تواجه مصر زيادة ملحوظة في معدلات الانتحار وإقبال الشباب والمراهقين على إيذاء أنفسهم وغيرهم، بالإضافة إلى انتشار موجة من اليأس، مما دفع مؤسسات معنية وجهات بالدولة إلى مواجهة هذا الأمر، كان آخرها مبادرة الأزهر وإطلاقه هاشتاجًا على مواقع التواصل الاجتماعي "لا للانتحار" "لا لليأس".
«سفن إي نيوز» تواصل مع عدد من المختصين للاطلاع على أهمية تلك المبادرات في تقليل معدلات الانتحار وأبرز النصائح لتجنب الانتحار، وهو ما نستعرضه فى التالي:
الدكتورة وفاء عثمان، عضو هيئة التدريس بقسم الصحة النفسية بجامعة حلوان المصري، أكدت أهمية وجود توعية شاملة على مستوى المدارس والجامعات وأماكن العمل، تساعد الأفراد على مواجهة التغيرات الحياتية والضغوط النفسية، ومساندتهم في التعامل مع المواقف.
وأضافت عثمان في تصريحات لموقع «سفن إي نيوز»، أن الشعور بالإحباط، وقصة القلق إذا زاد عن حده يدخل الفرد في متاهات الاكتئاب، بالإضافة إلى شعور بعض الأفراد بالخوف من شيء مجهول، منوهة إن لم يخضع هؤلاء للعلاج تزيد احتمالية ميولهم نحو الانتحار أو إيذاء النفس بشكل كبير.
وطالبت بتوعية الآباء حول مؤشرات ما قبل الانتحار، وأيضًا إطلاق توعية مجتمعية واسعة لغير المتخصصين في المجال الصحي النفسي تضم الأمهات وكبار السن والأساتذة في الجامعات والمعلمين والمسؤولين في الجهات الكبيرة ذات الاحتكاك مع الأفراد بصورة عريضة، للتوعية بمراحل الوصول للانتحار الذي يبدأ بفكرة ثم التخطيط له في حالة تملكه الفرد.
وتابعت: "هناك بعض المصطلحات ينطق بها المنتحر كالدنيا ليس لها قيمة أو أنه ليس له أهمية في الحياة، فضلًا عن تضائل نظرته أمام نفسه وتدهورها، وفقدانه للمتعة في أي شيء في حياته ونشاطته اليومية، فتبدأ هويته في السقوط، وكل ذلك يمكن ملاحظته ومن ثم إدراكه".
وأشارت إلى أن من لديه ميول انتحارية تقل العلاقات بينه وبين الناس، فغالبية المنتحرين ينسحبون من العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، بالإضافة إلى انعزال المنتحر قبل وفاته عن المجتمع.
وقالت إن مراحل الانتحار تبدأ من الفكرة ثم التخطيط في حالة الفشل ثم الإصابة بالاكتئاب ثم الإصابة بالاكتئاب الشديد ثم فقدان المتعة، وأخيرا الانتحار، مضيفة أنه من أعراض الميول للانتحار صحيًا وطبيًا تنازله عن كل شيء فضلًا عن قلة كلامه، وملاحظة إيماءات بالإحباط.
وأكدت أن هناك أدوية طبية يمكن علاج مثل هذه الحالات إن اكتشفت، تعتمد على رفع نسبة عمل الموصلات العصبية الكيميائية المسؤولة عن تحسين المزاج، بالإضافة إلى علاج سلوكي معرفي وعلاج آخر بالحجز في المستشفى عبر خطة علاجية ويتم وضع المريض تحت الملاحظة من 3 إلى 6 أشهر.
ونوهت إلى نوبات اكتئاب موسمية يمكن لها مع الأعراض الشديدة الانتحار مثل موسم الامتحانات، والمشكلات الحياتية الشخصية في مراحل عمرية معينة، تختلف من شخص إلى شخص، مشددة أن تراكم اللاوعي المعرفي بأسباب وأعراض وحلول الانتحار.
فيما يرى الدكتور محمد كمال، أستاذ العلوم الإنسانية والأخلاق، أن الحملات التي تقوم بها جهات معينة من أجل التصدي لبعض الظواهر السلبية مثل الانتحار تتم على المستوى الرسمي فقط كالإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي بتدشين حملة، في حين أنها لا تشهد تطبيق في الواقع وعلى الأرض بالشكل الحقيقي، وبالتالي لا جدوى أو فائدة منها.
وأضاف كمال في تصريحات لموقع «سفن إي نيوز»، أن الأفضل أن تكون هناك توعية شاملة تشترك فيها وزارات الثقافة والتعليم والتعليم العالي والإعلام والأزهر الكنيسة، بحيث تتناول كافة الجوانب في أماكن متنوعة وتعالج أعراضًا نفسية واجتماعية وأخلاقية ودينية وقانونية، بما يترتب عليه أن يكون هناك تأثير حقيقي على الأرض.
في سياق متصل، قالت الدكتور رانيا رمزي، عضو هيئة التدريس بقسم علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس المصرية، إن الحملات الإعلانية الإلكترونية لدعم من لديهم ميول انتحارية وتقديم الدعم النفسي لهم غير كافية، مضيفة أن الشباب الذين لديهم ميول انتحارية لا يتعرضون لتك الحملات، وأن الحملات تكتفي فقط بنشر الشعارات.
وأوضحت رمزي في تصريحات لموقع «سفن إي نيوز»، أن الميل للانتحار يتكون على فترات ولا يوجد شيئًا يمكن محوه بسهولة، والأصل هو القضاء على الأسباب التي جعلت الشاب يميل للانتحار، مضيفة أن الحملات الإلكترونية لا تحقق أي نسبة نجاح من وجهة نظرها.
وأشارت إلى الأسباب الكثيرة وراء ظاهرة زيادة معدلات الانتحار، لافتة إلى أنه من الأسباب ما يتعلق بالحالة الاقتصادية ولكن ذلك ليس سببًا جوهريًا فلم تكن البطالة أو الفقر سببًا وراء انتحار فتاة المول أو الشاب الأخير فكل منهما ميسر الحال اقتصادية، ورجحت بأن الإصابة بالأمراض النفسية سببًا رئيسيًا وراء ارتفاع معدلات الانتحار.
ونصحت بالتربية الإيجابية منذ الصغر التي تتمثل في تحميل الشباب المسؤولية، وبالتالي يكون في حياتهم أهدافًا، مؤكدة أن حياة الشباب والمراهقين وطلاب الجامعة سلبية لعدم تحملهم المسؤولية.
وأشار إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تزيد شعور النقص لدى الشباب وتشعره بنقصان الثقة وتصيبه بالاكتئاب، فضلًا عن الأسباب القديمة المعروفة كالفراغ والوحدة والتفكك الأسري.
ونوهت إلى أن التنمر بين الشباب يعد سببًا رئيسًا ومن دوافع الانتحار، مستشهدة بأقوال قاتل الطالبة المصرية نيرة أشرف أمام جامعة المنصورة بأنه قتلها لتهكم أصدقاءه عليه وأنها لن ترتبط بشاب ضعيف السمات مثله، منوهة إلى أنه على الرغم من كونها حالة قتل وليست انتحار إلا أن التنمر من الأسباب والدوافع للانتحار.
فيما قال الدكتور هاني هنري، أستاذ العلوم الإنسانية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن الدراسات والأبحاث العلمية تؤكد أن أي خطة تقف على الوعظ والإرشاد فقط لن تكون مجدية وربما تأتي بتأثير عكسي في حالة شعوره أكثر بأنه مخطئ.
وأكد "هنري" في تصريحات لموقع «سفن إيه نيوز» أن الأفضل هو التحدث مع من لديهم ميول انتحارية وسماعهم وأن لا يقف الأمر على الوعظ فقط، مشيرًا إلى عدم تحديهم أو الحكم عليهم بالحلال أو الحرام.
وطالب الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة أن يكون هناك خط ساخن لأطباء نفسيين ومختصين من الأزهر، لاحتواء هؤلاء الشباب ثم وضع خطة لهم وأماكن للمساعدة، لأن من يريد الانتحار لا يريد الوعظ ولكن يريد من يشعر بمعاناته.
في المقابل، يرى الشيخ يسري عزام، إمام مسجد عمرو بن العاص، وأحد علماء الأزهر، أن الحملات الإلكترونية كحملة الأزهر تجدي نفعًا، وأن إطلاق مثل هذه الحملات أمر جيد لأنها تدل الناس على الخير.
وأكد عزام في تصريح لموقع «سفن إي نيوز»، أن الأزهر لا يقف مكتوف الأيدي ويجاهد في تحصين الشباب من الانتحار والتخلص من الحياة، وأن الحملات شيء إيجابي لعدم الانزلاق وراء هذا المنحدر.
وأضاف إمام مسجد عمرو بن العاص، أنه من بين الآليات الأخرى تقديم محتوى مفيد للشباب عبر وسائل الإعلام وأن يتم ضبط المطروح لأن كثير من الشباب المنتحرين يقلدون ما في وسائل الإعلام.
وقال الشيخ أحمد الترك، الواعظ الديني، إن موضوع الانتحار معقد وقد تكون دوافعه نفسية وبالتالي يحتاج المريض إلى علاج نفسي وطبيب ليداويه، وأما إن كان دوافعه اليأس فلابد له من الوعظ.
وطالب الترك في تصريحات لموقع «سفن إي نيوز»، أن يتضمن الخطاب الديني توجيهات عن الأمل والصبر على الابتلاء وإعادة تجديد الحياة والتبشير بالخير.
وأكد الواعظ الديني أن مقاومة ظاهرة الانتحار لابد وأن تكون متكاملة وأن يتضمن الخطاب الديني النصيحة وتوجيه أولياء الأمور أن يعالجوه نفسيًا كما يعالجوه جسديًا لأن الثقافة السائدة في المجتمعات العربية وخصوصًا المصرية تعتبر العلاج النفسي والمرض النفسي هو جزء من تقليل الشخصية.