أثار خبر إنجاب سيدة لطفل بعد مرو أكثر من عام على وفاة زوجها بالاستعانة بتقنية تجميد البويضات، جدلا واسعا وكبيرا لما ينطوي عليه من نتائج غريبة وصادمة للبعض، رغم كون الأمر مألوفا في الخارج خاصة في أمريكا وأوروبا.
لقد شهد المجال الطبي تطورا كبيرا خلال السنوات الأخيرة وحقق ما يشبه المعجزات بفضل التقنيات المستحدثة والوسائل العلمية فائقة التكنولوجيا التي باتت تمكن الأطباء من القيام بعمليات حيوية ودقيقة لم تكن تخطر ببال، وكان منها تقنية تجميد البوضات وحفظها في بنوك خاصة التي استطاعت بموجبها البريطانية لورين ماكجريجور أن تنجب طفلها من زوجها المتوفى وذلك بعد رحيله بأكثر من عام وتفكر في تكرار التجربة لإنجاب طفل ثان!
لورين البريطانية التي حملت بعد وفاة زوجها
ورغم كون المسألة مرتبطة بالتقدم الطبي إلا أنها لا تخلو من أبعاد أخرى شديدة الأهمية لأنها تتعلق بمستقبل الأسرة والمجتمع وكذلك بالجوانب النفسية للأم التي تقدم على مثل هذه العملية وآثارها السيكلوجية على ذلك الطفل المولود بهذه الطريقة، وما إذا كان سيصبح طفلا سويا، بالإضافة إلى البعد الديني الذي لا يستقيم الأمر بدونه.
وحول هذا الموضوع طرح موقع «سفن إي نيوز» مجموعة من الأسئلة على بعض الخبراء في مجالات مختلفة لإلقاء الضوء على كافة الأبعاد المرتبطة بفكرة تجميد البويضات والحمل والإنجاب بواسطتها.
في البداية يوضح الدكتور حسام زكي، استشاري الإخصاب والتلقيح الصناعي في مصر، أن التقدم العلمي المذهل في مجال الطب أصبح يتيح تحقيق أحلام كثير من الناس ممن حرموا نعمة الإنجاب وذلك من خلال ما يسمى بأطفال الأنابيب أو التلقيح والإخصاب الصناعي وهي عمليات معروفة من سنوات وقد استقر الأمر عليها وترتبط بها تكنولوجيا تجميد البويضات التي ظهرت لمساعدة النساء في إمكانية تحقيق حلم الأمومة في حال تعثره بالطرق العادية والطبيعية.
حسام زكي
وقال -في تصريح إلى «سفن إي نيوز»- إن التجميد هو إجراء طبي معروف في مختلف دول العالم يتم ضمن إجراءات صارمة لضمان عدم اختلاط البويضات بوضع أكواد وأرقام خاصة بكل حالة، ونتائجه ترتبط بالشروط الصحية لعملية التخزين والتجميد، وكلما تمت هذه العملية في سن صغيرة كانت التكلفة أرخص والنتيجة أفضل.
وأضاف: يستفيد من هذه التقنية عدة فئات من النساء منهن من يعانين أمراضا وراثية أو مشكلات صحية تؤثر على عدد ونوعية البويضات وكذلك من يخشين التقدم في السن ويرغبن في الحفاظ ببعض بويضاتهن للإحتفاظ بفرصة الحمل.
وحول شروط إجراء هذه العملية من الناحية الطبية أكد زكي أن المسألة تتعلق بجانبين هما السيدة صاحبة الحالة والمكان الذي تجري فيه العملية فلابد أن يكون موثوقا فيه وفي مستوى جودته.
وذكر أنه بالنسبة للمرأة فهناك اشتراطات صحية يجب أن تراعيها أهمها الإمتناع عن التدخين لو كانت مدخنة والحفاظ على ساعات النوم المستقرة بانتظام وكذلك النمط الغذائي الخاص بها لأنها كلها من الأمور المؤثرة في عملية التبويض كما ونوعا ولذلك ننصح الراغبات في تأخير الحمل وتجميد البويضات بمراعاة عدم تناول الكافيين والمشروبات الغازية لأثرها في معدلات التبويض وجودة البويضات، وكلما تمت العملية في سن صغيرة كانت النتائج أفضل.
وحول الجوانب السلبية المرتبطة بهذه العملية من الناحية الطبية يشير الدكتور حسين مطر استشاري النساء والولادة، إلى احتمالات الخطورة الواردة في بعض الأحيان بسبب تعرض نسبة من النساء لمشاكل متفاوتة الخطورة خلال مراحل هذه العملية منها آلام البطن والشعور بالدوار وانتفاخ المبيض بسبب تناولها لهورمون الخصوبة بغرض تحفيز إنتاج البويضات، كما قد تتعرض المثانة أو الحوض والأوعية الدموية للجرح بسبب الإبرة المستخدمة في جمع البويضات.
وحول الجانب الاجتماعي في هذه المسألة توجهنا للدكتورة سامية الساعاتي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس في مصر، وسألناها عن رأيها فقالت: إذا اضطرت المرأة إلى إجراء* هذه العملية فلابد أن يتم ذلك في ظل وجود بناء اجتماعي قانوني قائم على أسرة من زوج وزوجة ولا يمكن تقبل المجتمع لفكرة أن تقوم امرأة بمفردها باتخاذ قرار الإنجاب من بنك البويضات المجمدة.
سامية الساعاتي
وتابعت -في تصريح إلى «سفن إي نيوز»-: وهي ظاهرة مستوردة في الأساس من أوروبا وأمريكا حيث تلجأ النساء هناك لهذا الأسلوب بسبب رفضهن الارتباط بزوج ورغبة منهن في تجنب الخلافات المادية أو الصراع على حضانة الأبناء.
وواصلت: لكن ذلك لا يناسبنا كعرب ومسلمين وأعتقد أنها تكون مصيبة كبرى لو طبقت في مجتمعاتنا العربية بدون ضوابط وأصبحت كل امرأة تستطيع أن تنجب بدون وجود زوج، فنحن مجتمع شرقي له عاداته وتقاليده ولا يمكن تقبل الأمر إلا فقط في إطار بناء أسري قائم على علاقة اجتماعية قانونية وباتفاق الأبوين لحل مشكلة عدم قدرتهم على الإنجاب بطريقة طبيعية.
وتضيف الدكتورة سامية الساعاتي أن هناك شروطا للتزاوج والارتباط منها الإطار القانوني لتحديد حقوق وواجبات كل الأطراف المعنية والإعلان والاستعداد المشترك للأبوين لاستقبال الأبناء الذي سوف ينتجون عن هذه العلاقة.
وتستكمل: وهناك نقطة أخرى أخشى من حدوثها في حالة اللجوء لبنوك البويضات المجمدة وهو الخطأ المحتمل في تسجيل بيانات أصحاب البويضات والحيوانات المنوية وهو أمر وارد ولكنه يؤدي لكوارث تتعلق باختلاط الأنساب وهي أمور خطيرة جدا تتنافى مع الاعتبارات الدينية.
وعن الآثار النفسية المحتملة لإنجاب طفل من بويضة مجمدة وبدون أب، تقول الدكتورة رشا الجندي، مدرس علم النفس بجامعة بني سويف في مصر، إن هناك جدل كبير يثار حول هذه العملية وأعتقد أنها ذات وجهين أحدهما إيجابي متمثل في حل مشكلة البعض من أصحاب الظروف الخاصة التي تمنعهم من الحمل والإنجاب في وقت معين وتدفعهم للتأجيل، مما رفع عنهم القلق والتوتر خوفا من تأخر الحمل وتقدم العمر.
رشا الجندي
وتضيف -في تصريح إلى «سفن إي نيوز»-: كما يمثل ذلك حلا بديلا لبعض البنات اللاتي يندفعن للزواج بأي طريقة ومن أي رجل حتى لو طلقت سريعا من أجل إنجاب طفل وإشباع غريزة الأمومة وليس من أجل تكوين أسرة.
وتتابع: لكن هناك سلبيات خطيرة في الموضوع ترتبط بأنانية المرأة التي تتخذ قرارا انفراديا بالإنجاب من دون زوج موجود إشباعا لغريزة الأمومة لديها دون أن تفكر في تأثير ذلك على الطفل المولود. لقد خلق الله تعالى الحياة قائمة على تكوين الأسرة بشكلها الطبيعي من أب وأم باعتبار أن لكل منهما وظيفة مهمة ودورا لا يستطيع غيره القيام به.
وذكرت: وعندما نتعمق في علم النفس نجد أن الله له حكمة في كل شيء، ومن ثم فالأمور القدرية التي لا دخل لنا فيها تكون خيرا، ولكن عندما تتم بتدخل منا كأن تلد أم بعد وفاة زوجها فإنها تكون أنانية لأنها اختارت أن تلد طفلا مفتقدا لنموذج الأب لمجرد إشباع غريزتها وحدها وهذا هو الأمر الصعب والضار على نفسية الطفل المولود.
وتستطرد: كما أن احتضان الطفل بواسطة أسرة طبيعية من أب وأم يجعلها سويا خاصة فيما يتعلق بعلاقاته مع الجنس الآخر وافتقاده لذلك يصيبه بخلل نفسي، لذلك أتمنى ألا تفكر الأمهات بأنانية في هذا الموقف ولابد من التفكير في احتياجاتهم النفسية.
وتشير إلى أنه في كل الأحوال على الأم التي تلجأ لهذه الطريقة أن ترضي ضميرها وهي توازن بين مزايا وعيوب الإنجاب من بويضة مجمدة وتضع مصلحة وليدها نصب عينيها.
وبعرض القضية على الدكتور هاشم بحري، رئيس قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر في مصر، قال: لقد قابلت حالات كثيرة ممن أجروا هذه العمليات منهم شباب صغير من الجنسين كانوا يخشون من خطر تأجيل الحمل حتى يمكنهم تأمين مستقبلهم، وذلك بسبب تقدم العمر بالنسبة للزوجات عندما يكبرن وتظهر مشاكل التبويض لديهن.
هاشم بحري
وأضاف -في تصريح إلى «سفن إي نيوز»-: كما عاصرت حالات مرضية كانت تتطلب تأجيل الحمل مما يضطرهم للجوء لتجميد البويضات، وبشكل عام يرتبط هذا الموضوع بفكرة الاحتفاظ بفرصة الإنجاب في المستقبل حتى مع تقدم عمر المرأة، وهو أمر يحققه العلم ومن حق كل إنسان أن يستفيد به في إطار التخطيط لحياته طالما أنه يتم وفق معايير سليمة ومحددة.
ويؤكد بحري، أنه لا يوجد أي مانع طبي ولا نفسي لعملية تجميد البويضات وهو نوع من التفكير العلمي والمنطقي بشرط المحافظة على البويضات في مكان آمن وجيد، كما يجب أن يكون هناك تصالح نفسي لدى السيدة مع هذه الفكرة وأن تكون مقتنعة بها وليست مجبرة حتى لا تشعر بالندم ولكي لا يدفع جنينها ثمن هذا الندم!
وفي الوقت الذي أثارت تقنية تجميد البويضات جدلا واسعا بين علوم الدين، فإن دار الإفتاء المصرية، قد حسمت هذا الجدل بفتوى نشرتها قالت فيها إنَّ عملية تجميد البويضات من مكملات عملية طفل الأنابيب التي استقرت الفتوى على مشروعيتها بناءً على أنَّها من باب العلاج للإنجاب، والأصل مشروعية العلاج والتداوي، وعملية تجميد البويضات قد يكون الدافع لها مباحًا وقد يكون ممنوعًا شرعًا؛ لذا أجازها العلماء بضوابط محددة حفظًا للنسل.
دار الإفتاء المصرية
وحددت الفتوى أربعة ضوابط لتكون عملية تجميد البويضات جائزة شرعا وهي:
1- أن يكون الدافع لعملية تجميد البويضات مشروعًا، وأن يكون موجودًا وقت عملية التجميد.
2- أن تحفظ البويضة المخصبة بشكل آمن يمنع اختلاطها عمدًا أو خطأً.
3- أن تتم عملية التخصيب بين زوجين، بدخول البويضة المخصبة في المرأة وهي ما تزال زوجة له.
4- ألا يتم وضع البويضة المخصبة في غير رحم صاحبة البويضة.