"انتصار دبلوماسي حققناه في مدريد" هكذا يردد الساسة الأتراك، وفي مقدمتهم الرئيس رجب طيب أردوغان، على خلفية توقيع المذكرة مع السويد وفنلندا والتي تلزم هذين البلدين بتنفيذ مطالب أنقرة بوقف دعميهما للمنظمات الإرهابية وتسليمها مطلوبين.
وسائل الإعلام بدورها راحت ــ وقد اختارت عنوان عريضا لفرحتها "تركيا حصلت على ما تريد" تبرز تصريحات أردوغان خصوصا تلك المتعلقة بالانجاز التاريخي غير المسبوق والمتمثل في وضع تنظيم جولين (حركة خدمة التابعة للداعية الديني فتح الله جولين) في أحد وثائق الناتو كمنظمة إرهابية .. !
لكن في المقابل خرجت عبارات مغايرة على لسان رئيسة الوزراء السويدية "ماجدالينا أندرسون" والرئيس الفنلندي "ساولي نينيستو"، صحيح لم تكن على النقيض من نظيرتها التركية لكنها على الأقل ليست بهذا القدر الهائل من التفاؤل السائد الآن لدي القصر الرئاسي في العاصمة أنقرة.
وفي الشق الخاص بتسليم المطلوبين، يبدو التقاطع واضحا بين تركيا من جهة ومن جهة أخرى السويد وفنلندا اللتان نفتا أنهما تعهدتا لأردوغان أثناء مفاوضاتيهما بمدريد تسليم اسماء بعينها، وأوضحتا في إعلانين منفصلين أن هذا الأمر يخضع للقوانين ببلاديهما ويتم بموجب ما يراه القضاء مناسبا، وأمس الأول الجمعة قال وزير خارجية الثانية "بيكا هافيستو" إن بلاده وتركيا لم يناقشا تسليم أي أفراد أو جماعات!
وقبل هذا التصريح بيوم واحد، شدّد وزير عدل الأولى "مورجن يوهانسون" على أنّ القرارات المتعلّقة بتسليم مطلوبين إلى دول أخرى يُصدرها "قضاء مستقلّ" وما " تمّ توقيعه مساء الثلاثاء الماضي ينصّ بوضوح على أنّنا سنحترم الاتفاقية الأوروبية" فيما يتعلق بعمليات الترحيل.
غير أن مراقبين ذهبوا إلى القول بأن تصريحات هذين المسئولين كان الهدف منها بالأساس طمأنة الداخل الغاضب في بلديهما خصوصا في السويد فعلي الصعيد النخبوي قال بول ليفين، Paul Levin مدير معهد الدراسات التركية في جامعة ستوكهولم، لـموقع "المونيتور" "تستند سياسة السويد الخارجية على القيم، وتصور العديد من السويديين لأنفسهم هو أنهم أمة تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان إلا أن أنقرة وضعتها أمام خيارا حادًا إما المبادئ أو الأمن، وكان هذا بمثابة صدمة للكثيرين هنا الذين رأوا أن بلادهم لا يجوز لها التخلي عن دورها التقليدي على المسرح العالمي".
ومضى مستطردا أنه على الرغم من الجهود التي تبذلها تركيا، فإن للأكراد تأثير متزايد في السويد، يشكل الأكراد أكثر من 1٪ من سكان السويد البالغ عددهم عشرة ملايين. ويوجد ستة نواب من أصل كردي في البرلمان.
عزز ذلك ما جري أمس السبت حيث نظم عدد من أنصار منظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية والاتحاد الديمقراطي السوري مسيرتين احتجاجيتين في مدينتين سويديتين فيها صرخ المتظاهرون بهتافات مناهضة لحكومة أندرسون مرددين لقد قاتلوا نيابة عن العالم كله للتخلص من الإرهابيين الداعشيون في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردية ثم محذرين "إذا قبلت السويد مطالب تركيا ، فهذا يعني أن داعش يصبح أقوى من جديد".
وفي خضم هذا الزخم لم ينسو أن يرفعوا صور زعيمهم البارز عبد الله أوجلان الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة بجزيرة إمرالي ببحر مرمرة غرب إسطنبول ليختتموا مسيرتهم مطالبين بالانسحاب من مذكرة التفاهم التي تم توقيعها على هامش قمة حلف شمال الاطلسي بمدريد.
أيا كان الأمر إذن، ومع مبالغة الأطراف في مواقفها، لكن الثابت وهذا بحسب محللين هو أن أردوغان ظفر ببعض ما أراده واستطاع انتزاع تنازلات حقيقية سواء من هلسنكي أو ستوكهولم وإن كانت الأخيرة صاحبة النصيب الأكبر من هذه التنازلات.
وما اعتقده بعض الأكاديميين والنواب السويديين أن بلادهم لن تتراجع عن حقوق الإنسان وحرية الصحافة وحماية الأقليات التي هي في قوانيننا وعلينا التمسك بهذه القيم، بدا طموحا جدا يدلل على ضغط السلطات السويدية الذي ازداد مؤخرًا على أكراد السويد الذين يقدر عددهم بنحو 150 ألفاً وهذا ليس بجديد فمنذ العام 2018 وهناك مماطلة بعدم تجديد تصاريح الإقامة للأكراد والآن نفوذ تركيا أصبح محسوسًا وها هو أردوغان يطلب من أندرسون إقالة وزير دفاعها بيتر هولتكفيست Peter Hultqvist والسبب مشاركته في احتفال أقيم بمناسبة الذكرى 33 لتأسيس حزب العمال الكردستاني عام 2014.
لكن هذا لا يعني أن اصحاب الأعلام التي يتوسطها قرص الشمس سيستسلمون والدليل على ذلك خطابهم الذي يصدروه حاليا نحو القارة العجوز والولايات المتحدة ومؤداه "كانت تركيا تُعرف سابقًا في أوروبا وواشنطن بأنها الدولة العلمانية الوحيدة المؤيدة للغرب والتي تتمتع فيها النساء بأكبر قدر من الحرية هذه المرتبة تراجعت وبات يُنظر إلى تركيا الآن على أنها معادية للغرب ومؤيدة لداعش " والسؤال هل سيفلحون!!".