هل يؤدي دخول الصين مع روسيا في مواجهة الناتو إلى اشتعال حرب عالمية؟

خبراء لـ«سفن إي نيوز»: الأزمة الأوكرانية قد تتجاوز "أوراسيا" وتتسع لصراع أشد شراسة

اللواء محمود خلف الخبير الاستراتيجي: الحرب العالمية غير واردة لأن الأحداث التي نراها تحدث أمامنا شيء والميكانيزم الخاص بالحرب شيء آخر!

- هناك اتفاق بين القوتين العظميين على الصعود بالصراع لما قبل حافة الهاوية لتحقيق أهداف سياسية سريعة

- لا تشابه بين حافة الهاوية قبل الحرب العالمية الثانية والوضع الحالي لكن الحرب قد تستمر لعدة سنوات

الدكتور محمد فايز فرحات مدير مركز دراسات الأهرام:

- هناك تحولات خطيرة في توجهات حلف الناتو واتساع دائرة رؤيته للدول التي تهدد أوروبا

- تغير سياسة الغموض الإستراتيجي الأمريكية تجاه تايوان قد يؤدي لصدام عسكري خطير مع الصين

طارق البرديسي: من يتحدث عن حرب عالمية ثالثة يبالغ كثيرا، والتفاوض هو كلمة السر في النهاية

مع تطور الأحداث واتساع الدوائر التي تتماس مع الحرب الروسية الأوكرانية ودخول حلف الناتو على الخط وارتفاع درجة حرارة الصراع لمستوى خطير، يخشى العالم من اتساع نطاق الحرب لتشمل أطرافا أخرى. وأصبح السؤال الملح هو متى وكيف تنتهي، وهل يمكن أن تتحول إلى حرب عالمية في ظل أزمة حلف الناتو مع روسيا والصين مؤخرا؟!

اتفاق على الصراع لما قبل حافة الهاوية!

توجهنا بهذا السؤال إلى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء أركان حرب محمود خلف، الأستاذ بأكاديمية ناصر العسكرية، فقال -في تصريحات إلى "سفن إي نيوز"- إن فكرة تحول الأمر لحرب عالمية ثالثة غير وارد على الإطلاق حتى ولو بنسبة واحد في المليون ولابد أن نعرف أن الأحداث التي نراها تحدث أمامنا شيء، والميكانيزم الخاص بالحرب شيء آخر. 

اللواء محمود خلفمحمود خلف

وأضاف أنه ورغم ذلك فلا نستبعد حدوث صدام بين القوتين العظميين وهما متفقان معا على أن هناك حدا وخطا أحمر يقفان هما الاثنان عنده وفق تنسيق معين بينهما! وقد رأينا نماذج كثيرة سابقة لمثل هذا الأمر حيث يصعدا بالصراع والصدام حتى مرحلة ما قبل الهاوية ثم يتوقفا كما لو كان بينهما اتفاق ضمني.

وتابع خلف أن السبب في ذلك ليس لمجرد استعراض القوى والعضلات وإنما لاستخدام قوتيهما لأغراض معينة حيث يقوم كل طرف منهما بتصعيد الضغوط لتحقيق مصلحة ما في إطار شبه اتفاق بينهما على ذلك. 

وأكد الخبير العسكري أنه في ظل الصراع المحموم التاريخي بين الطرفين ومع وجود مطامح وتحديات وفرص لكليهما، فإن كل طرف لن يسمح للآخر بالتوغل أو التجاوز، وأن التوغل الذي يحدث حاليا هنا أو هناك، يأتي في إطار محلي ولا يتجاوز الأوضاع المحلية وذلك لتحقيق أهداف سياسية فيما بينهم وهو صراع خاص بهم فقط.

وحول تطور موقف حلف الناتو ضد روسيا والصين، وأثره على خروج الحرب من منطقة الصراع الروسية الأوكرانية إلى نطاق أكثر اتساعا، يوضح خلف، أن هذا الكلام صحيح نظريا ولكن آليات تحقيقه غير موجودة عمليا والبديل للطرفين هو العمل إلى ما قبل حافة الهاوية وهما يتفهمان ذلك جيدا بغرض تحقيق مصالح سريعة.

وفيما يتعلق بتشابه سيناريو الأحداث الحالي بتطوراته الساخنة والتخوف مع سيناريوهات الحربين العالميتين السابقتين، نفى خلف وجود هذا التشابه وقال إن ما يحدث حاليا يختلف تماما عما حدث قبيل الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال وأنه لابد أن نضع في اعتبارنا أن الزمن قد تغير ولا تشابه بين حافة الهاوية القديمة والحالية لأسباب كثيرة، وإن كان يتم استقطابها بعض الشيء والاسترشاد بها.

وعن توقعاته للمدى الزمني والجغرافي الذي تستغرقه الحرب الروسية الأوكرانية قال: من الصعب التوقع بهذا الأمر في ظل معطيات الأحداث الحالية وإن كنت أعتقد في استمرارها للمدى المتوسط وقد تستغرق عددا من السنوات.

حلف الناتو وتوقعات هنري كيسنجر!

وكان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، قد حدد سيناريوهات ثلاثة محتملة لمستقبل الحرب الأوكرانية من واقع خبرته كسياسي كبير، وأشار إلى سيناريو احتمال زيادة مخاطر دخول الغرب في حرب مباشرة مع روسيا وذلك في حالة استمرار الأعمال العسكرية عند محاولة إخراج روسيا أو طردها من الأراضي التي سيطرت عليها في عمليتها العسكرية. 

ولفت إلى أنه بينما يتضمن السيناريو الآخر العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل 24 فبراير، وفي هذه الحالة ستتم إعادة تسليح أوكرانيا وستكون مرتبطة مع الناتو بشكل وثيق أو ربما عضوا فيه مستقبلا وهو ما يفترض، وفقا لتحليله، تجميد النزاع لفترة محددة. 

ويرى الخبير السياسي الأمريكي هنري كيسنجر في السيناريو الثالث أن أهمية دور الناتو سوف تتراجع إذا توقفت روسيا عند الحد الذي وصلت إليه حتى الآن، بغزوها 20% من أوكرانيا والجزء الأكبر من دونباس والمنطقة الصناعية والزراعية الأساسية، وجزء من الأراضي على ساحل البحر الأسود، وهو ما يعد انتصارا لروسيا.

الصراع في الإندو- باسيفيك

إلى ذلك يبقى السؤال حول أثر دخول الصين إلى جانب روسيا في المواجهة مع حلف الناتو والصراع المحموم في منطقة الإندو-باسيفيك واحتمالات انفجار الوضع من أعماق المحيطين الهادي والهندي لتوريط العالم في حرب عالمية شاملة!

ويقول الدكتور محمد فايز فرحات، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية -في تصريحات إلى "سفن إي نيوز": أستبعد حدوث حرب عالمية أو تحول الحرب الروسية الأوكرانية لمستوى تأخذ معه شكل الحرب العالمية، إلا أن ذلك لا ينفي أن هناك كثيرا من الظواهر السلبية في هذه الأزمة ويمكن أن تتطور إلى مستويات أكثر حدة في الصراع الحالي على قمة النظام العالمي. 

الدكتور محمد فايز فرحات، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجيةمحمد فايز فرحات

وأضاف أن هذه الحرب هي جزء من صدام تحاول روسيا من خلاله إعادة هندسة المنطقة أو جوارها الجغرافي بشكل يضمن أمنها القومي وتأكيد وجودها على قمة النظام وأن الصين تسعى لنفس الهدف في إطار تنسيقها مع روسيا لبناء نظام متعدد الأقطاب وهو أمر تم التعبير عنه بشكل صريح في البيانات الروسية الصينية المشتركة وأبرزها بيان 4 فبراير الماضي. 

ويطرح فرحات تساؤلا عن كيفية الوصول لهدف نظام متعدد الأقطاب وما إذا كان بشكل سلمي أم صدامي من خلال مواجهة عسكرية!

ويستطرد قائلا: إن الإجابة عن هذا التساؤل تستلزم الانتباه إلى وجود تحولات مهمة في قراءة المشهد الدولي ومسار العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو من جانب وبين روسيا والصين من جانب آخر. وأول هذه التحولات الخطيرة يتمثل في إعادة النظر في طبيعة وتوجهات حلف الناتو بعد أن أصبح مدفوعا بقناعة أساسية مفادها أن روسيا تمثل تهديدا للأمن الأوروبي والعالمي وذلك بحسب توجهات الاتحاد والقوى الأوروبية، ومعها الولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي يثور التساؤل حول احتمالات اتجاه الناتو لضم المزيد من الدول في شرق أوروبا وإلى أي مدى سيكون هذا التوسع! كما أن هذا التوسع ليس جغرافيا فقط وإنما وظيفيا أيضا بمعنى التوسع في النظر إلى قوى أخرى داخل النظام العالمي على أنها مصدر تهديد بحيث لا يكون الأمر مقصورا على روسيا وحدها وإنما يمتد ليشمل الصين أيضا. وبناء على ذلك يجب الالتفات إلى الجدل الدائر بين الصين والناتو في الفترة الأخيرة الذي كان موجودا قبل اندلاع الحرب الأوكرانية الروسية وبدا واضحا في القمة الأخيرة للحلف قبيل الحرب وما شهدته من هجوم كبير على الصين واتهامها بأنها السبب في عدم استقرار النظام العالمي.

وينتقل الدكتور محمد فايز فرحات، إلى نقطة متعلقة بالصراع في منطقة الإندو-باسيفيك التي تقع في منطقة المحيط الهادي والهندي ويقول لسفن إي نيوز: إن فرنسا تعد ضمن دول هذه المنطقة لامتلاكها بعض الجزر هناك وهو ما يعطي الفرصة لمد مجالات عمل الناتو إلى الإندو- باسيفيك. وهناك وثائق من الاتحاد الأوروبي تؤكد اهتمامه بهذه المنطقة واعتبارها منطقة مصالح للقوى الأوروبية وهو مظهر آخر من مظاهر تحول الأوروبيين الذي سيأخذ منحى أكثر وضوحا خلال الفترة المقبلة. 

وتابع: أعتقد أنه لو اتجه الناتو للتعامل مع الصين كمصدر تهديد فسوف يثير عدم الاستقرار خاصة وأن الصين دولة مهمة في النظام العالمي ولها مصالح كبيرة في العالم.

الغموض الاستراتيجي والتحول الأمريكي تجاه تايوان!

ويلفت الدكتور فرحات، النظر إلى التحول الأمريكي تجاه قضية تايوان ويقول إن الولايات المتحدة كانت تتعامل معها على أنها جزء من الصين الأم وذلك التزاما بمبدأ صين واحدة. 

ولكن هناك تحول ملحوظ في السياسة الأمريكية تجاه هذا الأمر وهو ما بدا خلال جولة الرئيس بايدن الأسيوية الأخيرة حينما قال صراحة أن أمريكا تعيد النظر في مبدأ الغموض الاستراتيجي الذي تبنته طوال عقود ماضية فيما يتعلق بقضية تايوان. ولا شك بأن مثل هذا التغير قد يدفع الصين لاستخدام القوة العسكرية ضد تايوان لإجبارها أو التأكيد على أنها جزء من الدولة الصينية. 

وذكر أنه قد يحدث تصرف من جانب التيار الحاكم في تايوان بناء على قراءته للتحولات الأمريكية بشكل خاطئ كأن يبادر بإعلان الاستقلال من جانب واحد عن الصين. وفي كلتا الحالتين لن تتردد الصين في استخدام القوة العسكرية ضد تايوان، بينما أعلنت الولايات المتحدة من قبل أنها ستدخل عسكريا لو لجأت الصين إلى هذا الخيار، وهو ما يعني احتمالات وقوع صدام عسكري كبير بالمنطقة. 

ونوه بأنه لن تكون الحرب الكبيرة بالضرورة في منطقة أوراسيا وإنما قد تبدأ في منطقة الإندو- باسيفيك خاصة وأنها تشهد تحولات ضخمة تتعلق بظهور أحلاف عسكرية جديدة مثل تحالف أوكاس ومن قبله حوار الأمن الرباعي، بجانب تعميق تحالف أمريكا مع اليابان وكلها أمور تسهم في تحول المنطقة لمسرح مشتعل بالأحداث والصراعات الساخنة.

وحول تأثير سلاح المقاطعة على الموقف الأوروبي من الحرب الروسية الأوكرانية يقول فرحات إن إقدام روسيا على استخدام سلاح المقاطعة ضد الاقتصاد الأوروبي كأن تتخذ قرارا بمنع صادراتها من الغاز والنفط إلى أوروبا، سوف يؤدي إلى موجة من عدم الاستقرار الخطير في أوروبا بشكل يذكرنا بفترة ما بين الحربين العالميتين السابقتين التي شهدت نموا في تصاعد التيارات اليمينية المتشددة في إيطاليا وألمانيا وإن كان هذا لا يحدث بالضرورة نظرا لوجود تيارات يمينية في أوروبا حاليا تتبنى توجهات إيجابية تجاه روسيا.

كلمة السر في التفاوض

ويتفق طارق البرديسي خبير العلاقات الدولية، مع السيناريو الذي يستبعد حدوث حرب عالمية بصرف النظر عن تطورات الموقف بين الأطراف المعنية، وقال إن من يتحدثون عن حرب عالمية يبالغون كثيرا في الأمر لأن كلا من روسيا والولايات المتحدة تسعيان لتحسين موقفهما وتعظيم أهدافهما الاستراتيجية وتحقيق أكبر مكاسب ممكنة تمكن كل طرف من امتلاك أوراق قوية للتفاوض الذي سيكون كلمة السر في حسم المسألة بين الطرفين. 

طارق البرديسيطارق البرديسي

وأضاف أن تقدم روسيا بعدد من الخطوات يأتي لتأمين سيطرتها على بعض أجزاء من أوكرانيا، بينما تهدف الولايات المتحدة الأمريكية من إرسالها لصواريخ بعيدة المدي لأوكرانيا العمل على إطالة أمد الحرب لتحقيق مكاسب معينة دون أن يعني ذلك وصول الأمر لحرب عالمية.