«القلب يعشق كل جميل».. مناجاة «بيرم» التي أبكت أم كلثوم و«السنباطي»

أشهر أغاني موسم الحج ظلت حبيسة 10 سنوات

"مكة وفيها جبال النور.. طالة على البيت المعمور.. دخلنا باب السلام.. غمر قلوبنا السلام.. بعفو رب غفور.. فوقنا حمام الحما.. عدد نجوم السما.. طاير علينا يطوف بالعفو والمرحمة".

ليست تلك القصيدة الدينية الوحيدة، التي غنَّتها كوكب الشرق أم كلثوم، ولم يكن اللحن الوحيد، الذي لحَّنه الموسيقار رياض السنباطي لقصائد دينية، أو الأغنية الوحيدة التي جمعت بين موسيقاه وصوت أم كلثوم، ولكنها ظلت ولاتزال درَّة الأغاني الدينية، بل الأشهر والأهم على الاطلاق التي يستقبل بها كل المسلمين في دول العالم عيد الأضحى المبارك.

أم كلثوم ورياض السنباطيأم كلثوم ورياض السنباطي

"القلب يعشق كل جميل"، تلك القصيدة الدينية الوحيدة التي كتبها العبقري الراحل بيرم التونسي، المصري صاحب الأصول التونسية، والذي يعدُّ من أشهر شعراء العامية المصرية، بل يعتبره النقاد رائدا لشعر العامية في مصر، إذ سار على نهجه من تبعه من شعرائها وهو أحد اثنين من شعراء العامية، كان يخشى أمير الشعراء أحمد شوقي على شعر الفصحى من شعرهما، وكان الثاني هو الشاعر أحمد رامي.

"القلب يعشق كل جميل" الأغنية التي ما أن تصل إلى مسامعنا، حتى نشعر بحالة من حالات السلام النفسي والداخلي الذي يغزو الروح قبل الجسد عند زيارة الكعبة المشرفة.

بيرم التونسيبيرم التونسي

أسرار "القلب يعشق كل جميل"

وما لا يعرفه الكثيرون أن لهذه الأغنية أسرارا وقصصا عند جميع صناعها

عبر السطور المقبلة نقترب من الكواليس التي صاحبت هذا العمل الذي يعد ملحمة دينية روحانية لا يمكن أن يمضي عيد الأضحى دون أن نرددها.

مفاجأة بيرم

بدأت قصة تلك الأغنية عندما اختفى الشاعر بيرم التونسي عن الأنظار وظل أهل الفن يضعون تحليلاتهم لأسباب الاختفاء، فتارة يقولون تم نفيه وأخرى إنه وراء أسوار السجن، إلى أن كانت المفاجأة للجميع وهي زيارة "التونسي" للكعبة المشرفة لتأدية مناسك الحج، الأمر الذي أدهش جميع من يعرفونه وكانت بالنسبة للجميع أمر مستغرب، خاصة وقد عُرف عن التونسي عدم تدينه إلى حد ما.

حبيسة الأدراج

ولكن كان نداء الله للتونسي لزيارة بيته "دعاني لبيته لحد باب بيته"، ومن هنا جاءت فكرة الأغنية، فقد ذكر عند عودته أنه عندما شاهد حمام الحرم بدأت دموعه في التساقط، تأثرا بالحالة الروحية وقدسية المكان والمشهد كاملا، فكتب الأغنية بعد عودته، وأعطاها لصديقه الملحن زكريا أحمد حتى يضع لها اللحن، وتم عرضها على أم كلثوم، إلا أنها اعترضت على بعض الجمل اللحنية بها، وظلت الأغنية حبيسة الأدراج حتى عام 1969، ويذكر أنها كانت من ضمن الأغاني التي تركها بيرم للسيدة أم كلثوم ضمن كلمات كثيرة احتفظت بها بعد وفاته.

تليفون أم كلثوم

في إحدى جلسات السيدة أم كلثوم، سألها أحد السفراء السعوديين لماذا لا تقدمين أغنية عن الحج يتغنى بها الحجاج والمسلمون في كل مكان، اقتنعت كوكب الشرق بالفكرة وعرضتها على السنباطي، وكانت المشكلة التي صادفته هي من هو المؤلف الذي يكتب الأغنية، وقبل مرور أسبوع والسنباطي في حيرته، إلى أن دق جرس تليفون بيته لتتحدث ام كلثوم وتخبره أنها وجدت الأغنية، وطلبت منه الحضور مساء إلى بيتها وتمد يدها إلى مكتبتها العامرة بكثير من دواوين الشعراء العرب وتقرأ له أغنية "القلب يعشق" من ديوان الشاعر الكبير بيرم التونسي، التي يصف فيها بيرم ببراعته مناسك الحج وأجوائه.

بيرم التونسي وأم كلثومبيرم التونسي وأم كلثوم

نور على نور

انبهر "السنباطي" بالأغنية وعاد لمنزله ولم يخرج منه مدة شهرين تقريبا لينتهي من تلحين الأغنية، ليطلب من أم كلثوم بعدها تحديد موعد البروفات مع رئيس فرقتها عازف القانون الأول محمد عبده صالح، حيث تم التسجيل في إستوديو 46 بالإذاعة، بحضور مندوب صوت القاهرة الذي طبع من الأغنية آلاف الأسطوانات، لتتغني بها "سومة" في مطلع عام 1972 وتنتشر في جميع الأسواق العربية، وتسعد أم كلثوم بإبداعات السنباطي اللحنية، خاصة في مقطع مكة المكرمة، وتغني معه في الأستوديو: "مكة وفيها جبال النور.. طالة على البيت المعمور.. دخلنا باب السلام.. غمر قلوبنا السلام.. بعفو رب غفور.. فوقنا حمام الحما.. عدد نجوم السما.. طاير علينا يطوف بالعفو والمرحمة".

استراحة

ويطلب السنباطي الاستراحة بعض الوقت حتى تستعد أم كلثوم بعد تناول فنجان الشاي المعطر، لتغني مقطع المدينة المنورة الذي أبدعه بيرم بأحلى ما يمكن كتابته شعرا، ويجسده السنباطي لحنا، لتكتمل الصورة أكثر حلاوة بصوت أم كلثوم: "جينا على روضة هالة من الجنة فيها الأحبة تنول كل اللي تتمنى.. فيها طرب وسرور وفيها نور على نور، وكاس محبة يدور، واللي شرب غنى". وينتهي التسجيل.

رياض السنباطي وأم كلثومرياض السنباطي وأم كلثوم

بكاء كوكب الشرق

في 3 فبراير 1972 غنت أم كلثوم الأغنية لأول مرة على المسرح أمام الجمهور، وبكت أثناء الغناء لسبب غير معروف حتى الآن، قد يكون بسبب الحالة الروحية التي تتركها الكلمات في نفوس الجميع، أو بسبب الخلاف على اللحن الذي عطل ظهور الأغنية لمدة 10 سنوات.

أم كلثومأم كلثوم

دعاني لبيته

للأغنية قصة خاصة في حياة السنباطي، ذكرها في أكثر من موضع، عندما قرأ هذا المقطع "واحد مفيش غيره.. ملا الوجود نوره.. دعاني لبيته.. لحد باب بيته.. وأما تجلي لي.. بالدمع ناجيته"، فقد ظل يدندنه ويتغنى به على عوده في خشوع، ليخبر زوجته وهو في قمة تأثره وانفعاله: "إذا كان الله لم يكتب لي حتى الآن أن أحج وأزور مكة والمدينة فسوف أحج بهذه الأغنية".

فقالت زوجته: "أي أغنية يا رياض؟"، قال: "اسمعي هذا الكلام" وقرأ لها "القلب يعشق كل جميل.. وياما شفت جمال يا عين.. واللي صدق في الحب قليل.. وإن دام يدوم.. يوم ولا يومين"، قالت: "الله هذه أغنية عن الحج ربنا يكتبها لك".

وبعد انتشار الأغنية بشكل واسع في الشارع العربي، وتحقق حلم السنباطي وكتب الله جل شأنه له العمرة، وهناك استمع للمعتمرين وهم يتغنون بها ويقبلون على شراء نسخ منها في مكة والمدينة، وهم منبهرون بها ويسألهم عن الأغنية دون أن يعرفوا أنه ملحنها، ويشكر الله على هذا النجاح ويتعجب عندما يقف أمام باب السلام في مكة والروضة في المدينة ليقول لنفسه كيف وضع اللحن لهذه الأماكن المباركة قبل أن يراها، ويشتد المرض على أم كلثوم، لتكون "القلب يعشق كل جميل" آخر ألحان "السنباطي" لها قبل أن تفارق الحياة.