أمواج الأمان بمواجهة موجات الموت

أمواج الأمان بمواجهة موجات الموت في عصرنا، يعيش الإنسان بأكثر من دائرة؛ دوائر تضيق وتتسع، تتماس وتتداخل وتتقاطع، بل وتتنافر أحيانا، مع دوائر أخرى. 

هي دوائر شخصية وعامة، ذاتية وعائلية، مجتمعية وقُطرية، حتى نصل إلى كون الإنسان جزءا من الدائرة الكونية الكبرى.

بين هذه الدوائر تعمل موجات التأثير والتأثر. نحن الكُتّاب ندرك كيف أثّرت فينا - مثالا - القراءة، وحين اخترنا مرآتها؛ الكتابة، كنا نعرف قوة هذا التأثير، صحيح أننا نكتب لأنفسنا، لكننا أيضا نكتب من أجل قاريء مُضمَر، ومتلقٍّ خفي، نسعى لنؤثر فيه بحروفنا، مثلما تأثرنا بحروف سوانا. غلاف الكلمة الافتتاحيةغلاف الكلمة الافتتاحية

لكن قاريء اليوم بات أكثر معاناة، وقد دهسته الحياة بمشكلاتها، فهدده الفقر، وطحنته البطالة، وشردته الحرب، وغلبه المرض. الأرقام تقول لنا الكثير عن تفاقم مشكلات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، وكأنه كلما تقدمت البشرية، سحقت البشر في طريق التقدم.

كانت هذه الكلمات من نص الكلمة الافتتاحية التي ألقيت في مؤتمر الأدب الأفريقي، ونظمه اتحاد الكتاب الأفارقة، بمشاركة جمعية مؤلفي نيجيريا، والأكاديمية النيجيرية للأداب، واستضافتها جامعة إبادان، 23 – 26 يونيو 2022 الجاري.البطالة في أفريقيا 2020البطالة في أفريقيا 2020

وفقا لإحصاءات البطالة في أفريقيا بعشرين بلدا، نراها تتراوح بين نحو 29% و10%، وهي نسب كبيرة وفقا لأعداد السكان،فقد سجلت جنوب إفريقيا أعلى معدل بطالة في إفريقيا في عام 2020، حيث كان حوالي 29 بالمائة من القوى العاملة في البلاد عاطلين عن العمل. وتبعتها ليسوتو وإيسواتيني، حيث وصلت مستويات البطالة إلى ما يقرب من 25 في المائة و 23 في المائة على التوالي.

اليوم، لم يعد المواطن ضحية لأنظمة سلطوية وحسب، وإنما تكالبت عليه وحوش الوباء والغلاء والفساد، حتى أن الرفاهية لم تعد على قائمة طموحاته، وإنما أصبح يكتفي بتلبية احتياجاته الأساسية، وبات الأمان مطلبا أساسيًا، يسعى إليه، الأمان في البيت والشارع والمدرسة ومكان العمل، الأمان له ولذويه، الأمان له ولمجتمعه.

فخ القطيعة

وقد ساعدنا العلم، أو أوقعتنا التكنولوجيا، في فخ القطيعة مع الآخر باعتبارها تأمينا لذواتنا من بطش الآخر وتأثيره السلبي، فأنشأنا جزرا منفصلة، أقمنا بها، لا يربطها بالآخرين سوى التقنية الرقمية، وصارت وسائل التواصل أحد أدوات اللا تواصل؛ وقد أصبحنا نستعيض بالرسائل المدونة والمسموعة والمرئية عن اللقاءات الحية، ونستبدل بالعبارات الإكليشيهية في المناسبات التهنئة المتفردة الفردية، ونحرص على تسييج جزرنا بحمايتها من الاختراق، وكأننا أجهزة إلكترونية تخشى قرصنة الفيروسات، وأوهمنا أنفسنا أننا سعداء، كلُّ في جزيرته، حتى داخل أفراد الأسرة الواحدة.

كان ظننا أن هذا هو الأمان! لكن مخالب التطرف نهشت وجه ذلك الأمان قسوة، بعد أن امتدت لتهدد كل مساحة آمنة ممكنة: فاستهدفت التلميذات في مدارسهن، وقتلت المؤمنين في دور عباداتهم، وهددت العمال في مصانعهم، وفجّرت العامّة في الأسواق، ولَم تستثن عمليات الإرهاب المتطرفة مكانا إلا وعاثت فيه فسادًا.

والسؤال الذي يجدر بنا - نحن الكُتّاب - الإجابة عليه هو: ماذا نفعل؟

الواقع أنه في خضم هذا المحيط الشرس بموجاته القاتلة، التي تهدد جزرنا الآمنة، علينا التفكير جديا في خلق موجات أمان تحمي حاضرنا وتؤمّن مستقبلنا. إن الكاتب والشاعر لا ينتهي دوره بتسليم نصوصه إلى الناشر، أو كلماته إلى منصة النشر، ولا يتوقف دوره عند صدور كتبه ودواوينه، وإنما تلك هي البداية؛ إن الدور الحقيقي هو أن تتفاعل تلك النصوص مع دائرة القرّاء.

هنا سأناقش معكم عدة أفكار، يتحول فيها الكاتب إلى أن يصبح منارة في مجتمعه المكتئب، وأن يكون فنارا في محيطه الكئيب؛ أي أن يتحول إلى شمعة تضيء موقع خطى الرفاق والأهل في الظلام، ومصباح ينير الطريق للآخرين في المجتمعات المحبطة.

نحن نحتاج من يبث الأمل، ويستحث النفوس على العمل. وقد يكون جديرا بالكاتب الذي حقق نجاحا، أن يعطي الامتنان لجذور هذا النجاح، هل فكّر الأصدقاء بزيارة مدرستهم الأولى، التي بدأ فيها مشوار التعليم، والقراءة، وغرست بها جذور الاهتمام بالأدب؟

الحقيقة أن تجربتي الخاصة كانت مذهلة، حين أخذت مجموعة من إصداراتي للصغار والكبار، وزرت مدرستي الابتدائية في مسقط رأسي، ودخلت المكتبة التي أدين لمحتواها ببدايات القراءة وحب المعرفة، ودار حوار مع الصغار والصغيرات عن القراءة والكتابة. أؤمن بإيجابية هذه الموجة التي أصدرها ذلك اللقاء .

لنتخيل أن كل كاتب أو كاتبة في زيارة لمدارسهم الأولى وكم الرسائل التي ستنمو شجرتها في هذه اللقاءات لتثمر موجات أمان، ستحث الصغار على فعل القراءة الذي يمثل بالنسبة لنا جميعا فعلا إيجابيا، ومؤثرا، وفاعلا. لقد أنقذت القراءة طفولتي، وأعتقد أن الكثيرين يتفقون معي.

في حياة الإنسان أكثر من دائرةفي حياة الإنسان أكثر من دائرة

لقد أتيح اليوم لكتائب الكتّاب والكاتبات منصات عديدة تجعل أصواتهم ملء السمع والبصر. وإن إحدى المشكلات التي تواجه قارتنا الأفريقية هي الهجرة غير المشروعة التي تودي بحياة الآلاف كل عام. فلماذا لا تكون حملتنا لما تبقى من هذا العام، وحتى نلتقي العام القادم، مكرسة للتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية؟

أرقام الهجرة غير الشرعية من أفريقيا متاحة ومتعددة المصادر وتقدر بمئات الآلاف كل سنة، كما أن مصائر هؤلاء توزعت بين الغرق في البحر أو العذاب والترحيل على البر ومنه. هؤلاء المغامرون بفقدان أرواحهم أرسلهم اليأس إلى مراكب الموت. فمن يطفيء نار يأسهم؟

هؤلاء الذين أصابهم اليأس لم يجدوا من يسمع صوتهم، ولم يجدوا صوتا رحيما بهم يناديهم، من تراب وطنهم، لا أقول أن علينا أن نزيف الحقائق كي يتحملوا ما هم فيه، ولكن علينا أن نفكر في رسم طرق بديلة لهم. من واجبنا أن نقدم حلولا ونقترح وسائل على المسؤولين في كل من القطاعين الحكومي والخاص لكي يخصصوا نسبة من الأرباح لرعاية هؤلاء المعدمين. إن المعاشات البسيطة المؤقتة والقروض الميسرة وسيلتان قد تفلحان في إثناء مئات الآلاف عن خوض مغامرة يدفعون فيها للمهرّب مبالغ ضخمة من أجل وهم كبير.

قرن من الهجرات

بعد قرن من الهجرات الأفريقية برمتها إلى أوربا، شرعية وغير شرعية، لا يتجاوز عدد الأفارقة المسجلين في بلدان القارة العجوز سوى عشرة ملايين بقليل، سافر منهم 440,000 في خمس سنوات بين 2000 و2005.

هناك نحو 3,115,500 ملايين أفريقي في فرنسا (إحصاء 2019)، و 1.387 مليون في بريطانيا (إحصاء 2016)، و 1,140,012 مليون في إيطاليا (إحصاء 2018)، و 1,120,639 مليون في أسبانيا (إحصاء 2019)، ومليون في ألمانيا (إحصاء 2020)، 714,732 ألفا في هولندا (إحصاء 2020)، و700 ألف في البرتغال، و550,000 ألف في بلجيكا (إحصاء 2018)، و93,800 الفا في سويسرا (إحصاء 2015)، و50,000 ألف على الأقل في تركيا، و54,450 ألف على الأقل في فنلندا (إحصاء 2019). هؤلاء من نجحوا في الهجرة إلى الجنة الأوربية نسبة ضئيلة جدا قياسا بعدد سكان قارتنا، التي يفوق عدد سكانها المليار و216 مليون نسمة وفق أعداد (2016).

نحن مسؤولون أمام أكثر من مليار نسمة للقيام بدور البحث عن الجنة البديلة في أفريقيا لسكانها وأهلها. ومن هنا تأتي التنمية في الأوطان الأفريقية أولوية لقيام هذه الجنة. واجبنا حث المسؤولين على التنمية وتقديم أفكارنا المبتكرة للاستفادة من الموارد الطبيعية في التاريخ والسياحة.

موجات الأمل

واجبنا أن نبث موجات من الأمل لتحقيق الأمن لهؤلاء الأبناء والبنات. وأن نرسل موجات من التفاؤل من أجل الآباء والأمهات. على كل كاتب وكاتبة، وكل شاعر وشاعرة أن يتحول إلى حقل لإرسال الموجات الجاذبة للأمل. لعلي أستعير عبارة وولي سوينكا: "لا يمكنك أن تعيش حياة طبيعية إذا لم تهتم بمشكلة تؤثر على حياتك وتؤثر على حياة الآخرين، إنها قيم تحملها وهي التي تحدد في الواقع وجودك".

دعونا نفكر معًا؛ إننا نرى إعلانات على ظهر كل فاتورة في كل بنك أو متجر أو محطة بترول. فلماذا لا نضع، بجانب الإعلانات عبارات مثل هذه، سيراها الملايين كل يوم.

كم من الأشخاص وهم يقرأون عبارة سوينكا سيعيدون التفكير في الارتباط بالجذور حين يقرؤون له: "لا يوجد سوى بيت واحد لحياة ذوات الأصداف النهرية؛ لا يوجد سوى درقة واحدة تحيا بها السلحفاة؛ لا توجد سوى صدفة واحدة لروح الإنسان: يوجد عالم واحد لروح جنسنا. إذا ترك هذا العالم مساره وتحطم على صخور الفراغ العظيم، فمن سيوفر لنا المأوى؟ "

هذا في نيجيريا، ويمكن أخذ أمثلة مماثلة، لكتاب وشعراء عظام في كل أفريقيا. ليس فقط على فاتورة الطعام، ولكن على أعمدة النور في الشوارع، وبظهر مقاعد انتظار الحافلات، وداخل لوحات الإعلانات في محطات المترو والقطارات،

كم أحب أن أقرأ في السنغال ذات يوم هذه العبارة في أكثر من فضاء لشاعرها السياسي الكبير ليوبولد سيدار سنجور: "لا أحد لديه الحق في محو ثقافتي لأن مجتمعا بدون ثقافة هو شعب بلا بشر". مثلما أريد أن تكون عبارة نجيب محفوظ في مصر على كل باب: "العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى ولو لم يؤمن بها."

بل لعلي أكون أكثر تفاؤلا، حين أحلم بأن يحمل معلقو المباريات الرياضية، مع أوراقهم المتخمة بالأرقام المكررة، قصائد قصيرة ليقرأوها على مسامع شعوب أفريقيا. إن المباراة الواحدة يشاهدها الملايين، وهنا سيتحقق حلم كل شاعر أفريقي في أن تسمع ملايين الآذان في وقت واحد قصائده، عبر التلفزيون.

ربما يستطيع كاتب أو شاعر أو مبدع في مركز المسؤولية باتحادات الإذاعة والتلفزيون، أن يخصص معلق المباراة دقيقة واحدة يتوقف فيها اللعب خلال التسعين دقيقة، وكثرا ما يحدث ذلك، لقراءة نص قصير، سيكون هناك أكثر من 200 نص، لشاعر أو كاتب، في الموسم الرياضي الواحد. يا له من اختراق، سيكون ثورة شعرية ونثرية دون أدنى شك.

في تراثنا الإسلامي والإنساني نؤمن بالزكاة؛ ونعمل بها. إنها بمثابة الضرائب الواجبة على كل دخل. ولست أستثني الثقافة والآداب والفنون من هذا الدخل، لذلك أدعو كل كاتب وكل شاعر وكل ناشر أن يخصص زكاة عن كتبه؛ نسبة منها تهدى إلى المكتبات العامة، وإلى مكتبات المدارس، وإلى مكتبات الأندية الاجتماعية والرياضية، دعوا الكتب تتحدث باسمكم في كل فضاء. إنها حروفكم تسمو بكم.من مشروعات القراءة للأطفال خارج العاصمة المصريةمن مشروعات القراءة للأطفال خارج العاصمة المصرية

كما أود أن أحيي تجارب المكتبات القائمة على مبادرات شخصية، لحث الأطفال على القراءة، في أماكن بعيدة عن مدن المراكز، تلك القوافل التي يعمل فيها شخص أو أكثر على نقل مجموعة من الكتب على سيارة تقدم خدمة القراءة المجانية، ويا ليت الكتاب يصاحبون تلك القافلة ليقرأوا للأطفال كتبهم. لنحي قوافل القراءة، من أجل طريق حرير معرفي يؤسس لطموح الأجيال الجديدة.

نحن شعوب تحركنا الكلمات، وأمم تؤمن بقوة الحروف، وثقافاتنا الشفاهية والمدونة قوامها الكلمات. هذه الكلمات هي لب موجات الأمان، التي ستمثل حائط صد ضد الموجات العاتية التي تهاجم جزرنا الآمنة.