ملامح العمارة داخل المدينة فيذكر عن مسجد الشارقة الكبير بأنه مسجد ضخم فسيح فى البناء بالقرب من باحة السوق، كما أنه مهيأ بصورة مثيرة للإعجاب. كما تحدث عن أسواق الشارقة الخارجية، فذكر بأنها مبنية من الحجارة، لكنها ليست من الحجر الجرانيتي أو الجيري، وإنما من الحجارة المائلة إلى الصفراء الموجودة في المنطقة المجاورة. كذلك وصف برج الشارقة، ذلك البرج الحجري الأنيق ثماني الزوايا، والمزين برسوم لعظام الرنكة (نوع من الأسماك يطلق عليه في أماكن أخرى الرنجة)، وتخترقه الفتحات النافذة هنا وهناك.أما دبي، فقد قدم "بلجريف" وصفاً لخورها، وبين ضخامته، وشبهه ببحيرة داخل اليابسة، يفصلها عن البحر حزام عريض من الرمال البيضاء. وعن طبيعة مدينة دبي استطرد قائلاً "بأنها آهلة بالسكان، ولم تكن محصنة، ومزودة جيداً بالحدائق والآبار، إضافة إلى احتفاظها بأسطول كامل من المراكب، ولم تكن تركز كثيراً على صيد اللؤلؤ الذي كان ضئيلاً في هذا الساحل.