محمد المخزنجي: الاتجاه جنوبَا وشرقًا

محمد المخزنجي: الاتجاه جنوبَا وشرقًا

يسكب الرحالة حياته سطورًا تتوزع عبر الدروب التي سلكها، والمدن التي سكنها، والموانئ التي عبرها، والمحطات التي توقف بها، والأهم: البشر الذين التقاهم، وهم بدورهم يمثلون حيوات مُضافة. ورحالتنا تعرفتُ إليه في البداية عبر الإبداع الأدبي قاصا متمكنا، له لغته الخاصة، البليغة والعلمية في آن، وله فلسفته الحكيمة، لكنني أرى أن منجزه في أدب الرحلة قد استفاد من خبرتي الأدب والعلم معًا ليصنع لنا تراثا فريدا خاصا به.

 رحلة بشكيري الفارقةكان رحالتنا محمد المخزنجي، شابا في الثلاثين من عمره، عندما جاءته منحة لدراسة الاختصاص الطبي في الاتحاد السوفيتي (سابقا)، لكن طاقته الجسدية والنفسية كانت لا تزال مفعمة بروح الولد الذي كانه في مدينته المنصورة بدلتا النيل في مصر، فلم يفوت فرصة للسفر في أرجاء ذلك البلد المترامي الأطراف، من شرق أوربا إلى غرب المحيط الهادي، إلا أنها رحلات مكبوتة، تكاد تئد متعة المغامرة بسبب أجواء مجتمع محكوم بمكزية ثقيلة وطابع بوليسي، وهي رحلات تركت شذراتها بالذاكرة، لأن الرحلة الأهم، في سيرته الأولى، كانت على ظهر باخرة ركاب بيضاء اسمها "بشكيري"، حملته خلال شهر إلى جُلّ موانيء المتوسط، فاستطاع بمائة دولار (كطالب دراسات عليا)، أن يسكن ذلك الفندق الفاخر العائم، بين فارنا، وبيريه، وإسطنبول، ونابولي، وملقا، ومارسيليا، وطنجة، والجزائر، وتونس، والإسكندرية، ولارناكا، واللاذقية. يكتب المخزنجي: "وهنا عرفت مكمن غوايتي، ومناط عشقي في هذا العالم، وهو ما أسفر عن نفسه بتهور عندما التحقت بأسرة تحرير مجلة (العربي)، وأثمر التحاقي هذه الرحلات التي يضمها هذا الكتاب".والكتاب الذي يشير إليه محمد المخزنجي يحمل عنوانا أساسا (جنوبًا وشرقًا)، وفرعا (رحلات ورؤى)، يأتي في نحو 500 صفحة، مذيلة بصور مختارة (بالأسود والأبيض)، توزعت صفحاته بين 28 فصلا، بعناوين ملهمة مثل "ناميبيا – جوهرة إفريقيا المنسية"، "جنوب إفريقيا – ماذا يدور في رأس العواصف؟"، المغرب – عناق البر والبحر"، "زيمبابوي – حيث لا يغيب قوس قزح"، جوري – صخرة الأنين ... الملونة!"، وهكذا تمضي العناوين كأنها عناوين روايات أو دواوين شعر، فقد أسبغت حرفة الصحافة الثقافية على القلم نعمة التشويق، مثلما أنعمت القصة القصيرة على الرحالة قيمة الاختزال، لتتحول الكلمات المقتصدة إلى عناوين شارحة كاشفة، مشوقة للقراءة ومعبرة عن مكنون الكاتب ومحتوى الكتابة.عدا الاقتصاد والاختزال البلاغي، في العناوين، يأخذنا الرحالة على الأغلب إلى رحلة تتأرجح بنا بين عالمين، مختلفين أو متآلفين أو متناقضين: "رحابة المكان ... مرافئ الزمان"، هبة المطر، شجن البشر"، "مأثرة البشر والحجر"، "كل هذا الجمال، كل هذا العنف"، "مرفأ يبحث عن مرفأ"، فاتنة المحيط... يهددها المحعلان تشويقي لفيلم مغامرات، فيدفع بنظرة بانورامية القارئ إلى استشراف المتون، وتوقعها، وأن يمني نفسه بالمتعة البصرية والاستمتاع الروحي، فيكدس في فقرة واحدة عملاقة ملامح سر الاستطلاع، أو الرحلة، دون أن يكشف عنها؛ فهذا دور المتون."خلجان شفافة لجحافل من طيور الفيلامينجو، وبرار لأسراب الغزلان الطليقة، صحاري تنبثق منها واحات النخيل الاستوائي، وغابات تربتها حمراء تلامس السحب، مدن تحتفظ بعمارة القرن التاسع عشر الأوربية، وأرصفة تعج بمنحوتات العاج والأبانوس الإفريقي، حكومة سوداء بها وزراء بيض، ونموذج ديمقراطي يحترم التنوع، تراث غائر من القهر العنصري، ونزوع طيب لتجاوز الماضي نحو حاضر لا يعرف التفرقة، جامعة وليدة تتحدث بلغة العصر، وطلاب لم ينسوا جذورهم الإفريقية. هذه بعض من وجوه ناميبيا التي تشبه جوهرة يأتلق فيها مائة سطح وسطح، لكنها جوهرة منسية لقارة منسية، نسيناها نحن الذين تعودنا أن تكون مواسم هجرتنا نحو الشمال ومهاوي أفئدتنا نحو الشمال، بينما الجنوب الودود يزخر بألف بهجة وبهجة للبصر وللبصائر، وألف ألف نداء دافئ خجول. ولقد لبت العربي النداء، رغم خفوت الصوت وحياء المنادي".وفي رحلاته يستدعي المخزنجي – دائما – ذلك الحس الاستقصائي، الذي يربط الماضي بالحاضر، ويستنطق التاريخ بالجغرافيا، ويفسر العلاقة بين الشعبي والإمبراطوري، كما في رحلته داخل العاصمة الصينية:"كنا على موعد مع الطعام الصيني في مطعم (الاستماع للصفير) في قلب (قصر الصيف)"، فكأنما كنا نتهيأ للطعام بمقدمات من صنوف الإبداع الصيني القديم والجديد لنتذوق فلسفة هذا الطعام مع طيب مذاقه ونمنمة تقديمه وتناوله.ففي الطريق رأينا بيوت الفلاحين في القرى الواقعة عند أطراف بكين، صغيرة ومتواضعة، كأنما لتبرز جبروت أسوار القصر القريب. وعندما كنا ندور لندخل القصر من بوابته الشمالية لفتت نظري مساحات واسعة مربعة ومستطيلة الشكل تغمرها المياه. وأدركت أن هذه المساحات المائية هي التي لفتت نظري وأثارت تساؤلي ونحن نحلق بالطائرة قبل الهبوط في بكين. ظننت وقتها أنها حقول للأرز مغمورة بالمياه في مرحلة الشتلات، لكن الوقت لم يكن وقت "شتل الأرز"، واستبعدت أن تكون حمامات سباحة بالطبع أو أحواضا لتخزين المياه لكثرتها اللافتة والتي تعتبر ملمحا جويا لم أر مثله في أي بلد طرنا في سمائه من قبل. وشرح مرافقنا جوانج: إن هذه أحواض لتربية الأسماك، فبكين البعيدة عن البحر والتي حرمت من الأنهار الطبيعية، عوضت نفسها بنفسها إذ شقت عدة أنهار صناعية مبطنة الضفاف على أطراف المدينة، وأنشأت أحواضا عملاقة لتربية الأسماك توشك أن تكون بحيرات كاملة، وحتى يمارس هواة الصيد ما يرغبون فيه، فإنه يسمح لهم بالتصيد من هذه الأحواض مقابل رسم معين يدفعونه، ولقد كان هذا الحل الصيني، الشعبي، الحديث، يجد معادله الموضوعي، القديم، والإمبراطوري والراجع إلى القرن الثامن عشر في "قصر الصيف" الذي عبرنا بوابته الشمالية.فالقصر الذي يتكون من سلسلة من البنايات الإمبراطورية وسط الحدائق يمتد على بحيرة هائلة تسمى بحيرة "كيو نمنج" حفرها مائة ألف إنسان بالإضافة لفيالق كاملة من أفراد البحرية الإمبراطورية. ومن الطريف أن أبنية هذا القصر أعيد بناؤها مجددا عام 1888 بأمر من الإمبراطورة "دو سيسي" مستخدمة في ذلك ما كان مرصودا في الميزانية الإمبراطورية لبناء سلاح بحري حديث. إن تصرف "دو سيسي" يوصف الآن بالحماقة، لكن ترى ماذا كان يبقى من "السلاح البحري الحديث" مقارنة مع ما بقي من عمارة مذهلة الجمال وحدائق تغني فيها الروح وبحيرة تسرح فيها الأبصار رضية وتجوبها زوارق العشاق الملونة ويمرح فيها الأطفال في زوارق أخرى بلون البرتقال والشفق وعلى هيئة تنانين ضاحكة. صحيح أن الإمبراطورة، كامرأة، شطحت في الأبهة كثيرا إذ بنت سفينة من الرخام تسمى "القارب الحجري" عند طرف البحيرة ووضعت عند أركان البحيرة مرايا عملاقة تملأ البحيرة والأرجاء بالألق. إلا أنها لم تهمل صالة العرش، وقاعة العمر المديد، والأبراج التي دمرتها القوات الأنجلو فرنسية وأعيد ترميمها، ومعبدبحر الحكمة البوذي. ولعل الشيء الذي سيظل الحاضر مدينا فيه للماضي، لهوس المرأة الإمبراطورة، هو ذلك "الممر الطويل" على الضفة الشمالية للبحيرة، إذ إن السقف الخشبي الملون لهذا الممر الرخامي الممتد 700 متر تحكي الرسوم الملونة، على سقفه كل حكايات الصين الخرافية وحواديت ا لأجداد، وما زال الكبار يأخذون بأيادي الصغار، آباء وأبناء، أو تلاميذ ومعلمين ومعلمات، وتراهم في "الممر الطويل" ماضين على مهل ووجوههم شطر السقف الملون، يتأملون الرسوم ويسمعون الحكايات التي تمثلها. ألا تستحق حماقة "دو سيسي" المسرفة بعضا من الامتنان؟ بلى".إلا أن الحس السردي للقاص فريد لا يغيب عن المخيلة أبدا، لأن كاتبنا الرحالة يؤسس لمشهد رحلته باستحضار شخصية محلية يمنحها صفة بطولة رحلته، أو قصته أو روايته القصيرة. هذه الشخصية ستكون بطلة لمشهد أو أكثر، يحركها الكاتب مثلما يحرك مخرج قدير دميته على مسرح المكان، فتقول ما يريد قوله، وتروي ما يريد روايته، سواء كانت الشخصية امرأة أو رجلا، وسواء كان البطل صبيا أو كهلا.أنشودة الإبداع والبساطةففي الرحلة التي جعل عنوانها "الصين – أنشودة الإبداع والبساطة" تكون بطلتنا المغنية "تن بي تشن" النجمة الجميلة التي كفت عن احتراف الغناء وهي في ذروة شبابها ومجدها، لأنها تزوجت، وتعَجبتُ من سبب كهذا يدعو نجمة غناء للاعتزال، وعرفت أنها تفرغت لبيتها، لكنها تغني أحيانا متطوعة لجمع التبرعات للمنكوبين سواء كانوا في الصين أو خارجها، ضحايا زلزال أو فيضان أو حريق، لا أعرف لماذا رأيت في ذلك السلوك الشخصي، لتلك المغنية رقيقة الوجه والصوت، اتساقا مع معطيات روحية وثقافية صينية تبدو بعيدة، في فلسفة الطاوية التي اتخذ منها الصينيون دينا منذ القرن السادس قبل الميلاد، حتى حرمها الإمبراطور كوبلاي خان حفيد جنكيز خان، وتقول إن الكائن ذاتية محضة ومن يطعها ينعتق باتجاه الطاو (الطريق، والقوة القصوى)، وفي معتقدات تقديس الأسلاف التي نشأت في عصر البرونز وعصر شانج وما زالت سارية في حنايا الصين المعاصرة- رغم كل شيء- وفيها تقدس المرأة- متى تزوجت- جد زوجها. وفي البوذية - ديانة الصينيين السائدة - التي توصي بالزهد والتنوير، وفي قانون كونفشيوس الأخلاقي الذي حاربته "الثورة الثقافية" ولم تقدر على اقتلاعه ويقول ضمن وصاياه "إذا قام البيت على أساس سليم أمن العالم وسلم" وكان يعني بذلك احترام التراتب العائلي والحياة الأسرية.هكذا يأخذ من سيرة بطلته ما يؤصل به للحياة الاجتماعية في الصين، رابطا الحاضر بالتاريخ، والمادي بالروحاني والفلسفي.بين النهر والخليجوفي بولندا، نلتقي ببطل سردي آخر، يختاره الكاتب الرحالة بعناية، وهو "سيباستيم.. صبي جميل في نحو الثانية عشرة، جريء برهـافـة ولطف، وأليف بعـذوبة مدهشـة، لقيناه على دراجته ونحن نتـوه في الشوارع الصغيرة الملتفة بحي الميناء الجديـد "نوفي بورت" بـ"جـدانسك". كنا نبحث عن محطة المعدية التي تقطع نهر موتـلافا المتجـه نحو خليج جدانسك، نقصد تلك البقعة على الضفة الأخـرى، بين النهر والخليج المفتـوح على بحر البلطيق.من حركة سيباستيم في النص الرحلي سنقترب من المعادل الموضوعي للرحالة؛ لأن سيباستيم "الجميل الأليف المرهف" كـان يقف على دراجتـه في ظل أحد أسـوار البيوت القـديمة المثقلـة بالخضرة، وكانت إنجليزيته البسيطة الصافية كافية تماما، فهي توفر مشقة الحديث إلى النـاس بلغـة الإشـارة وتنقذني مـن نظرات الشزر عندما كنت أضطـر إلى الحديث بـاللغـة الروسية التي يفهمهـا كثـير مـن البولنـديين ويكـرهـون التحـدث بها. وصف الصبي طريق الوصول إلى محطة المعدية، وما كـدنا نبتعد في الطريق الذي يحف بالشاطىء وتظلله أشجار الكستنـاء البري والحور حتى سمعنـا رنين الأصـوات الصغيرة وراء ظهـرينا "كليـك تن تن. كليك تن تن" لقد كـان سيبـاستيم يلحق بنـا والخرزات الملـونـة (الملضـومة) في أسـلاك عجلات دراجته، تصعد وتهبط مع دورات العجـلات فتصدر هـذا اللحن البهيج الصغير. ولم يتركنـا الـولـد، وظل يمشي بدراجتـه بطيئا إلى جوارنا، يسبقنا ليتأكـد من صحة مسارنا من البحـارة وصيادي الأسماك على الشاطىء الـذي نمشي بموازاته، ويعـود ليطمئننا إلى صحة مسعانا. نحادثه ويحادثنا وكان حديثه عذبا ويشق القلب أحيانـا:- "ما هي مهنة والـدك سيباستيم؟.. يقول: "ليس لي أب لقـد ترك أمي ورحل عندمـا كنت صغيرا جـدا، أمي تربيني أنـا وأختي وهي تعمل مبرمجة كمبيوتر". لم يكن في حديثه انكسار اليتامى ولا كآبة ذكريـاتهم، لكنني لاحظت حركـة عصبية صغيرة يختلج بها وجهـه الجميل الصافي، لقد كـان يتعلم في مـدرسة للغات، والمدهش أنـه كان يتجه للتخصص في الطبـخ، ويحضر دروسـا عمليـة في مطاعم "جدانسك" وأحيانـا على ظهر سفن الركاب الراسية في الميناء. لم يتركنـا "سيباستيم " حتى جـاءت المعـديـة، والطريف أنه أسلمنا أمانة لصاحب له التقاه عند المرسى، وشرح لنا الولـد الجديـد جغرافية المكـان، مشيرا إلى حوض بناء السفن في الجهة الشرقية حيث بدأت حركة التضـامن، وقال بزهو إن والـده كان يعمل مع "ليش فـاليسـا" وإنه يعرفه شخصيا فقـد أتى إلى بيتهم مـرة على العشاء. ودعنا سيبـاستيم الصغير بتأثر وظل يلوح لنا ونحن نبتعـد حتى صـار نقطة بعيدة.. نقطـة حيـاة صافيـة تمتلك حلما صغيرا.. أن يكـبر ويعمل طبـاخـا على سفينة تطوف بدنيا الله الواسعة البهية، أما الآن فإنه سينتظر بتلهف وصول رسالـة بـاسمـه من بـلاد بعيدة.. من بشر التقى بهم مرة في نهر الحياة وكـانوا متجهين صـوب الشـاطئ الآخر يبحثون عن البقعة التي بدأت منها النار التي أوشكت على التهام البشرية وإحراق دنيا الله الطيبة، منذ نصف قرن ونيف.مامادو المخزنجيوهكذا، باختيار شخصية محلية، سيستطيع الرحالة أن يأخذنا من الخاص إلى العام، ومن سيرة بطله إلى سيرة أمة المكان برمته، وهو ما ظهر جليا في رحلته إلى السنغال، وبالتحديد إلى "جوري"، حيث يكشف السر في هذه المعالجة التشخيصية:"اسمحوا لي أن أنقسم أمامكم إلى اثنين، فقد خضت هذه الرحلة وجدانيا كشخصين، حتى أغواص – ولو قليلا – في أعماقها المنسية، والموجعة. الشخص الأول هو ما أنا عليه، باسمي المعتاد كمستطلع، والشخص الثاني هو زنجي أسود، أسميته – بعد تحريف قليل لاسسمي – (مامادو)، لعله يعزز تقمصي لكيان إفريقي أسود ـ وهو لون جميل كجمال الليل – يجيء من مبعدة 3 قرون ليصحبني في هذا الاستطلاع بحكايته، رحلة تستدعي أخرى، زمن يغور في زمن ناء، حاضر يُفتخ على ماض، وماض أظن أنه يفتح على بعض ألغاز أيامنا، ومستقبلنا أيضا, وأعدكم بشيء واحد، هو أن أتحرى الدقة، فلا أسمح لحكاية مامادو إلا بالنهل من وقائع تاريخية موثقة أستدعيها بشكل يوشك أن يكون حرفيا لعلي أسمعكم هذا الأنين. وأكسر لذلك القاعدة فأحدد أهم مصادري لحكاية مامادو في المتن، لا الهوامش .. إنها (موسوعة تاريخ إفريقيا السوداء) لجوزيف – كي زيربو، ترجمة يوسف شلب الشام، و(العبودية) لموريس لانجليه ترجمة إلياس مرقص، و"جوري" لجان كلود بلاشار بالإنجليزية".هكذا ما كان إشارة في استطلاعات كثيرة باستدعاء بطل وتقص حقائق، أصبح معلما، خاص ونحن نروي قصة مؤلمة عن (جوري) عن شقاء العبيد الذين سيتم شحنهم عبر الأطلسي بعد دمغهم بأختام الحديد المحمي الذي يحمل شعارات التجار المالكين: "كانت الصرخات تتصاعد مذبوحة ومكتومة بينما الجلد المحترق يدخن تحت وهج الأختام على الصدور والمؤخرات والأثداء والأذرع، حاملا حتى الموت علامات لا تزول إلا في قبور الشتات الأسود البعيد في القارة الأمريكية وراء أمواج وعواصف بحر الظلمات".رحلتان إلى الإماراتوفي هذا المجلد الرحلي، نختتم برحلتين إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، أولاهما بعنوان "صير بني ياس.. جزيرة الحكمة"، والثانية عنوانها "تحليق في أفق أخضر".يكتب المخزنجي في خلاصة رحلته إلى جزيرة الحكمة: "إن العناية بالبيئة ليست تهويما (رومانسيا) لدى البعض، بل هي إدخار واستثمار ونوع من الحدس المستقبلي الحكيم ينبغي أن نتوقف عنده، بل ينبغي أن يتوقف عنده كل المهتمين بشؤون البيئة في العالم. فالتجربة جديرة بهذا الحجم من الاهتمام، إذ تقدم أملا ملموسا لدرأ رعب التصحر الذي يخيف البشرية التي لا تكف عن التكاثر، لهذا أقترح أن تكون الجزيرة محطة عالمية للدراسات البيئية، يقام بها مركز للإبداع البيئي، سواء كان هذا الإبداع علما أو فنا، يمنح الجديرين فرصة للتفرغ للإبداع فب أحضان هذه الجزيرة، ويقدم جائزة للإبداع البيئي في الأدب والفن، وهو الفرع الذي يبدو وليدا على المستوى العالمي، ويبدو منعدما لأو يكاد على مستوى الإبداع العربي.لقد كنت مفعما بالتأثر وأنا أغادر الجزيرة، وبينما راح زورقنا الطائر فوق أمواج الخليج يبتعد راحت الجزيرة تغوص في غلائل المدى، فتبدو كطيف حالم، بل كحلم بعيد وهو حلم ينطوي على كثير من الحكمة لمن يتأمل جوانبه. فمن يتعلم الحنو على النبات والرفق بالحيوان والعطف على الطائر، لا بد أن يكون حانيا ورفيقا وعطوفا على الإنسان والأرض التي يدرجعليها الإنسان ومن ثم على مجتمعه، هكذا أفهم مأثرة "صير بني ياس".. وهي مأثرة تستحق جائزة كبرى من جوائز السلام العالمي، فالسلام لم يعد مجرد مسالمة بين البشر والبشر، بل هو في الأساس مسلمة واجبة بين البشر والأرض".وهكذا تمضي رحلات محمد المخزنجي جنوبا وشرقا، استشرافية، يؤسسها التفاؤل بقدرة العلم والإنسان، وعقلانية يزكيها قراءة التاريخ، ودائما نجد حروفه بين الصوت والصدى، في ثنائيات بليغة تدعو للتأمل والتدبر والعمل، والسعي لرحلات مماثلة لاكتشاف المزيد، فالإنسان لا يكتشف الأماكن وحسب، ولكنه يعيد اكتشاف ذاته، والطريق يصنعه المشي.  

محمدالمخزنجي في البوسنة مع حارث سيلايديتش السياسي والأكاديمي البوسني الذي يجيد اللغة العربية والرئيس الأسبق لجمهورية البوسنة والهرسك محمدالمخزنجي في البوسنة مع حارث سيلايديتش السياسي والأكاديمي البوسني الذي يجيد اللغة العربية والرئيس الأسبق لجمهورية البوسنة والهرسك
المخزنجي في القسم الجامعي للدارسين الأجانب بمستشفى الطب الصيني التقليدي  بكين.شابا، في بداية الرحلة المخزنجي في القسم الجامعي للدارسين الأجانب بمستشفى الطب الصيني التقليدي بكين.شابا، في بداية الرحلة
المخزنجي في موسكو المخزنجي في موسكو
قمم كابادوكيا الجبلية التركية قمم كابادوكيا الجبلية التركية
المخزنجي على إحدى قمم كابادوكيا الجبلية التركية المخزنجي على إحدى قمم كابادوكيا الجبلية التركية
المخزنجي في بودروم التركية المخزنجي في بودروم التركية
7.	مساحة زمنية للنزهة في بودروم التركية 7. مساحة زمنية للنزهة في بودروم التركية
المخزنجي على ضفاف الميكونج في لاوس المخزنجي على ضفاف الميكونج في لاوس
المخزنجي في القسم الجامعي للدارسين الأجانب بمستشفى الطب الصيني التقليدي  بكين.شابا، في بداية الرحلة المخزنجي في القسم الجامعي للدارسين الأجانب بمستشفى الطب الصيني التقليدي بكين.شابا، في بداية الرحلة
المخزنجي في التبت المخزنجي في التبت
المخزنجي في النيبال المخزنجي في النيبال