ميدان الثقافة في الشارقة.. واحة المعرفة في قلب الإمارة الباسمة

نصحبك في رحلة ثقافية حضارية

الإمارة الباسمة وإمارة العواصم الثقافية، المنارة التي تعلن أن للمعرفة عنوانًا وللعلوم مكانًا، على أرضها تدغدغ رمال الشطآن مياه الخلجان، ويداعب صوت الأذان سعف النخيل وتعانق القباب ناطحات السحاب، التي تناثرت كحبات من لؤلؤ نفيس معلنة أنك على أرض إمارة الشارقة.إمارة الشارقةإمارة الشارقة

هناك فقط لا تملك سوى أن تفتح عينيك وتحدق منبهراً في كل ما هو معاصر وحديث بمذاق نوراني تراثي عميق.

رحلة ثقافية حضارية نصحبك فيها لنمتطي آلة الزمن التي ترحل بنا إلى عصر من أزهي العصور التي مررنا بها، والتي ما زالت الشارقة حريصة على الحفاظ عليه، جولة نرى من خلالها كيف تحول ميدان الثقافة أو "دوار الكتاب" من مجرد شارع إلى مزار سياحي وثقافي وترفيهي يجذب كل أطياف البشر.

أقف وسط هذا الميدان فأشم رائحة الثقافة والتاريخ، تلك الرائحة التي تدخل صدري دون استئذان، أقف هنا حيث ترن في أذني كلمات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة التي قال فيها إنه "يسعى لمحو الجهل والتعصّب والهمجية والجريمة في العالم العربي من خلال الكتاب".. هنا ستجد صورة مصغرة للعالم، حيث يكتظ المكان بعدد كبير من السائحين الذين راحوا في التقاط كادرات مختلفة لميدان الثقافة أو "دوار الكتاب".

ميدان الثقافة في الشارقةميدان الثقافة في الشارقة

نصب القرآن الكريم

"إذن لست أمام ميدان عادي في أحد الشوارع بل هو يحمل الكثير من المعاني والقيم".. هكذا وجدتني أتحدث مع نفسي، عندما ضبطتني متلبسة مسيرة لا مخيرة أسير في قلب الميدان وقدمي تتوغل داخل الحديقة الكبيرة لأقف أمام نصب القرآن الكريم الذي تم تشييده بالخرسانة المسلحة، ويبلغ ارتفاعه 7 أمتار، أتامل جيداً تلك الفسيفساء الزجاجية والكساء الأخضر الذي تم تزيينه بها، أقف أمام ذلك المصحف العظيم الذي يبلغ قياس الصفحتين فيه (4.20 × 2.40 متر)، وقـد نقشت عليهما آيات من الذكر الحكيم، ذاك النصب القرآني الذي يقع في قطعة منقسمة مثمنة، تحيط بها المسطحات الخضراء والزهور التجميلية، ما إن تقف أمامه وتقترب منه إلا وتدب القشعريرة في جسدك، وقد اكتست الجدران بالسيراميك، وتشتمل الآيات المنقوشة صفحتين كاملتين من القرآن الكريم.

وكلما اقتربت من ميدان الكتاب أكثر سوف ترى النصب في صورة مصحف حقيقي تحمله يدان، بالإضافة إلى أن الواجهة الوسطية للنصب تعطي صورة رائعة للتصميم الإسلامي، إلى جانب الأقواس المكونة من الرخام باللونين الأخضر والأحمر الوردي، أما عن الإنارة فقد تم تثبيت 8 كشافات تحت النصب، وكشافين خلف المصحف، وآخرين في المقدمة، وآخر على الجوانب بمجموع 12 كشافاً.

أقف وسط ذلك الميدان المهيب لأتجول بعيني لأشهد كم من المباني الفخمة المميزة التي تحيط بالمكان، والتي صُممت بفن معماري بُني على الطراز الإسلامي التقليدي، ولا يمكن أن يفوتك أن تلقي نظرة سريعة على مكتب صاحب السمو الحاكم، ومسجد أحمد بن حنبل، والقصر الثقافي، والذي يستخدم للحفلات والمناسبات والفعاليات الثقافية.

مسجد الإمام أحمد بن حنبلمسجد الإمام أحمد بن حنبل

ابن حنبل الأيقونة

يعتبر مسجد الإمام أحمد بن حنبل تحفة فنية رائعة تطل على ميدان الثقافة، بل إن اختيار مكان المسجد أمام "دوار الكتاب" أعطى الاثنين بهاء ووقاراً وقدسية وروحانية تدب في جسدك ما إن تخطو بقدميك أرض ذلك الميدان.

ويخطف ذلك المسجد المهيب الذي جرى افتتاحه في 30 ديسمبر 1998، وبني على مساحة 10849.4 متر مربع بتكلفة عشرين مليون درهم، الحواس جميعها وليس النظر فحسب بملامح العمارة الاسلامية في مختلف عصورها، والتي تزين المسجد الذي يعد واحداً من أكثر مساجد الشارقة التي استخدم فيها الرخام بطريقة غاية في الروعة والجمال.

3 مداخل ومئذنتان

لا يمكن أن تكون على أرض ميدان الثقافة ولا تقرر أن تهرول لزيارة مسجد أحمد بن حنبل، فسرعان ما تجد نفسك تقف أمام مداخله الثلاثة المتنوعة «المدخل الرئيسي، ومدخل مصلى النساء، ومدخل المكتبة»، ولا يمكن ألا يجذبك المدخل الأمامي للمسجد ذلك الذي يتزين بثلاث قباب، إحداها رئيسية، والتي استعملت فيها الخرسانة المسلحة المطعمة بالزجاج، والأخرى أقل حجماً ومنسوباً، إلى جانب واجهات المسجد الخارجية التي تتميز بالأقواس وأعمال الجبس، والتي تحمل الطابع الإسلامي الممزوج بالحداثة.

مسجد الإمام أحمد بن حنبل بالشارقةمسجد الإمام أحمد بن حنبل بالشارقة

ويتجمل الجامع بمئذنتين بارتفاع 61 متراً عن الأرض، وأهم ما يميزه احتواؤه على أول مكتبة في الشارقة، خاصة بالنساء، والتي تفتح أبوابها من صلاة العصر إلى العشاء وبشكل يومي، كما يتميز الجامع بالخدمات والمرافق في الدور الأرضي ومواقف للمصلين من كل الجهات، وتوجد حلقات لتحفيظ القرآن للرجال والنساء.

يبلغ إجمالي مساحة المسجد، إضافة إلى ملحقاته، 2540 متراً مربعاً، منها مساحة قاعة الصلاة الرئيسة 1813.12 متر مربع، وتستوعب 2518 مصلياً، ومساحة مصلى النساء وخدماته 105.06متر مربع، والمكتبة ومرافقها 105.06 متر مربع.

أشعر بالفخر

غادرت المسجد لأعود أدراجي إلى قلب ميدان الثقافة، لمحتها تجلس إلى جانب المسطحات الخضراء التي تتوسط المكان، فاطمة الشحي هكذا عرفت نفسها لي وأنها تعمل في إحدى الدوائر الحكومية بالشارقة، تحدثت فاطمة عن حبها لهذا المكان الذي تأتي إليه دوماً بعد انحسار قسوة شمس الصيف، لتتنفس الصعداء بعد ساعات العمل الشاقة، -والكلام علي لسان الشحي- طالما شعرت بالفخر لأنني مواطنة عربية إماراتية، ولكنني اليوم عن حق زدت شرفاً وفخراً بأنني أمتلك كل هذا التاريخ العبقري الذي يجعل العالم كله ينحني لنا ولإرادتنا في الحفاظ على هويتنا والوصول إلي العالمية في مجالات عديدة، ينتابني هذا الإحساس كلما أتيت لهذا المكان ورأيت كماً لا بأس به من السائحين الأجانب الذين يلتقطون اللقطات التذكارية أمام هذا الدوار الذي يزينه المصحف الشريف، بل ويعد أيضاً فرصة جيدة لتثقيف أولادنا خاصة وأنه يجعلنا نتحدث معهم عن حضارتنا وديننا الحنيف.

هكذا وجدتني أجلس بعيداً عن البشر الذين انتشروا في دوار الكتاب ما بين الاستمتاع والترفيه والتثقيف وجلست وحدي ألتقط الأنفاس استعداداً لرحلة العودة لم أملك سوى أن أتمتم قائلة: بأنها استحقت بالفعل أن تكون بلد الثقافة التي كتبت اسمها بحروف من نور، لترسم الصورة الحقيقة للمدينة الحديثة بعراقتها وتقاليدها، عاصمة الثقافة الإسلامية التي استغلت حتي الشوارع والميادين لتنطق بروح وتتحدث بتاريخ الأصل وتحث على القراءة لتجعل من نفسها منارة لكل راغب في الاستزادة والثقافة.