رشاد عبده: الدول النامية هي من تدفع الفاتورة.. وروسيا لم تتأثر بالعقوبات
اللواء محمد طلبة: هناك دول إفريقية ستتضرر لأنها تحيا على الحبوب
أحمد عليبة: الحرب أمر واقع.. وسياسة التكيُّف هي الأنسب للتطبيق
ماذا لو استمرت الحرب الروسية الأوكرانية؟، هل من الممكن أن تمتد لسنوات؟، وهل نحن بصدد حرب عالمية جديدة تدق طبولها وتُنذر بقدومها؟
تساؤلات عديدة وعلامات استفهام تفرض نفسها على الموقف الراهن، ذلك الوضع الذي لا يشغل فقط طرفي النزاع وشعوبهم، بل كل شعوب العالم الباحثة عن الاستقرار وتفادي أي أزمات جديدة تلقي بظلالها على الجميع.
فالكل ذاق مرارة وخسائر الحروب ونتائجها التي تتأثر بها اقتصاديات العالم، فلا أحد بمنأى عن الأزمة ولا أحد مستثنى من الحصاد.
وهو المنطلق الذي بدأ منه حديث اللواء محمد عبد المنعم طلبة الخبير الاستراتيجي والعسكري، مشيراً إلى ابتعاد المنطقة العربية عن منطقة الصراع من الناحية العسكرية والأمنية وعدم التأثر من ناحية الإصابات أو وقوع ضحايا أو آثار إطلاق نار أو صواريخ، إلا أن تبعات هذا الصراع يصل للعالم كله.
اللواء عبد المنعم طلبة
تلك التبعات التي يوضحها "طلبة" بالإشارة إلى البترول والغاز والحبوب المختلفة أهمها القمح وغيرها من المواد التصديرية المختلفة.
ويقول إن الدول العربية حتى الآن بمأمن حيث تمكنت من التعامل مع الأزمة وتوابعها بشكل رشيد، ففي دول الخليج مثلاً البترول حاضر وموجود وتحت السيطرة التامة لدرجة أن السعودية رفضت طلب الولايات المتحدة الأمريكية بزيادة الإنتاج، وفي مصر أيضاً هناك كثير من الإجراءات التي استهدفت تأمين وضعها بالغلال وصوامع تخزين القمح التي توفر من 6 إلى 8 شهور، لأن القمح تحديداً بالنسبة لمصر مسألة حياة أو موت، وبالتالي تأمينه كان هدفاً استراتيجياً في وقت تمتد فيه الحرب للشهر الرابع وتُنذر بالمزيد، الأمر الذي يؤكد أن العملية ليست بسيطة.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتخيل أن سيناريو إسقاط الاتحاد السوفيتي سيتكرر، وكان هو أملها الوحيد، ولكن "بوتين" فعل العكس تماماً وقد تحدث المفاجأة وتعود بعض الدول للاتحاد السوفيتي تحت مسمى آخر.
ويرى أن الدول الإفريقية ستتأثر بالحرب بشكل كبير خاصة وأن بعض الدول الإفريقية تقوم وتحيا على الحبوب لذلك قد تموت شعوبها من الجوع ونقص الطعام في حال عدم توافرها، بالإضافة إلى الغلاء والارتفاع الجنوني في الأسعار نتيجة الحرب الدائرة.
كما يشيد "طلبة" بالموقف الاستراتيجي الذي انتهجته معظم الدول العربية من الحرب الروسية الأوكرانية، الأمر الذي يُحسَب لهم وسط دول النزاع، فلم تتخذ جانباً ضد الآخر.
ويوضح أحمد عليبة الخبير السياسي والباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن الحرب أصبحت أمرا واقعا واستمرارها هو أحد السيناريوهات المتصورة وربما الموضوعية، وهو أحد أبرز السيناريوهات التي يتبناها الغالبية بسبب عدم استعداد أي طرف سواء من أطراف الحرب المباشرين أو غير المباشرين لتقديم أي تنازل، وبالتالي لا يوجد أي تصور أن هناك تحول يمكن أن يعيد الأطراف لما قبل تاريخ 24 فبراير.
أحمد عليبة
لذلك يرى "عليبة" أن استمرار الحرب هو التصور الواقعي، مشيراً إلى أنه حتى لو توقفت الحرب كسيناريو آخر فإن آثارها باقية وممتدة لسنوات، فانتهاء الحرب اليوم لا يعني انتهاء آثارها في نفس اللحظة.
ويضيف أنه في هذه الحالة نحن لسنا أمام حدث لم يقع من قبل في التاريخ بل لدينا تجارب سابقة، كلها تشير إلى أن الأنسب والأقرب للواقع هو إتباع سياسات التكيُّف، فالأمر أصبح واقعاً فرض على المنطقة ظروف معينة، ولكن في التجارب السابقة مثلاً أثناء الحرب الباردة كان هناك استقطاب، والشرق الأوسط بجغرافيته الواسعة شهد هذه الحالة من الاستقطاب بشكل واسع ومظاهر كثيرة، وكان لبعضها آثار عميقة ولآخرين آثار خفيفة بسيطة، أي أن المقصود أن الدول تتعامل مع الموقف من منظور التكيُّف.
ويشير أن المنطقة العربية ليست في مأزق كبير، لأن معظم الدول تغطي احتياجاتها من الطاقة خاصة في دول الخليج، ولكن هناك بعض الدول التي ستتضرر في الأمور التي تتعلق بالأمن الغذائي، ولكن حتى تلك الدول بدأت اتباع نفس السياسة "التكيُّف" سواء من خلال انتهاج بعض السياسات الداخلية أو البحث عن مصادر أخرى.
ويوضح "عليبة" أن هناك تكلفة غير مباشرة تتحملها الدول التي تبتعد عن النزاع هي تكلفة الحرب التي جاءت في صورة ارتفاع كبير في الأسعار وما إلى ذلك، ويؤكد أن الأهم من سياسة التكيُّف هو السياسات الأمنية متسائلاً "هل سيحدث تكيُّف مع الاتجاهات السائدة في المنطقة؟"، سؤال يجيب عنه، مشيراً إلى وجود شبه منظومة أمن جماعي ولكن لم يتم الاتفاق عليها في ظل وجود اتجاهات مختلفة منها رغبة البعض في أن تكون منظومة عربية فقط وليست شرق أوسطية، بالإضافة إلى موقف الولايات المتحدة الأمريكية التي تعيد تمركزها في الإقليم بشكل مختلف بعد 11 سبتمبر والغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، تلك المرحلة التي انتهت العام الماضي، والتي لا تعني عدم وجودها في المنطقة ولكنها تسعى لتكون جزءًا من الترتيبات التي تتم في المنطقة بشأن تشكيل الإقليم.
من جانبه يرى الدكتور رشاد عبده الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن المسألة لم تعد احتمالاً يتساءل عما إذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية ستمتد لسنوات لأنها قطعاً ستستمر، مفسراً قوله بأن الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على وجه الخصوص يريدون استمرارها، بل ولا يسمحون لوتيرة الأحداث أن تهدأ، ويرسلون أسلحة أكثر تطوراً والدليل على ذلك أنهم بدأوا أولاً بإرسال أسلحة دفاعية ثم أسلحة مضادة للدروع ثم مضادة للدبابات ثم مضادة للطيارات وبعدها مضادة للغواصات وفي الأخير أسلحة طويلة المدى، وحين استخدمت روسيا نبرة شديدة اللهجة وكشَّرت عن أنيابها خرج تعهد "زيلينسكي" الرئيس الأوكراني "المخدوع بالوعود" و"الموهوم بالانتصار على روسيا" على حد وصفه، رغم ما تشهده دولته من دمار وتهجير وأعداد قتلى ومصابين.
د. رشاد عبدهالحرب الروسية الأوكرانية
ويستشهد على تحليله بما صرح به رئيس وزراء بريطانيا حين أعرب عن قلقه من تأثير الغلاء والتضخم في العديد من الدول الأوروبية، الأمر الذي قد يدفعهم للضغط على "زيلينسكي" للجوء إلى الحل السلمي.
ومن الناحية الاقتصادية يشير "عبده" إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا اعتقدوا خطئا أن العقوبات الاقتصادية ستجعل روسيا تخضع وتركع، ولكن روسيا هي روسيا وليست دولة أخرى قد تؤثر عليها تلك العقوبات، موضحاً أن ما حدث هو انقلاب السحر على الساحر، فالعقوبات انقلبت على الغرب، لأن روسيا التي شهدت وقوع الروبل والبورصة واضطرت لرفع سعر الفائدة، أصبحت اليوم الدولة الوحيدة التي تقوم بتخفيض سعر الفائدة في وقت يرفع العالم كله فيه سعرها.
ويستكمل "عبده" حديثه قائلاً: "ونتيجة الإصرار على البيع بالروبل الروسي، أصبح أقوى من بداية الحرب، لدرجة أن إيرادات روسيا زادت، وحتى عندما قامت بتخفيض 20 % للهند والصين لشراء البترول والغاز الروسي كانت الحصيلة لها أكبر، لذلك من يمكن أن يقول أن العقوبات أثرت على روسيا؟".
ويُنهي حديثه مؤكداً أن الحرب مستمرة لمدى زمني طويل لأن أهداف أطراف النزاع لم تتحقق، فقد ظنت الأطراف التي تُنازع بوتين أنها ستتمكن من إخضاعه أو على أقل تقدير إثارة شعبه ضده لأن الاقتصاد لن يتحمل، ولكن كانت المفاجأة بأن الرئيس الروسي "بوتين" كان مستعداً لكل السيناريوهات واستطاع تدبير كل الأمور وتأمين وجود كافة السلع للمواطنين في الأسواق، بخلاف استعادة البورصة عافيتها، وعودة الإيرادات كما كانت وكأن ليس هناك حرباً من الأساس.
ولكن في النهاية من يدفع الفاتورة هي الدول النامية الفقيرة التي لا تملك قوتها ولا تستطيع توفير الطعام لأنها لا تملك الإيراد الذي يتناسب مع الارتفاع الكبير والجنوني في الأسعار، وقد تلجأ بعض الدول للاستدانة فقط لإطعام شعوبهم وقد يتم رفض أمر الاستدانة؛ لعدم تمكنهم من السداد، مشيراً إلى أن الدول الغنية حتى في ظل التضخم لن تتأقلم ولكن الدول الفقيرة لن يكون أمامها سوى الثورات والمجاعات.
ويشير إلى تصريح وزير الاقتصاد الألماني الذي أوضح أنهم مضطرون للاستغناء عن إنتاج السلع المهمة لعدم وجود غاز للمصانع، الأمر الذي يُنذر ببعض النتائج المتوقع حدوثها مثل خروج مظاهرات في بعض الدول اعتراضاً على الغلاء والارتفاع الجنوني في أسعار الغذاء، وكلما استمرت وامتدت الحرب امتدت تداعياتها وتأثيراتها الاقتصادية التي ستصاحبها المزيد من الأزمات.